اللواء المقدشي رئيس أركان اليمن الذي آمن أن "أول الغيث عدن"

الأحد 2015/09/27
اللواء المقدشي يقود معركة الشرعية في وجه الانقلابيين

شكلت عودة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي إلى اليمن قبل أيام، نقلة نوعية وتطوراً هاماً لا على المستوى السياسي فقط، إذ تقدم هذه العودة تأكيداً جديداً على أن مرحلة أولى وأساسية من حرب تحرير اليمن قد أنجزت وأن المرحلة القادمة تسير في الاتجاه السليم، أو المرسوم له، وأما على المستوى العسكري فهي تعد المدخل الأساسي لحرب تحرير ما تبقى من أرض اليمن من بقايا الحوثيين وأنصار الرئيس المخلوع وتحديداً استعادة العاصمة صنعاء، وخاصة بعد أن تمكنت قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية من تضييق مساحات نفوذهم وسيطرتهم، واستطاعت العمليات العسكرية المكثفة والمستمرة منذ ما يزيد على ستة أشهر أن تدمر الكثير من أسلحة تلك الميليشيات المدعومة من إيران، والتي كانت تعدّ العدة لتحويل اليمن إلى منطقة نفوذ إيرانية.

قيادة المقاومة

على الأرض كانت المقاومة الشعبية اليمنية تخوض معارك طاحنة في الكثير من المناطق ضد ميليشيات الحوثي، كانت الصورة أقرب إلى تبديد الطاقة والتضحية بأرواح المواطنين الذين لا يملكون خبرة عسكرية كافية ولا أسلحة ثقيلة لمقاومة تلك الميليشيات المدربة تدريباً جيداً على ما يبدو والتي تمتلك أسلحة نوعية استولت عليها من معسكرات الجيش اليمني أو من تلك التي زودتها بها إيران، بالإضافة طبعاً إلى القوات الموالية لصالح وهي أساساً من مقاتلين من الجيش اليمني، وهؤلاء بطبيعة الحال يمتلكون خبرة قتالية لا بأس بها.

وكان هذا التحدي الأكبر بالنسبة إلى الرئيس اليمني ولقيادة قوات التحالف، إذ لا يمكن حسم المعارك عسكرياً، كما أن أيّ تدخل بريّ لن يكون كافياً، وستكون كلفته من أرواح المدنيين كبيرة، وهذا ما كان ينبغي تجنبه، أو التخفيف منه.

في شهر مايو من العام الجاري أصدر الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي من مقر إقامته المؤقتة في المملكة العربية السعودية قراراً بتعيين اللواء محمد علي المقدشي رئيساً لأركان الجيش اليمني، وقد تحول قائد المنطقة العسكرية السادسة ليكون تحت الضوء ولتقع على عاتقه مسؤولية بناء قوة عسكرية داخل الأرض اليمنية تكون رديفاً للقوات المسلحة التي تعمل تحت راية الشرعية.

اللواء الركن محمد علي المقدشي كان قد ولد عام 1962 في منطقة خورو عنس التابعة لمحافظة ذمار، وهو حاصل على بكالوريوس العلوم العسكرية في العام 1984، تولى العديد من المناصب في اللواء الرابع عروبة فترقّى من قائد سرية مشاة إلى رئيس عمليات دبابات اللواء، ثم عين قائداً للمنطقة العسكرية الوسطى وقائداً للواء 13 مشاة عام 2008.

وشغل منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة للشؤون الفنية، ثم قائداً للمنطقة العسكرية السادسة منذ العام 2013 واستمر في منصبه حتى أصدر الرئيس هادي قراراً بتعيينه رئيساً لهيئة الأركان العامة في الجيش اليمني.

اللواء المقدشي يصف الجيش اليمني الذي أسسه صالح بالقول "سقط الجيش الذي بني على أسس خاصة في أول تجربة وتحول إلى مجاميع مسلحة برتب عسكرية يحركها صغار سن في ميليشيا مسلحة تمردت على كل القيم والقوانين"

جيش جديد

لم تكن المهمة سهلة خاصة في ظل الظروف التي تتعرض لها البلاد، لكن كان لا بد من القيام بها، فوضع اللواء المقدشي خطة تقضي بإعادة بناء وحدات القوات المسلحة على أسس وطنية ولا تخضع للانتماءات القبلية أو الولاءات الشخصية، بما يضمن الأمن والاستقرار والمحافظة على شرعية الدولة.

