"اللقاء المشرقي" و"لقاء سيدة الجبل" يثيران الجدل المسيحي الهوياتي في لبنان‎

المؤتمران يعبران عن جانب من الجدل المسيحي حول كيفية تموضع المسيحيين فهل يسعى التيار العوني وراء تأسيس "حلف الأقليات" في المنطقة؟
الأحد 2019/10/13
قلق وجودي ينتاب مسيحيي لبنان

يفتتح لبنان دائرة النقاش حول أوضاع المسيحيين في ظل أوضاع المنطقة المتوترة، عبر مؤتمر “اللقاء المشرقي” الذي ينعقد بداية من الأحد، بحضور الرئيس اللبناني ميشال عون، ويثير المؤتمر تساؤلات حول أهدافه وسط شكوك حول مساعي التيار العوني إلى تأسيس “حلف الأقليات” في المنطقة، حيث توحي رعاية عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل شخصيا لأشغاله، بأن المؤتمر ينزع في اتجاه الترويج للخيارات العونية في ما يخص مسألة الهوية.

بيروت - تشهد العاصمة اللبنانية في 13 و14 أكتوبر الجاري أول مؤتمر يعقده “اللقاء المشرقي” تحت عنوان “الحوار نهج حياة وطريق سلام: إشكاليات التعددية والحرية”. ويعقد اللقاء برئاسة رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون.

ويعبّر المؤتمر بشكل أو بآخر عن تيار فكري قريب من عون والتيار الوطني الحر، ويثير أسئلة عن مقاصد هذا اللقاء وأهدافه، وسط اتهامات من قبل الخصوم بأنه يضع اللبنات الأولى لما يعرف بـ”حلف الأقليات في المنطقة”.

وينفي منظمو هذا المؤتمر هذه التهمة ويعتبرون أن هناك أجندة سياسية مضادة تود إضفاء طابع لا يمت بصلة إلى الهدف من عقد هذا المؤتمر. ويقول حبيب أفرام، رئيس الرابطة السريانية في لبنان، وهو أحد المشرفين على عقد هذا المؤتمر، إن اللقاء هو ورشة تفكير للتعاطي مع المستجدات التي طرأت على المنطقة من أجل البحث عن سبل الدفاع عن حريات الجميع في المنطقة وإنهاء فكر الاستبداد الذي كان يسيطر على العالم العربي.

وينفي أفرام أي تهمة للمؤتمر تتحدث عن انخراطه لتشكيل حلف الأقليات، رافضا مسمى الأقليات، معتبرا أن على كل مكونات المنطقة أن تكون سواسية في الحقوق والواجبات. واعتبر أفرام أن المؤتمر هدفه التمسك بهوية مشرقية على نحو لا يجعله غربيا ولا يجعله مرتبطا بأي أجندات لدول أخرى في الشرق.

وأهمية هذا الجدل تكمن في أن المؤتمر يعبر عن جانب من الجدل المسيحي في لبنان والمنطقة حول كيفية تموضع المسيحيين داخل منطقة تتقاذفها الأنواء الداخلية التي اندلعت منذ عام 2011 تحت مسمى “الربيع العربي”، كما تضارب الأجندات والمصالح الإقليمية والدولية المتعلقة بالشرق الأوسط.

و“اللقاء المشرقي”، “مؤلف من مجموعة مسيحية كانت لصيقة بالرئيس ميشال عون وعُرفت بخلية السبت، مؤلفة من سبع شخصيات هي: وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل (رئيسا للقاء)، نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي، وزير شؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي (نائبا للرئيس)، الوزير السابق كريم بقرادوني، سفير لبنان في واشنطن سابقا عبدالله بو حبيب، رئيس الرابطة السريانية حبيب أفرام (أمينا عاما)، ومستشار رئيس الجمهورية سابقا جان عزيز (أمينا للصندوق).

الخيارات العونية

بعض الأوساط اعتبرته مؤخرا زعيم أقلية في لبنان
بعض الأوساط اعتبرته مؤخرا زعيم أقلية في لبنان

على الرغم من الطابع الفكري للمؤتمر، إلا أن رعاية عون شخصيا للمؤتمر الذي يرأسه صهره وزير الخارجية جبران باسيل، يوحي بأن روحية المؤتمر تنزع باتجاه الخيارات العونية في مسألة الهوية، والتي تم التعبير عنها بشكل غير مباشر من خلال دعوات مضمرة لإقامة تحالف الأقليات في المنطقة.

