اللهجة المشفرة كسر المهنة عند الصاغة والنقاشين المصريين

الاثنين 2014/03/10
"دبشة هباشة" تعني أن الزبونة ترغب في بضاعة بسعر أقل

القاهرة- تنهل لغة التجار المصريين من تراثهم ولها جذور وأصول لغوية ولا يستطيع أحد أن يختلقها، حيث تختزل هذه اللغة الخاصة بهم الوقت والتفكير دون أن يفهم زبائنهم توجهاتهم أو نواياهم.

على باب محل “جواهرجي” وقف الشاب بعيون حائرة يتطلع للمعروضات الذهبية، ودخل على استحياء يسأل عن ثمن حلق، وخاتم، وإسورة، ودلاية. نظر إليه الجواهرجي المنشغل مع زبائنه، وقال لمساعده: “أشفور” وممكن يكون “شقال” فـ “فقسوه”. وعاد إلى زبائنه، ولم يفهم أحد أية كلمة، وفي أقل من دقيقتين، خرج الشاب من المحل ليدرك أن أحلامه مؤجلة في الارتباط بصديقته.

مشهد يتكرر كثيراً في محلات بيع الذهب في مصر، إضافة إلى لغة العيون، فالتجار لهم لغتهم الخاصة بهم كباقي المهن، يتواصلون بها مع بعضهم البعض دون أن يفهم الزبائن ما الذي يقصدونه، وتساعدهم في اختزال الوقت والتفكير على عكس استخدامهم اللغة الشائعة.

ومهنة الجواهرجي أو “الصائغ” كما يلقبونه في مصر لها مفردات كثيرة لا يفهما إلا العاملون بها، كما أنها إرث يهودي حسب كلام الجواهرجي عادل شكري، حيث يقول: “لغتنا تعلمناها من يهود مصر، ونستخدمها لاختصار الوقت والجهد فيما بيننا، وحتى لا ندع الزبون ينصرف عن التفكير في الشراء لمجرد دخول زبون آخر”.

معظم كلمات التجار تدور حول تحديد السعر

ويحرص بائعو الذهب على توارث لغتهم، ولا يفك رموزها إلا أهل المهنة لتجنب الوقوع في مشاكل مع زبائنهم، ومن بين كلماتهم “يافت” وتقال على القطعة الجيدة من الذهب وكذلك على الزبون السخي، وعكسها “أشفور” أي فقير، بينما “شقال” تعني حرامي يمكن أن يلتقط بيده أية قطعة ذهب صغيرة، و”يبستا” التي تعني يأكل، و”فقسوه” التي تعني اصرفوه لأنه لن يشتري. وللمال حظ وافر من المصطلحات بين الصائغين، ف”آحاد” تعني جنيه، و”شناين” 2 جنيه، و”شلوشة” 3 جنيه، و"أبو ربيع" 4 جنيه، و”حمشة” 5 جنيهات.

والذهب في مصر سلعة ليست للزينة فقط بل للادخار عند البعض، لذا فإن الزبائن لهم تصنيف عند الصائغين، ولغة للتعامل مع هواة الفصال لكن يتم تطويرها باستمرار بالحذف أو الإضافة، فالمرأة تعني “دبشة”، والرجل “دبش”، و”دبشة أرشة” تعني سيدة ميسورة ومن الممكن أن تدفع، و”دبشة هباشة” تعني امرأة عاشقة للفصال وتريد أقل سعر، و”دبشة شقالة” هي امرأة يجب الحرص منها لأنها قد تسرق شيئاَ.

ويخشى بائعو الفضة الإفصاح عن مصطلحاتهم حتى لا يتداولها الناس ووسائل الإعلام فتفقد قيمتها وغرضها كما حدث مع بائعي الذهب، حيث أصبحت بعض المفردات مفهومة إلى حد كبير عند الزبائن بسبب استخدامها في فيلم “الصاغة” للفنان نور الشريف. ومن مفرداتهم أيضا كلمة “بار” التي تعني قليل الجودة أو مغشوش، و”اشتري كفت” التي تعني اسكت ولا تتكلم، و”دبشة” التي تعني جيدة.

ومهنة النقاش “الدهان” لها مفرداتها، حيث يقول محمد عبدالعليم: “نحمي أنفسنا من طمع الزبائن بتنفيذ كل طلباتهم بأقل تكلفة ممكنة باستخدام بعض المصطلحات والمفردات، بالإضافة إلى لغة العيون”.

فكلمة "وش سينس" تعني استخدم أقل الخامات لأن الزبون لن يدفع، وكلمة “زفر” تعني أرض الزبون بدون خسائر، و”غذي” و"شبع" فتعني الاهتمام بالعمل لتجنب العيوب الواضحة.

"دبشة شقالة" تعني امرأة يجب الإحتراز منها لأنها قد تسرق شيئا

ولتجار الدراجات لغة أصبحت في طي النسيان مع الجيل الجديد الذي اخترع بدوره لغة خاصة بمصطلحات فكاهية على حد تعبير محمود علي، حيث يقول أردت بيع دراجة مكسورة لأحد الزبائن فقلت للصبي "الأفاس الدكر في الفردة الشمال مدهوس" وكان الزبون ميكانيكي سيارات ففهم ما قلته، وتشاجر معي وكاد الأمر يتحول إلى مشكلة كبيرة، ومن يومها لم أعد أستخــدم هذه اللغة.

ويرى محمود المهاجر، أستاذ البحوث الاجتماعية، إن اللغة هي أهم طرق التواصل بين الناس وأن لكل مهنة طرق حوار لا يفهمها إلا أصحابها، مؤكداً أنه ليس ضروريا أن تكون لغة مفهومة، وإنما كلمات لا يفهمها الزبائن لتحقيق غايتها وهي حماية أصحاب المهنة لأنفسهم في تعاملاتهم مع الطرف الآخر، في الوقت الذي يقومون فيه بالحفاظ على العلاقة الخاصة التي تربط أصحاب المهنة الواحدة ببعضهم البعض.

وتلتقط الدكتورة منال عبد المحسن طرف الحديث، قائلة إن الكلمات التي ينطق بها أصحاب المهنة هي دلالة واضحة وأكيدة على اقتصار أصحابها عليها وإنهم في حاجة لإخفاء بعض المعاني عن الشخص الذي يقف معهم من أجل الاتفاق على هدف محدد أو شيء معين يقومون به، وتنحصر هذه اللغة بين أصحاب المهن ذات المردودية المالية الهامة، أو بين أصحاب الخدمات من الحرفيين مثل السباك والنجار والنقاش وغيرهم، ومعظمها يدور حول تحديد السعر دون أن يعلم الزبون بذلك.

وأضافت: “معظم الكلمات التي يتداولها أصحاب المهنة الواحدة لها جذور وأصول لغوية ولا يستطيع أحد أن يختلقها، خاصة الكلمات التي يزداد استعمالها بين تجار الذهب والفضة وغيرهم من أصحاب المهن التي تتجدد أسعارها كل يوم والتي لا تكون على حال ثابت سواء بارتفاع السعر أو انخفاضه.

والمصلحة تقتضي أن يكون بين أصحاب العمل الواحد لغة تحقق مصلحتهم، خاصة فيما يتعلق بشؤون السلع التي يتغير سعرها في كل وقت ومن هنا ظهرت الحاجة إلى وجود لغة لا يفهمها الآخرون.

20