كان صالح وخلال سنوات حكمه لليمن قد شكّل جيشاً قائماً على الانتماءات والولاءات، سواء كانت قبلية أم شخصية، فنتج عن ذلك عدم وجود جيش مهني كما يفترض بالجيش أن يكون، وظهر الخلل جلياً وواضحاً مع اندلاع الثورة اليمنية أولاً، ثم بعد ذلك مع بدء المد الحوثي باتجاه الاستيلاء على البلاد.

بعض قيادات الجيش انقادت وراء صالح، واعتبرت أن من واجبها الوقوف معه، على الرغم من أنه لا يمتلك أيّ صفة عسكرية أو مدنية، لقد “سقط الجيش الذي بُنِيَ على أسس خاصة في أول تجربة وتحوّل إلى مجاميع مسلحة برتبٍ عسكرية يحركها صغار سن في ميليشيا مسلحة تمردت على كل القيم والقوانين”، كما يقول اللواء المقدشي، وعلى الرغم من أن اللواء المقدشي هو واحد من القيادات العسكرية التي كانت موجودة إبان فترة حكم الرئيس المخلوع، إلا أن ولاءه كان وطنياً وليس شخصياً.

حينها وجهت الدعوة إلى كل أفراد وضباط الجيش اليمني المطرودين من معسكراتهم والراغبين في الالتحاق بالشرعية للعودة من أجل إعادة بناء الجيش اليمني للقيام بالعملية العسكرية الفاصلة لاستعادة كل محافظات اليمن وبسط نفوذ الدولة.

بدأت نتائج هذا العمل المنظم تظهر على الأرض تباعاً، وخاصة من خلال التنسيق الكامل بين القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، حيث كانت ميليشيا الحوثي وقوات صالح تتراجع وتخسر المناطق باستمرار، رغم استهدافها للأحياء السكنية.

منتصف شهر يوليو انطلقت عملية السهم الذهبي التي خاضتها القوات المسلحة اليمنية لتحرير مدينة عدن بالتنسيق مع قوات التحالف العربي، وكانت لجان المقاومة الشعبية تمكّنت من كسر شوكة ميليشيات الحوثيين والتي بدأت ملامح الانهيار تظهر عليها، وتتقهقر إلى الخلف، بعد يومين من القتال المتواصل تحرّرت عدن كلياً من سيطرة الحوثيين، وتقدمت المقاومة والقوات المسلحة باتجاه الأمام، وكان الهدف هو الوصول إلى صنعاء الخاضعة كلياً لسيطرة الحوثيين، وخلال أيام قليلة تمكنت القوات المسلحة اليمنية وقوات التحالف العربي من تحرير تعز، وبدأت الأنظار تتجه صوب مأرب.

يعرف اللواء المقدشي هذه المناطق جيداً وهو المولود في محافظة ذمار، الواقعة بين تعز وصنعاء، ويدرك الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها تطويق صنعاء وقطع طرق إمداد الحوثيين ومحاصرتهم كلياً في صنعاء، وكانت مأرب تشكل نقلة نوعية في حرب التحرير.

الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي ومن مقر إقامته المؤقتة في السعودية يصدر قرارا بتعيين اللواء محمد علي المقدشي رئيسا لأركان الجيش اليمني، ليصبح قائد المنطقة العسكرية السادسة تحت الضوء، ولتقع على عاتقه مسؤولية بناء قوة عسكرية داخل الأرض اليمنية تكون رديفا للقوات المسلحة التي تعمل تحت راية الشرعية

في الطريق إلى مأرب

بالتزامن مع هذه التطورات بدأت عملية إدماج المقاومة الشعبية داخل صفوف القوات المسلحة وخاصة في المناطق التي تم تحريرها، لتجنب فوضى السلاح، وتوحيد الجهود والقوى بشكل منظّم، وعدم الخضوع لأيّ حسابات طارئة ومفاجئة، وقد بادر مقاتلو المقاومة الشعبية إلى الالتحاق بمعسكرات القوات المسلحة.