وكانت أوساط لبنانية قد استغربت التصريح الذي أدلى به عون أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء زيارته موسكو في مارس الماضي، والذي شكر فيه الزعيم الروسي على جهوده لحماية الأقليات المسيحية في المشرق.

واعتبرت الأوساط أن رئيس الجمهورية المفترض أنه رئيس كل لبنان، بمسلميه ومسيحييه، تصرف أمام زعيم دولة كبرى كروسيا، بصفته زعيم أقلية في لبنان يأتي لتوسل الدفاع عنها، فيما أن مهامه الدستورية تفرض عليه العمل على الدفاع عن كل البلد بكافة مكوناته.

ويرى مراقبون أن كلام عون حول الدفاع عن “الأقليات”، يؤكد العنوان الأساس للحركة الفكرية السياسية التي يعمل عليها التيار العوني في لبنان، لجهة ربط حماية المسيحيين بحلف يجمعهم مع الأقليات الأخرى في المنطقة تبتعد عن البيئة العربية وتلتصق بطهران من جهة، وتسعى إلى استدراج رعاية روسية من جهة ثانية.

وفي إطار هذا الجدل المسيحي-المسيحي، يعقد “لقاء سيدة الجبل” الذي يرأسه النائب اللبناني السابق الدكتور فارس سعيد مؤتمرا في باريس في 23 نوفمبر المقبل، تحت عنوان “أي دور للمسيحيين العرب في المرحلة المقبلة”.

ويتضح من خلال هذا العنوان أن المؤتمر يدعو إلى مقاربة مناقضة لتلك التي يشي بها مؤتمر “اللقاء المشرقي” لجهة تأكيد المسيحيين على الهوية العربية وانتمائهم الكامل والأصيل إلى العالم العربي.

ويقول سعيد إن المؤتمر يؤكد على الدينامية التي يتمتع بها المسيحيون في لبنان وسوريا والأردن وفلسطين والعراق ومصر، من حيث أنهم نسيج من هذه المنطقة ويرفضون المحاولات التي تريد أخذ المسيحيين نحو تحالف الأقليات.

ويضيف سعيد أن انعقاد المؤتمر في فرنسا ناتج عن عدم قدرة عدد من المشاركين على المجيء إلى لبنان خصوصا الشخصيات المسيحية التي تعيش قسرا خارج بلادها.

توثيق الحوار

المؤتمر يعبر عن جانب من الجدل المسيحي في لبنان والمنطقة
المؤتمر يعبر عن جانب من الجدل المسيحي في لبنان والمنطقة 

يؤكد سعيد أن رسالة وجودية ينطوي عليها المؤتمر مفادها أنه في ظل القلق الوجوديّ الذي ينتاب المسيحيين العرب جرّاءَ ما تشهدُه المنطقة العربية من عنف إرهابي متفلت، تتبلور ضرورة ملحة للعمل على توثيق الحوار والتعاون بين النخب وقيادات الرأي العام المسيحية والإسلامية، آملا أن يصل صداها إلى أرجاء العالم، بهدف صياغة مشروعٍ لعروبة معاصرة، إنسانية، تتّسع للجميع.

ويتحدث سعيد عن البحث عن عروبة معاصرة بعيدة عن الكليشيهات القديمة التي حولتها إلى أنظمة شمولية في عداء مع العالم. ويدعو إلى عروبة متصالحة مع ذاتها ومع الغرب وتحترم حقوق الإنسان وحقوق المواطنة.

ويرفض جورج صبرة، الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري المعارض، الذي سيشارك مع عدد من المسيحيين العرب في هذا المؤتمر الباريسي، ما يتردد عن أن أنظمة الاستبداد هي الخيار الأفضل لحماية المسيحيين.

ويذكر صبرة أن عدد المسيحيين في سوريا قد انخفض من نسبة 25 بالمئة قبل قيام نظام الاستبداد في سوريا إلى نسبة 5 بالمئة بسبب هذا النظام. وأكد أن المسيحيين هم جزء من هذه المنطقة يسعون إلى قيام ديمقراطيات وحريات تحمي المواطن أيا كانت ديانته، رافضا أي مشروع لربط المسيحيين بحلف الأقليات وبأجندة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران.

6