اللهم اشف مرضانا

في مصر ذات الشعب "المتدين بطبعه" كما يقال، هناك وصفات طبية قائمة كلها على استهلاك الكحول على أساس أن لا حرج على المريض إن كان في الويسكي شفاؤه.
الثلاثاء 2018/05/08
بالهناء والشفاء

يبدو لي أحيانا أن الحكومات تحب الجهل وتتمنى نفشي الأمية والخرافة. الأكثر جهلا أسهل انقيادا. وقد سمعت مرة عبارة منقولة عن راع من الرعيان يقول “أخطر ما في الوجود خروف له القدرة على التفكير”. وهذا موجود حتى لدى الأنظمة الديمقراطية ولكن بدرجة أخف بكثير.

في كل المجالات، الجهل يوفر على السلطة أموالا لأنه يتيح لها عدم الإيفاء بالتزاماتها دون أن يدرك أبناء الشعب حقوقهم ومستحقاتهم ومقدار الخلل في الأداء الحكومي.

لندع التعليم والمواصلات ولنتحدث عن الصحة. الحكومات مبتهجة لسيادة الجهل وانتشار الوصفات القائمة على قشور البطاطس والبصل الأخضر. ويبدو أن السلطات تشجع على هذا الهراء فهو يعفيها من إنفاق الملايين على الأطباء والمستشفيات والأدوية. شعارهم “ما حاجتنا إلى توفير العلاج الكيمياوي والبلد مملوء بقشور الرمان المثبت أنها أنجع من الكيمياوي؟”.

ولا تنسوا قشور الموز المسودة لتفادي كافة الأمراض. الآن وفي بلد كان متقدما علميا مثل العراق يتناقل المواطنون الآن نصيحة دس البصل الأخضر في الجورب وشرب ملعقة زيت زيتون على الريق، للتخلص تماما ونهائيا من السكري. أما العيادات والفحوصات والأدوية، فهذه ندعها للحمقى والمغفلين من إنكليز وألمان الذين ينفقون المليارات على العيادات والأدوية وباقي تلك الترهات.

رويدا رويدا تتدهور منظومة العناية الصحية وينتعش قطاع القرنفل المغلي والعدس الأصفر؛ أدوية يدفع ثمنها المواطن من جيبه. وتزداد ثقة الناس بهذه الوصفات كلما اشتطت في غرائبيتها وقاربت آفاق الشعوذة. لا ننسى أن الدجالين في الريف يطلبون دجاجة سوداء، مثلا، لتعزيز قدرة زبونتهم على الحمل والإنجاب، وهم في الواقع سيطبخون الدجاجة لعشائهم بغض النظر عن كونها حمراء أو بيضاء أو سوداء، لكن اختيار اللون الأندر يجعل الوصفة أكثر مصداقية.

من فوائد هذا التطبب أن بالإمكان استخدامه كحجة لتناول المحظورات أيضا. في مصر ذات الشعب “المتدين بطبعه” كما يقال، هناك وصفات طبية قائمة كلها على استهلاك الكحول على أساس أن لا حرج على المريض إن كان في الويسكي شفاؤه. ومصر لها نصيبها من السكيرين مثل بقية البلاد.

كنت في رحلة في مصر وكان الجالس جانبي يجيب على هاتفه النقال وسمعته يقول بوقار بعد أن اكتسب هالة الحكيم العارف “هل الألم في الجانب الأيسر” ثم “في هذه الحالة فودكا سميرنوف” وفي مهاتفة أخرى “إذا كان السعال جافا فعليك بالبلاك اند وايت أما إذا كان رطبا فما عندك غير الجوني ووكر”.

حزنت لكثرة المرضى ولم أملك سوى الدعاء لمرضى المسلمين.

24