اللهم إني صائم

الأحد 2017/06/18

“اللهم إني صائم” مقولة شهيرة مقتبسة من حديث للرسول صلى الله عليه وسلم رواه أبوهريرة قال فيه “الصيام جُنّة فلا يرفُتْ ولا يجهلْ وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقلْ إني صائم”. المعنى الفقهي للحديث فيه حث على النأي بالنفس عن المناكفات والترهات والهرطقات والخصومات، التي لا طائل منها سوى الغضب الذي يتضاعف تحت مبرر “حشيشة رمضان” وهي مقولة تبرّر كل خرق للمعتاد اليومي من التصرفات والعلاقات الاجتماعية.

استدلال “منطقي” بمنطق العرف الاجتماعي ونزوات النفس التي تتعاظم في شهر الصيام.

يرتكب الناس الحماقات وهم يقودون سياراتهم عند المنعطفات والتقاطعات وحتى في الطرق السيارة. وهم يتسوقون ويتبضعون استجابة لشهواتهم التي لا تنتهي، ويتنزهون، ويعملون. ولكن فتائلهم تشتعل عند أول التحام أو تكاتف أو نقاش أو خطأ يرتكب هنا وهناك سواء كان الأمر متعمدا أو تلقائيا.

نظرية “الانعكاس الشرطي” لإيفان بافلوف، تفعل فعلها فيغدو الناس أعواد ثقاب مهيئة للاشتعال عند حدود أيّ تماس.

المنطق الفقهي والديني يتلاشى وتذوي معه صرامة الأخلاق وحسن العشرة والجيرة. تتشنج العلاقات فتصبح التحية استفزازا والمودة احتقارا والحب عداوة. يفعل الناس كل هذا وفي وضح النهار ويختمون خصوماتهم بالدعاء “اللهم إني صائم” للتبرّؤ من تبعات الانعكاس الشرطي، ليتحمل العالم الروسي بافلوف وحده جريرة اكتشافه العلمي.

في عالم السرد يبدأ القص هادئا متناغما في بعده التأطيري ثم فجأة يحدث أمرا يسميه النقاد بـ“الحدث القادح” فتتغير سحنة القص فيتأزم ويغدو هدوؤه توترا صارخا. أليست القصص والروايات انعكاسا للتفاعل الإنساني في شقيه الهادئ والمتوتر؟ أليست لذلك علاقة بتقلب الأمزجة في شهر رمضان؟

يقوم المرء بالفعل ونقيضه. إنه في قمة ورعه، يصلّي صلواته حاضرة، ويسبّح، ويقرأ ما تيسر من الآيات القرآنية. ويتشبث بالبيت الشهير لأحمد شوقي “إنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”. ولا يلبث أن ينقلب، فيستأسد لأتفه الأسباب وتكثر الإهانات والسباب.

لم يسلم من الأمر حتى طلاب العلم وهم يجتازون امتحاناتهم النهائية في شهر رمضان. ينظر البعض منهم إلى المراقبيْن كعدوّيْن، فيتصيدون المتاعب. ويختلقون الأعذار للتذمر. وتشحن قاعات الامتحان كبطاريات الهواتف. وتصبح قاب قوسين أو أدنى من الانفجار. ويحضر الدواء “اللهم إني صائم”.

ربات البيوت يشبهن أواني أكلهن الموضوعة على النار لطبخ المأكولات، تنتفض أغطيتها كلما زادت درجة الحرارة وارتفعت. حذار من الاقتراب منهن في آخر عشية يوم من الصيام. يجب أن تتخير الكلمات بدقة متناهية. أو بادر بالمساعدة لعلها تكون شفيعك لديهن.

كل العلاقات الأسرية في ما بين أفرادها تخضع لحشيشة رمضان إلا ما رحم ربي. الوالد يبدو متبرّما، سريع الغضب، غير قابل لأيّ نقاش مهما كان نوعه. ربما يكون عذره حاجة بدنه لنيكوتين السجائر، أو تعب العمل ووطأة الحرارة.

الأولاد، والصائمون منهم بالتحديد، يرفضون أيّ انخراط في المشاركة في الأعمال المنزلية بمساعدة الأم مثلا أو التسوق بدلا منها ولكنهم رغم عنادهم توكل إليهم مهمة لا تؤجج فيهم الحشيشة كثيرا وهي الاصطفاف أمام المخبزة لاقتناء ما تيسّر من الخبز.

أما البنات فلا يختلف حالهن عن حال أشقائهن فهنّ يساعدن الأم مكرهات يتعللن بالتعب والعطش حينا وبالتمارض أحيانا.

الجو العام المشحون في الأسرة هو انعكاس منطقي وطبيعي لما يدور في الشارع. التصرفات المتشنجة نجدها في كل مكان يلتقي فيه الناس.

إنها مفارقة عجيبة بين أن يكون الناس منسجمين مع ما يتطلبه الشهر الكريم من رفعة الأخلاق والتآزر والتكافل والتآخي، وبين ما يبادرون بفعله من تصرفات رعناء لا عقل ولا حدّ لها. إنها بكل بساطة، ومن منظور اجتماعي غير واع، حشيشة رمضان. وحاشى أن تكون للشهر الكريم حشيشة.

لكي لا نكون متشائمين كثيرا لا ننفي بأن هناك من الناس أيضا من يستطيعون التحكم في شهواتهم والسيطرة على تصرّفاتهم وبذلك فإنهم يتجاوزون، بشكل ما، ما يعكّر صفو حياتهم. ومرشدهم في ذلك أمران؛ أولهما ديني يستحضرون فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين سأله أحد الصحابة قائلا، أوصني يا رسول الله فأجابه “لا تغضب”، فردد مرارا، قال “لا تغضب”، رواه البخاري.

أما الثاني فهو اجتماعي لا يخرج عن نطاق الدفء العائلي ولوازم الجيرة والصداقة والزمالة. كما لا ننسى ما يتطلبه العيش الجماعي من تعايش سلمي يقوم على الانسجام والود.

شهر رمضان ككل الأشهر ولكن الضعف الإنساني هو الذي يجعل منه شهر “الحشيشة” التي لا تنتهي إلا برحيله.

فلنجعله شهر الودّ لا شهر التشنج.

كاتب تونسي

21