اللهم لا نسألك رد الغباء..

الأربعاء 2013/11/27

قد أشعر بالذّعر حين أسمع أحدهم يناقشني فيؤكد حازما جازما بأنّ المخابرات الإسرائيلية هي التي دمّرت مركز التجارة العالمي لكي تلصق التّهمة بالمسلمين وتمنع أيّ تعاطف دولي مع الفلسطينيين!

وقد أحسّ بالخرس حين أسمع أحدهم يُردد أمام مسامعي بلا خجل ولا وجل بأنّ المخابرات الأميركية هي التي تقوم يوميا بتفجير مزارات ومراقد العراق حتى تلصق التهمة بأهل السنّة وتسرق نفط أرض الرّافدين! وقد أصاب بالذهول حين أصادف متعلما يتهم المخابرات الهندية بأنّها هي التي تدبر تفجير كنائس ومزارات باكستان لكي تهدد الأمن والاستقرار في بلاد المسلمين!

وقد أحتار في الأمر حين أسمع من يخبرنا (بالخبر اليقين) بأنّ الصهاينة هم الذين يحرقون كنائس مصر لأجل إشعال الفتنة في أرض الكنانة وحتى ينتهي الدّور المصري مرّة إلى الأبد! وقد أشكو أمري إلى الله حين أبتلى بمحاور يؤكد بلا تردّد بأنّ عملاء فرنسا في تونس هم الذين قتلوا الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي لغاية تلطيخ سمعة الإسلاميين الحاكمين!

وقد قيل أيضا الكثير مما لا يسع ذكره الآن، مثل الادعاء بأنّ رجال المخابرات الجزائرية هم الذين كانوا يطيلون اللحى ويذبحون الأهالي لأجل إلصاق التهمة بالإسلاميين "المخلصين"، مثلما أن الجيش المصري هو الذي يذبح اليوم نفسه في سيناء لغاية إلصاق التهمة بالإسلاميين "المسالمين"!

وبعد كل تلك الأحايين أسأل نفسي: أي خيال هذا الذي يجرؤ على تصور مثل هذا الهذيان؟ !

بل، قد تدور بي الأرض وأنا أصغي إلى خطاب يتوهم بأن كل الاعتداءات الإرهابية في الأقصر، وسكيكدة، وبالي، والدّار البيضاء، ولندن، ومدريد، ونيروبي وغيرها، جميعها من تدبير مخابرات تلك الدول نفسها. والهدف؟ تشويه صورة المسلمين أو صورة الإسلاميين، أو صورتهما معا!

وبعد كل هذا اللّغط أسأل نفسي: أي خلايا دماغية هذه التي تتخيّل كل هذا الهراء؟! ثم أتذكر كيف أنّ هوس التفسير المؤامراتي جذوره ضاربة في عمق التاريخ الهجري. فمن منّا لا يتذكّر شخصيّة عبدالله بن سبأ، ذلك المشجب الذي علّق عليه المسلمون جميع جرائمهم وحماقاتهم في حق بعضهم البعض، أثناء وبعد الفتنة الكبرى، درءا لوخز الضمير، وتنكرا لروح المسؤولية، وإقبارا لحس العدالة؟ ثم أوشك أن أقول في الأخير: اللهم لا نسألك رد الغباء ولكن نسألك اللطف فيه.

24