اللواء السابع لغز ليبي لا يزال يثير حيرة المؤيدين والرافضين

قائد اللواء السابع ضابط في الجيش الليبي برتبة عميد ولا يدعم أي جهة سياسية ويعمل بشكل عسكري ضمن مؤسسة منظمة.
الثلاثاء 2018/10/16
اللواء السابع قوة شعبية عسكرية تقلب الطاولة على ميليشيات طرابلس

في يوم 26 من شهر أغسطس الماضي دخلت قوات تسمّي نفسها اللواء السابع- مشاة العاصمة الليبية، وقامت بعملية عسكرية ناجحة غيّرت خارطة الكتائب المسلحة، التي تحكّمت طوال العامين الماضيين في مفاصل المؤسسات الرسمية. ومنذ تلك اللحظة، لم تفق الميليشيات المسلحة في طرابلس من الصدمة.

تحولت القوة المنظمة التي جاءت فجأة من ترهونة ودخلت طرابلس من جهة الجنوب، إلى رقم عسكري كبير في المعادلة التي تتحكّم في الترتيبات الأمنية للعاصمة، ولم تستطع أي من القوى السياسية والعسكرية أن تتجاوزها، كلاعب أساسي في جميع المناقشات التي تجري حاليا لضبط الأمن من قبل الأمم المتحدة والقوى الفاعلة في الأزمة الليبية.

مع كل الغموض الذي لا يزال يحيط باللواء السابع، غير أن أحدا من الجهات الخارجية المنخرطة في الأزمة لم يجرؤ على المطالبة بمواجهته منذ دخوله طرابلس، وكأن ظهوره كان مطلوبا في هذا التوقيت لفك شفرة الميليشيات المسلحة، التي تضخّمت بصورة بات من الصعوبة إخراجها أو حتى عدم الاستجابة لأوامرها من جانب بعض المسؤولين.

أصيبت بعض الدوائر بصدمة قاسية جراء التغيير الحاصل في المعادلة التي خبرتها طوال الفترة الماضية، وترسّخت فيها سلطة الميليشيات بموجب الخطة التي وضعها المبعوث العسكري الأممي السابق باولو سييرا، وارتاحت  لها بعض الجهات، لأنها تحقق أهدافها، حتى لو جاء ذلك على حساب استمرار الأزمة في ليبيا.

تحاول تلك الدوائر التي تآلفت وتأقلمت مع حكم الكتائب المسلحة البحث عن مخرج يضمن استمرار حضورها إلى جوار اللواء السابع، لأن السماح بفرض هيمنته بمفرده، في ظل غياب المعلومات الكافية عن هوّيته، يمكن أن يفضي إلى خلل كبير في التوازنات التي خبرها فايز السراج رئيس حكومة الوفاق وداعموه، وتعتمد على تحييد دور المؤسسة العسكرية النظامية، وتهميش المؤسسة الشرطية الليبية.

تؤكد المعلومات المتوافرة من مصادر مختلفة، أن اللواء السابع يتكون من عناصر تنتمي إلى نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، خاصة التي عملت في الحرس الجمهوري، لكنها انشقت عنه في أواخر أيامه، وشاركت في أحداث ثورة 11 فبراير 2011 ضمن ما يعرف بـ”كتائب الثوار”، وخرجت من المشهد العام لاحقا، وبها عناصر من “الكانيات”، نسبة إلى محمد الكاني وإخوته، وهو محسوب على السلفية المدخلية، وتردد اسمه كقائد للقوة التي انطلقت من ترهونة، بجانب قوة محسوبة على الجماعة الليبية المقاتلة، ونشطاء من قوة ثوار فبراير.

الكانيات والعسكريون

سعد الهمالي، المتحدث باسم اللواء السابع، يقول لـ”العرب” في تصريحات خاصة إن قائد اللواء السابع “ضابط في الجيش الليبي برتبة عميد ولا يدعم أي جهة سياسية”
سعد الهمالي، المتحدث باسم اللواء السابع، يقول لـ”العرب” في تصريحات خاصة إن قائد اللواء السابع “ضابط في الجيش الليبي برتبة عميد ولا يدعم أي جهة سياسية”

ذاع وصف “الكانيات” من جانب العديد من المراقبين، لكن سعد الهمالي المتحدث باسم اللواء السابع، رفض هذه النوعية من التوصيفات وقال في تصريحات خاصة لـ”العرب” إنما هي “محاولة للتشويه، وأي توصيف أو تناول بهذا الشكل هو بغرض التصنيف لإحداث فتنة”.

