اللقاء الذي تأخر كثيراً

السبت 2016/09/17

عام واحد، الفاصل الزمني الذي كان يتأرجح بين عمرينا ونحن نتبادل الأدوار في ساحة لعب منسية مع مجموعة من الأصدقاء والصديقات في شارعنا القديم. كانت اللعبة الأثيرة التي غالباً ما تثير غضبي، سؤال طفولي بريء؛ “كم أصبح عمرك الآن؟”. ولأنني الأصغر سناً، فقد كنت أبتلع غضبي بصمت واستسلام وأراقبه وهو ينمو مثل شجرة (بمبر) فيغلفني شعور غامض بالهزيمة لا أعلم سببه، بينما تكتفي هي بإلقاء ابتسامة غامضة وتسبل جفنيها على عينين خضراوين تختلط ألوانهما في الغالب بألوان الملابس التي ترتديها، فتصبح أحياناً صفراء فاقعة أو رمادية طالما أثارت دهشتي، لكنها في جميع الحالات لم تكن تفصح عن أي من الأسرار، التي كانت تحتفظ بها ولا تبوح بها حتى لأقرب صديقاتها.

في لقائنا الأخير، بعد مضي فاصل زمني طويل أمده 17 عاماً، كنت أجلس وحيدة في انتظارها وأنا أضحك في سري لأني لم أضع زهرة في خصلات شعري أو أرتدي قميصاً أصفر كي تستطيع أن تميزني بين جموع المسافرين، فعلى الرغم من أننا تبادلنا الصور والأخبار المبتسرة على مرّ السنين مع بضع مكالمات هاتفية عقدها الأثير مشكوراً بين ستوكهولم ولندن، حيث كان يتصل فيها حديثنا اليومي المعتاد وكأننا مازلنا جارتين تسكنان في شارع واحد، لكن الصور الجديدة لم تعلق بذاكرتي طويلاً، فهي كانت تثير غضبي وتذكرني باللعبة القديمة؛ “كم أصبح عمرك الآن؟”، غضبي هذه المرة صار ينمو حتى أصبح مثل شجرة الفاصوليا التي وصلت إلى السماء كما في حكاية (جاك وشجرة الفاصوليا). ترى كم مرّ من الأعوام لم نتبادل فيها هذا السؤال؟ ولماذا كان علينا أن نكبر في مدينتين غريبتين من دون أن نلتقي ولو لمرة واحدة؟ وكيف نستطيع أن نجمع شتات السنين الماضية في لقاء واحد لا يتعدى بضعة أيام، سنقضي معظمه حتماً بالصمت أو الكلام الأخرس الذي لا يجرؤ على أن يبوح بنفسه.

كنت ألوك أسئلتي وحيرتي وأنا انتظرها في المطار فأتخيلها تأتيني من بعيد وهي تقفز بمرح وتطوح ضفائرها الذهبية يميناً وشمالاً، وهي الصورة الأخيرة التي احتفظت بها مخيلتي من زمن الطفولة. لكنها باغتتني هذه المرة عندما وصلني صوتها الذي احتفظ بنكهته المحببة وهي تربت على كتفي من الخلف وتقول “مرحبا”! التفت وتقابلت نظراتنا، وفجأة سقطت كل السنوات التي باعدتنا وعدنا فتاتين صغيرتين في لحظة، وكنت أنظر بدهشة إلى ملامحها وملامحي التي كبرت ولم تنتظر لقاءنا هذا، اللقاء الذي تأخر كثيراً.

اتصل حديثنا مباشرة بعد أن توجهنا إلى بوابة الوصول، لكن خطواتنا التي كانت تقطع الشارع المقابل صارت بطيئة ومنهكة بعد أن مرّت في لحظات على ملامح سنوات طويلة، من الغياب والحروب والنزوح والهجرة ورحيل الأحلام وموت الأحبة.

صديقة عمري! لا أعرف من الذي ابتكر هذا التعبير، لكني أظنه كان يفكر فينا عندما صاغ عبارته هذه. نعم، فإذا كان العمر رحلة طويلة مجهولة، رحلة نجبر فيها على دفع ثمن التذكرة في كل محطة من دون أن يسمح لنا بتوديع الأحبة، فهناك دوماً من يقف إلى جانبنا في مفترق الطرق، بين المحطات، أو بين زمنين متباعدين لا يفصل بينهما سوى فراغ باهت ومقيت.

صديق العمر، حتى وإن بدا بعيداً موغلاً في صمته، يبقى الشجرة الوحيدة التي نركن إليها في أشد لحظات الوجع والوحدة.

هكذا كانت تبدو لي صديقتي التي تعرفت إليها من جديد في رحلتي الأخيرة، لكني كنت أخجل أن أكرر عليها سؤال اللعبة القديمة؛ “ترى.. كم أصبح عمرك الآن؟”.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21