اللهم اجعله خيرا

الاثنين 2014/10/13

ارتديت أرقى وأفضل ثيابي، تأنقت دون مبالغة، فالمناسبة تعد حدثا جللا، ساعات وساعات قضيتها أمام خزانة ملابسي.

فقد اعتلت صديقة عمري وشريكة درب الكفاح في القضايا النسوية، كرسي رئاسة إحدى الدول العربية، كان قلبي يرقص فرحا، طوال الطريق وأنا أتلقى مكالمات تهنئة بالنيابة عن توأم عقلي وروحي، الطريق إلى القصر الرئاسي هذه المرة مختلف، بطعم النصر النسوي في الفوز بهذا المنصب الرفيع، دخلت إلى القصر، استقبلتني موظفته بترحاب مبالغ فيه، لكنها رفضت دخول السائق.

سألتني إحدى الخادمات عن مشروبي المفضل الذي أحضرته إمرأة أخرى، ارتبت في الأمر، كل العاملات والموظفات، حتى الحرس الجمهوري، تزينهن تاء التأنيث، اختفى المذكر السالم، لهذا رفضن أن تطأ أقدام السائق “الرجل” معسكر النساء.

جاءتني السيدة رئيسة الجمهورية في أبهة الحكم، لقد تغيرت كثيرا، لا أعرف كيف رأيتها ذات شارب كثيف، حتى أنها حين قبلتني كان لوجنتيها لون أخضر خفيف دليل الشعر المنبت، جرحت وجنتي بلحيتها النابتة على استحياء.

استفسرت منها عن سر نون النسوة المنتشرة بالقصر، أجابتني بما أزعجني: يا حبيبتي، حاربنا لسنوات وسيوف الإقصاء تجزّ أعناقنا، حان الوقت ليواجه المذكر السالم مرّ الكأس الذي تجرعته تاء التأنيث، ببساطة لن ينال رجل منصبا أيا من كان، سيقومون بخدمتنا والوقوف وراء النساء، وأشارت السيدة رئيسة الجمهورية إلى لوحة كبيرة بالخط العربي “وراء كل إمرأة عظيمة رجل”. عقدت المفاجأة لساني، تحسست جبهتها وأنا أقول: صديقتي الإقصاء لا يواجه بالإقصاء. نحتاج إلى مشاركة مجتمعية فاعلة لقطبي المجتمع. لا إزاحة طرف لصالح طرف آخر، لم نحارب لأجل مجتمع نسوي في مواجهة آخر ذكوري. لسنا ندين ولا طرفي مقص، بل مكملين لأدوار لا تقوم بلا تاء التأنيث في معية المذكر السالم.

الثأر الأنثوي الذي احتل قلبك وعقلك لن يفيد، ينتظرك الكثير من القضايا النسائية والدولية والمحلية، رفاهية المجتمع، تمكين المرأة، حقها الشرعي في الميراث الذي كتبه الخالق سبحانه وتعالى لها والذي لا تناله غالبا في ظل توحش الإخوة الذكور، حقهن وحقهم في تمثيل برلماني وشعبي محترم، حقها في زواج متكافئ تكون فيه شريكة حياة لا أداة متعة، وأيضاً حقها في انفصال هادئ إن استحالت العشرة التي تحفظ لها كرامتها.

قوانين أحوال شخصية كثيرة لا يحركها إلا خاتم رئاسة الجمهورية، حق شباب حالم في فرصة عمل لائقة، منازل آدمية، خدمة طبية وعلاجية ومنظومة صحية “عفية”، تغيير مكانة وطنك على خارطة العالم، دور دولي ملموس، مشروعات قومية عملاقة، منظومة تعليمية ممتازة تنافس كبريات الدول في رقي مناهجها البحثية الاستكشافية وتلفظ التلقين، تأنيث كرسي الرئاسة والمناصب الرفيعة بقدر تذكيرها “حق وليس منة”، الحق في غدٍ أفضل، …..

ظللت أحدث صديقتي بانفعال شديد أصاب حبالي الصوتية ببحة قاسية، ووخزات قوية تنهال على كتفي، حركات سريعة متتابعة تهز جسدي بعنف، وصوت ابني مذعورا تأخرنا في الاستيقاظ، لدي اختبار هام، تحسست يديه ورأيت ملامحه بنصف عيني النائمة، فسألته هل استعددت للامتحان، قال: حفظت الكتاب مثل اسمي، عاودت السؤال، هل فهمت، رد بصوت تتهمني نبراته الساخرة بالغباء، حفظت الكتاب كاسمي.

بإصرار وعنف سألته: ما ذ ا فـهــمــت؟

قال وهو يسحبني من فوق السرير: المدرسة تطالبنا بالحفظ لم تطلب الفهم إطلاقا، هكذا هو التعليم في بلادنا.

أيقنت أنه صباح جديد مازالت كل قضاياه معلقة على أكتاف الحلم في وطن الخيال، “خير اللهم اجعله خيرا”.

21