ونفى وجود عناصر من جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة، واصفا اللواء السابع بأنه “قوة عسكرية نظامية مشكلة من الليبيين الذين ينتمون لمختلف المناطق، ويتبعون تراتبية في إطار من الانضباط العسكري، تبدأ من أعلى رتبة إلى أحدثها، منضوية تحت حكومة الوفاق الوطني”.

لم يكشف الهمالي عن هوية قائد اللواء السابع والذي لا يزال غامضا، وقال لـ”العرب” هو “ضابط في الجيش الليبي برتبة عميد، ولا يدعم أي جهة سياسية، بل يعمل بشكل عسكري ضمن مؤسسة منظمة، وأن عملية طرابلس ليست مشروعا خاصا ولا علاقة لنا بالسياسة ولا نتبع أي مجموعة أو حزب أو توجه”.

وأشار الهمالي إلى أن اللواء السابع “قوة عسكرية منشأة بقرار من حكومة الوفاق الوطني رقم 13 لسنة 2017 الصادر عن فايز السراج، وينص على تشكيل عدد من الألوية تتبع الحرس الرئاسي، ومن ضمنها اللواء السابع بالمنطقة الوسطى الثانية”.

كان السراج أعلن عن حل اللواء السابع في أبريل الماضي، وعقب دخوله طرابلس وتأكيده على تبعيته لوزارة الدفاع في حكومة الوفاق لم يجد اعترافا رسميا منها، بل وجد تعمّدا في تشويه صورته والتقليل من أهميته وتحريض جهات داخلية وخارجية ضده.

وحول سبب تنصّل السراج من تبعية اللواء السابع لحكومة الوفاق، أسند الهمالى ذلك إلى “ضغط الميليشيات المسلحة في طرابلس عليه، وهذه ليست أول مرة تقوم هذه الجماعات بابتزاز المسؤولين في الدولة الليبية”.

حنكة سياسية

المعلومات المتوافرة من مصادر مختلفة تؤكد أن اللواء السابع يتكون من عناصر تنتمي إلى نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، خاصة التي عملت في الحرس الجمهوري.
المعلومات المتوافرة من مصادر مختلفة تؤكد أن اللواء السابع يتكون من عناصر تنتمي إلى نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، خاصة التي عملت في الحرس الجمهوري

بدأ اللواء السابع عملية تطهير للعناصر غير العسكرية في صفوفه، وتقلصت الآن بشكل كبير، والتي لم تكن تتجاوز، حسب وصف بعض المصادر لـ”العرب” نسبة العشرة بالمئة، من بين حوالي خمسة آلاف عسكري، وذلك عندما وجدت قيادته أن العناصر الإسلامية بداخله تضعف ثقة المواطنين فيه، وتحجب عنه صفة الانضباط المعروفة عن العسكريين، وعدم انحيازهم لأي طرف ممن كبّدوا الشعب الليبي خسائر باهظة، أدت للوصول إلى هذه المرحلة القاتمة من الانفلات في الأزمة الليبية.

ظهرت حنكة قيادة اللواء السابع السياسية في التعامل مع سكان طرابلس والقوى الخارجية، فمع المواطنين جرى استخدام خطاب جذاب وشعبوي مطمئن، حظي بقبول واسع من قبل سكان جنوب طرابلس وينحدر غالبيتهم من ترهونة، ومع المجتمع الدولي تم التعامل معه بمرونة واضحة ضربت في مقتل محاولات حكومة السراج التحريض عليه.

فشلت مساعي السراج ورفاقه في حضّ واشنطن على قيام القوات العسكرية الأميركية العاملة في أفريقيا والمعروفة بـ”أفريكوم” بقصف أماكن تمركز اللواء السابع في طرابلس، بل أصبحت الولايات المتحدة من الدول التي تميل إلى عدم الصدام معه، لتقليص أجنحة الميليشيات التي أساءت للكثير من القوى الدولية، ووضعت بعضها في خندق واحد معها.

