الله خارج معادلة الديمقراطية

الانتخابات إجراء مدني يتيح لكل مواطن، أيّا كانت مكانته، صوتا واحدا. عدالة ومساواة مطلقة اكتسبها البشر بعد نضال دام ومرير، ولا علاقة لله بهذا الإجراء البشري.
الخميس 2020/08/06
علاقة ملتبسة بالديمقراطية

بسم الله أفتتح المقال بما يمكن أن يصلح استنتاجا يلخّصه عنوان “الله خارج معادلة الديمقراطية”، وباسم الديمقراطية يرتكب أعداؤها خطايا يختلط فيها الديني بالدنيوي، وفي هذا الاختلاط يطغى تديُّن يجعل علاقة الإسلاميين بالديمقراطية إيمانا أول النهار، وكفرا في آخره، فهي سلّم للصعود، وسيلة للتمكين، ثم يتنكّرون لها. وتلتبس علاقتهم بهذا الإجراء المعقد، غير المقتصر على محدودية صندوق التصويت، فيرفعون قميص عثمان مطالبين بالحرية التي تعني حريتهم في مصادرة حريات الآخرين؛ ففي عقيدتهم أن حريتهم تجسيد للإرادة الإلهية المانعة لحريات الآخرين، ويتراوح وصفهم بين الزنادقة والملحدين وأتباع الطاغوت والإباحيين والأنجاس، وأشياء أخرى لا يسمح المقام بقولها أو نشرها.

لم تفشل ثورة الـ25 من يناير 2011 تماما. تعثّرت مرتين، وتعاني حاليا كبوتها الثانية، ولكنها نجحت في استنبات الوعي الكافي لنجاحها ولو بعد حين، وقد نجحت في تسمية الأشياء بأسمائها، ونزعت القداسة عن شخصيات ومؤسسات دينية وعسكرية كان الاقتراب منها محظورا. في الفورة الثورية الأولى أسفر السعار على الحكم عن مواقف لم يكن التثبت منها يحتاج إلى أقل من ثورة. أولها رد فعل جماعة الإخوان على حرية أراد أحد كوادرها أن يمارسها، إذ أبدى عبدالمنعم أبوالفتوح عضو مكتب الإرشاد رغبته في الترشح لرئاسة الجمهورية، ورأى أنه مؤهل للمنصب المدني. وكانت الجماعة، في طور التقية السياسية، ترفض تقديم مرشح للرئاسة. ولم يتأخر رد المرشد محمد بديع فقال إن الرجل “نقض عهده مع الله”.

لم يتواضع المرشد فيقول إن الرجل نقض عهده مع الإخوان، وخالف ما اتفقت عليه الجماعة. وإنما ساوى بين الله وتنظيم خلط عملا صالحا وآخر سيئا، ويتحدث باسم الله، ويفرض سطوته السياسية ولو على أعضائه البارزين. وبعد انتهاء التقية، كرر بديع “المصطلح”، في مدينة المحلة الكبرى في الـ1 من مايو 2012، في مؤتمر انتخابي لمحمد مرسي مرشح الإخوان، قائلا إن مرسي “لم ينقض عهده مع الله.. بينما غيره نقض عهده، ولم يف بوعده”، في إشارة إلى أبوالفتوح.

الانتخابات إجراء مدني يتيح لكل مواطن، أيّا كانت مكانته، صوتا واحدا. عدالة ومساواة مطلقة اكتسبها البشر بعد نضال دام ومرير، ولا علاقة لله بهذا الإجراء البشري. ولكن المرشد يرسّخ لأتباعه يقينا بأن ما للبشر من أفعال، يخطئون فيها ويصيبون، هو أمر إلهي يخضع لثنائية الحلال والحرام، ولا تجوز مخالفته، ولا يصح معه الاجتهاد بإعلان الرغبة في الترشح قبل موافقة الجماعة حارسة العهد مع الله. لم يكن القول زلة لسان في حالتيْ التقية ثم الخروج إلى النور، وإنما أبداه المرشد في مارس 2013 في مطعم “تشيليز” بأحد المتاجر القاهرية. قال له شاب إن أيام الإخوان في الحكم معدودة، وإن المطعم أميركي، فهل تشجعونه ليطول بقاؤكم في الحكم؟ لزم المرشد الهدوء، وكان هذا سلوكا راقيا يليق بوقار شيخ مسنّ يترفع عن الاستجابة لاستفزاز الشاب، لولا أنه قال “الله كلفني ألاّ أرد على أمثالك”.

