اللغز دونالد ترامب

السبت 2017/01/21

“الديمقراطية لا تعني دوما سريان الأمور وفقا لما نشتهيه” بهذه العبارة، في مؤتمره الصحافي الوداعي في البيت الأبيض، يناقض باراك أوباما ما قاله قبل أيام بنيامين نتنياهو المهلل لوصول دونالد ترامب بقوله “عالم الغد سيكون مختلفا تماما وهو قريب جدا”.

وبالفعل كما كان الانتظار ثقيلا لمعرفة من يحكم الولايات المتحدة بين 2017 و2021، لأنه بنظر الكثيرين “رئيس العالم”، يسود الترقب والريبة واللايقين في السعي للإحاطة بمقاربات دونالد ترامب إزاء القضايا العالمية الشائكة.

ومع الانتقال السياسي في واشنطن ينتقل النظام الدولي إلى مرحلة جديدة يختلط فيها ما يشبه المشهد الهوليوودي (من دون نجوم هوليوود في حفلة التنصيب) ومخاطر الانعزال والصعود القومي، وكذلك تداعيات تصدع العولمة وعقد الصفقات أو الترتيبات من دون أي وازع أخلاقي في حقبة سقوط منظومة القيم الإنسانية التي كانت تتباهى بها ديمقراطيات ما يسمّى العالم الحر.

قبل أداء الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة القسم في الكابيتول، بدا العالم منقسما حيال دونالد ترامب بين الذين يعتبرهم الرئيس الجديد أعداء أو خصوم أميركا واقتصادها، وفي طليعتهم الصين والمكسيك وألمانيا (ومعها الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي)، والذين يرحبون بالتحول في واشنطن وعلى رأسهم بريطانيا تيريزا ماي وروسيا وإسرائيل.

ونظرا لموقفه السلبي من البرنامج النووي الإيراني، وربطه غالبا بين الإرهاب والإسلام خلال حملته الانتخابية، وتركيزه على ثروات الدول العربية في الخليج، تبدو القوى الأخرى الفاعلة في الشرق الأوسط من تركيا ومصر إلى المملكة العربية السعودية وإيران في موقع المنتظر للممارسة العملية.

من أوباما، الرئيس الأكاديمي والمنظر والملتزم بتحجيم الانخراط العسكري المباشر للقوة العظمى الوحيدة في العالم، إلى ترامب الرئيس الجديد الآتي من عالم المال والصفقات والاستعراضات والمنادي بمبدأ “أميركا أولا” مع ما ينطوي عليه من مخاطر انعزال أو مغامرات خارجية، تم إذن انتقال السلطات في بلاد جيفرسون، وتدخل أميركا والعالم منعطفا جديدا يكتنفه الغموض في ظل تصدع العولمة وتفاقم الفوضى الاستراتيجية.

يتبوأ ترامب الرئاسة وأميركا أكثر انقساما وقلقا والعالم أقل أمنا وأكثر اضطرابا، والأدهى أن يصح التقييم الاستخباراتي الذي يصدره كل أربع سنوات مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية، والذي يتوقع تزايد مخاطر نشوب النزاعات العالمية في الأعوام المقبلة، ووصولها لمستويات لم يسبق لها مثيل منذ الحرب الباردة.

نحن أمام انهيار نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية والدليل ما يركز عليه التقرير الاستخباراتي عند تعداده لمصادر التوتر وهي: صعود روسيا والصين، تفاقم الصراعات الإقليمية، استشراء الإرهاب، التغير المناخي وضعف النمو الاقتصادي.

إنها صورة غير زاهية ترسمها الدوائر الأمنية الأميركية وتضعها برسم الرئيس الجديد كي يحدد أولوياته ويصوغ سياساته، لكن الكثيرين في واشنطن يشككون برغبة ترامب في العمل وفق منهجية فريق العمل والمؤسسات، وأن لغز ترامب سيبقى كاملا ولن ينجلي قبل بدء ممارسة السلطة خارج التواصل من خلال تغريدات تويتر.

يصل ترامب مع تراجع نسبي للزعامة الأميركية وسيكون أول اختبار له حول قدرته على أن يكون زعيما في الداخل والخارج، في عالم يتراجع فيه الغرب وديمقراطياته. فهل سيكتفي ترامب بسحر النجومية والمكاسب المباشرة لأميركا، أم سيسهم في صنع مشهد عالمي أقل توترا؟ إنه اللغز ترامب بكل معنى الكلمة.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك - باريس

9