وقامت إيطاليا التي ساهمت سياساتها السابقة في تضخيم نفوذ الميليشيات بفتح الطريق أمام اللواء السابع نحو طرابلس، وتمكنت من التنسيق مع واشنطن بعدم التصدي له، لأن حضوره في المشهد العام يقلب الحسابات الفرنسية رأسا على عقب، والتي تريد إجراء الانتخابات في 10 ديسمبر المقبل، وفقا لما أشارت إليه مبادرة باريس التي جمعت الأطياف الرئيسية في الأزمة الليبية في 29 مايو الماضي.

لم يتوقع الكثير من المتابعين أن يصبح اللواء السابع عاملا صلباً في طرابلس، وتصوروا أنه لن يصمد طويلا أمام تغول الميليشيات، لكنه أثبت أنه يملك خبرة مكنته من السيطرة على بعض المناطق الحيوية في طرابلس، وكان بإمكانه المزيد من التقدم، لكنه آثر توصيل رسائله العسكرية والسياسية دون صدام مباشر مع قوى كبرى.

تشهد العلاقة بين روما وباريس منافسة حادة في ليبيا، حول أي من العاصمتين تستطيع التحكّم في مفاتيح الحل. وترد إيطاليا على مبادرة فرنسا بمؤتمر تشرف عليه في صقلية يعقد يومي 12 و13 نوفمبر المقبل، وتحشد له دوليا ليكون النواة التي يستند عليها المجتمع لتسوية الأزمة الليبية، ومرجح أن يصبح اللواء السابع أحد أهم العناصر الوازنة التي تظهر على المسرح الدولي في صقلية.

استطاع اللواء السابع أن يكسب خلال فترة وجيزة أرضا سياسية بالتوازي مع تقدمه العسكري، لأنه تحول إلى حبل إنقاذ بالنسبة للكثير من الأطراف التي سئمت تحكّم العصابات ولم تعرف كيف تتخلص منها، فقد فتح ظهوره أملا بإمكانية المضي قدما في خطط توحيد المؤسسة العسكرية التي تحاول بعض الجهات تعطيلها، لأنها تريد للأزمة أن تظل مفتوحة على احتمالاتها الغامضة.

اللواء والمشير

المشير خليفة حفتر ينحدر من مدينة أجدابيا، لكن له علاقات قوية بمدينة ترهونة التي خرج منها اللواء السابع، وأن ميليشيات الكانيات التي ساهمت في تشكيله كان اسمها في البداية “الأوفياء” التي أنشأها حفتر نفسه قبل أن يعاد تشكيلها لتكون نواة ضمن عناصر “اللواء السابع″
المشير خليفة حفتر ينحدر من مدينة أجدابيا، لكن له علاقات قوية بمدينة ترهونة التي خرج منها اللواء السابع، وأن ميليشيات الكانيات التي ساهمت في تشكيله كان اسمها في البداية “الأوفياء” التي أنشأها حفتر نفسه قبل أن يعاد تشكيلها لتكون نواة ضمن عناصر “اللواء السابع″

ربطت بعض الجهات بين قيادة اللواء السابع والمشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، على اعتبار أنهما ينحدران من مؤسسة عسكرية واحدة تحاول استعادة الهدوء والأمن في البلاد، وإنهاء مرحلة الميليشيات.

في هذا السياق هناك أحاديث متناقضة، فالبعض يشير إلى وجود حساسيات بين الجانبين، لأن حفتر أحد الضباط الذين انشقوا مبكرا على حكم القذافي وولاءاته غير مضمونة لمن بقوا إلى جوار القذافي أو انشقوا عنه في أيام حكمه الأخيرة، والبعض يقول إن حفتر يريد السيطرة على المؤسسة العسكرية بمفرده، وتهميش دور القيادات الأخرى.

الحاصل أنه ليست هناك مصلحة من الصدام بين الطرفين، وهو ما تفسره حالة الصمت المتبادلة بينهما، وعندما تحدث حفتر عن معارك طرابلس مؤخرا لم يلمح بأي كلمة سلبية إلى اللواء السابع، الذي يميل إلى عدم الدخول في معارك جانبية، لأن معركته الرئيسية مع الميليشيات والجهات التي اختطفت مؤسسات الدولة الرسمية، وهو الخطاب ذاته الذي يتبناه الجيش الليبي.