يمكن لباحث في الطب النفسي أن يرصد إجماعا مهينا على قداسة أردوغان وعدم نطقه عن الهوى وتتسع له خارطة مرنة تشمل تعليقات وآراء وسبابا وتحريضا من العاملين في فضائيات وصحف ومواقع عربية

زاوية الرؤية لأردوغان، أيا كانت صولاته، تؤكد أن أفئدة الإخوان تهوي إلى أنقرة أكثر من البيت الحرام، وأنهم جنود في المشروع التركي، ويسخّرون إمكاناتهم لمساندة طموحات أردوغان في سوريا وليبيا، في إجماع مهين للعقل، تبطل معه محاولة التساؤل “أليس منكم رجل رشيد؟”، شخص واحد فقط يخرج عن هذا الاصطفاف المؤيد لأردوغان في احتلاله لشمالي سوريا، وغزو لمنطقة عفرين في يناير 2018، ثم إعلانه في الـ21 من يوليو 2020 بأن جيشه سيبقى في سوريا حتى ينعم شعبها بالحرية، متماهيا مع صلف جورج بوش في تسويغه الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وإذا انسحب أردوغان غدا من سوريا واستدعى مرتزقته المحمولين من سوريا إلى ليبيا لدعم نظامها الإخواني، فلن يعتذر أيّ من مؤيديه عن بيعة الغزو، وسيجمعون على الإشادة بحكمته، في جنوحه إلى السلم، بالطريقة نفسها التي جعلوا بها الاحتلال العسكري الدامي فتحا مبينا. النبي نفسه لم يحظ بهذا الإجماع في المهام العسكرية، وكان يسأل الصحابة فيشيرون عليه بآراء تخالف ما انتواه، وتتغير الخطط. في غزوة بدر نادى “أشيروا علي أيها الناس”، ونجحت خطة منع المشركين من الوصول إلى الماء، ثم خالفه صحابة في كيفية التعامل مع الأسرى، واستجاب إلى أن نزلت آية “ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض”. وفي غزوة الأحزاب وافق على ما أشار به سلمان الفارسي من حفر الخندق؛ لحماية المدينة. فكيف ارتقى أردوغان إلى ما فوق مقام النبوة؟

في عام 2014 كان يوسف القرضاوي في الثامنة والثمانين، وكان رئيسا لكيان اسمه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. هذا العجوز الماكر أنزل الله لكي يشارك في تنافس بشري في الانتخابات الرئاسية التركية، وقال إن أردوغان سيفوز؛ “لأن الله معه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير”.

يمكن لباحث في الطب النفسي، وليته يكون غير عربي، أن يرصد إجماعا مهينا على قداسة أردوغان، وعدم نطقه عن الهوى، وتتسع له خارطة مرنة تشمل تعليقات وآراء وسبابا وتحريضا من العاملين في فضائيات وصحف ومواقع عربية، ناطقة تمويلا ولغة بالعربية لا التركية، لكي يجد تفسيرا لعدوى الأردوغانية لدى قطيع من الهتّيفة، لا يشذ عنه “رجل رشيد” منحه الله فضيلة القلق والشك، فيدرك أن الاجتهاد البشري يخضع لنسبية الصواب والخطأ، لا لحرفية الحلال والحرام، انطلاقا من يقين ديني جاهز.

ستكون أمام هذا الباحث الأجنبي مهمة أكبر من إبداء جنود الجيش “العربي” الأردوغاني وضباطه لآرائهم؛ فلا حظر على رأي، وإنما على هذا التجنيد الطوعي للهجوم الهستيري على الرئيس التونسي قيس سعيد حين اكتشفوا أنه عصيّ على التطويع الإخواني. ولا يقل هجومهم عنفا على من يسخر من أردوغان، أو من سيف علي أرباش وزير الشؤون الدينية التركي على منبر آيا صوفيا. يعتبرون الرأي في مسؤول طعنا في الدين، وهم لا يكفّون عن انتقاد شيخ الأزهر أحمد الطيب، ويسخرون منه في فضائياتهم، والرجل مسالم، لا في يده سيف ولا تحت منه “أرباش”.

8