معروف أن المشير خليفة حفتر ينحدر من مدينة أجدابيا، لكن له علاقات قوية بمدينة ترهونة التي خرج منها اللواء السابع، وأن ميليشيات الكانيات التي ساهمت في تشكيله كان اسمها في البداية “الأوفياء” وأنشأها حفتر نفسه قبل أن يعاد تشكيلها لتكون نواة ضمن عناصر “اللواء السابع” في ثوبه الجديد، وقبل أن يتحول حفتر إلى قيادة الجيش في شرق ليبيا.

ما يهمّ حفتر أو اللواء السابع أو أي جهة عسكرية نظامية ومنضبطة هو إعادة الحياة الطبيعية للعاصمة، وتنحية الأطراف التي لعبت دورا في تكريس مأساتها، ولم يبد هؤلاء رغبة للمضي قدما في الصدام مع أي جهة، إلا إذا كانت الوسيلة الوحيدة لاستعادة العافية لمؤسسات الدولة، وإنهاء عملية السيطرة عليها من قبل الكتائب المسلحة، وتحسين مستوى المعيشة.

الهمالي يؤكد لـ”العرب” أن “تردي الخدمات المقدمة إلى المواطن الليبي والفوضى الأمنية واختطاف المؤسسات، من أهم الأسباب التي جعلت اللواء السابع يتقدم لتحمّل مسؤوليته الوطنية”، رافضا بشكل قطعي التدخلات الخارجية في الشأن الليبي، لأنها تهدد سيادة الدولة. ويضيف أن اللواء السابع، تمكن خلال فترة قصيرة من كسب تعاطف الشعب لتبنيه مطالبه، في ظل معاناته من بطش العصابات المسلحة التي فرضت قبضتها، بينما نحن “نضم نخبة متميزة من الليبيين الذين يحملون أرقاما عسكرية، ويعملون وفقا للقوانين العسكرية، وحان وقت التغيير والخلاص من المظاهر السلبية التي تسببت فيها الميليشيات”.

قطاعات واسعة في طرابلس رحّبت بالمطالب التي رفعها اللواء السابع ودعمه لقيام دولة مؤسسات في البلاد، وهو ما يوحي بوجود حاضنة وتأييد وقبول شعبي لعناصره في العاصمة. وحرص الهمالي على التأكيد على أن تحركّه لا يرمي إلى تحقيق أهداف سياسية، وأن اللواء السابع يمتلك “هيراركية” وضبط وربط وفق القوانين العسكرية ولا يعلق على الأحداث ذات الطبيعة السياسية، وحكومة الوفاق الوطني لها ممثلوها في اجتماعات توحيد المؤسسة العسكرية التي تجري في القاهرة، وهي الجهة المعنية بالحديث عن الأمر.

وأوضح أن الخطوات السياسية متروكة لحكومة الوفاق، ودعاها إلى تفعيل أجهزة الأمن النظامية التابعة لوزارة الداخلية، وعلى رأسها الشرطة وإعادة تنظيم الجيش وتكوين معسكراته خارج المدن، وتقديم المجرمين للعدالة، سواء قادة الميليشيات أو الذين أساؤوا استخدام مناصبهم.

وانتقد الهمالي قيادة بعض العائلات الليبية للميليشيات المسلحة التي تسيطر على طرابلس، معربا عن أسفه لانتساب الكثير من الميليشيات بشكل رسمي إلى وزارة الداخلية في حكومة الوفاق، ورفض الشعب الليبي لها ومعرفته بحقيقتها وتركيبتها.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن معركة طرابلس العسكرية لم تنته بعد، والتفاهمات الأمنية المؤقتة التي جرت لوقف إطلاق النار، يمكن أن تسقط في أي لحظة، مع إصرار الميليشيات على عدم الخروج بسهولة من المشهد، وفقدان المزايا التي حصلت عليها في الفترة الماضية.

على ضوء الطريقة التي سيتعامل بها اللواء السابع مع الكتائب المسلحة، والدور الذي تراه الأطراف الفاعلة سوف تتحدّد جوانب أخرى من الصورة، لكن الأهم أن المضي في توحيد المؤسسة العسكرية هو ما يرسم الشكل النهائي للأمن في طرابلس وغيرها من المدن الليبية، وقتها سوف تتحدد بالضبط المكانة التي يمثلها اللواء السابع- مشاة.

13