يوم الجمعة الرابع من شهر سبتمبر 2015، استهدف صاروخ كاتيوشا أطلق من مدينة شبوة معسكراً للقوات المشتركة اليمنية والعربية في منطقة صافر التابعة لمحافظة مأرب فأوقع عدداً كبيراً من الشهداء والجرحى وصل إلى 92 شهيداً، بينهم سعوديون وإماراتيون وبحرينيون.

مثّل هذا الحادث تحدياً كبيراً بالنسبة إلى قوات التحالف العربي وخاصة بعدما نظرت إليه ميليشيات الحوثيين وقوات صالح بوصفه انتصاراً كبيراً وأنه سيعيد خلط الأوراق، وربما يدفع قوات التحالف العربي لمراجعة حساباتها، غير أن هذا الأمر لم يحدث، فقد أعلن مستشار وزير الدفاع السعودي العميد أحمد عسيري عقب الحادث أن هدف قوات التحالف هو تحقيق أمن واستقرار اليمن، و أكد أن العمليات العسكرية ستستمر حتى تحقّق أهدافها.

وما هي إلا أيّام أعقبت الحادث حتى أعلن عن انطلاق عملية تحرير محافظة مأرب من سيطرة المتمردين الذين بدأوا بالفرار تباعاً من مواقعهم تحت ضغط هجمات الجيش اليمني وقوات التحالف.

وينظر الخبراء العسكريون إلى معركة مأرب على أنها تمثل أهمية استراتيجية كبيرة في حرب تحرير اليمن واستعادة استقراره، فهي تقع على مفترق طرق بين المحافظات الجنوبية المحررة والشرقية والشمالية، الأمر الذي يساعد القوات اليمنية والتحالف على الإطباق على المتمرّدين.

كما أن مأرب تقع على الحدود الإدارية لمحافظة صنعاء، ويمثّل تحريرها الباب الرئيس لدخول العاصمة في خطوة ستشل حركة الحوثيين وأتباع صالح وخاصة بعد سلسلة الهزائم الكبيرة التي تعرضوا لها خلال الأسابيع الماضية. كما ستشكل المحافظة بكل تأكيد نقطة تجمع لقوات التحالف البرية القادمة من المملكة العربية السعودية في أيّ تحرك مستقبلا نحو صنعاء وعمران، وصعدة معقل الحوثيين.

مناطق اليمن وعرة التضاريس يعرفها اللواء المقدشي جيدا وهو المولود في محافظة ذمار، الواقعة بين تعز وصنعاء، ويدرك الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها تطويق صنعاء وقطع طرق إمداد الحوثيين ومحاصرتهم كليا في صنعاء، لذلك يرى أن مأرب تشكل نقلة نوعية في حرب التحرير

المقدشي وصالح

فوجئ إعلام الحوثيين والمخلوع، بنبأ ثناء اللواء المقدشي مؤخراً على الرئيس صالح، وسارعت منابر الانقلابيين إلى تناقل الخبر، مضطرين إلى اقتطاع كلام المقدشي، حتى لا يظهر ما قاله على حقيقته، فقد قيل إن رئيس هيئة الأركان العامة اللواء محمد المقدشي كان قد فجّر مفاجأة من العيار الثقيل بثنائه على الرئيس السابق “صالح” في اجتماع بقيادة المنطقة العسكرية الثالثة في مأرب.

وكان المقدشي قد قال “علي عبدالله صالح كان قائدنا، وكنا نكن له كل الاحترام ونحبه ونقدره وأحبّه الناس أكثر عندما وقّع المبادرة الخليجية وخرج من الحكم وكان سيصبح رمزا من رموز اليمن وأحد مراجعها”.

ولكن المقدشي أضاف في حديثه عن صالح قائلاً “لكنه أبى إلا أن يلعنه التاريخ ويلعنه الشعب بحقده الذي حقده على الشعب اليمني وأراد أن يوصل الشعب اليمني إلى هذه المرحلة، لا أحد يعرفه إلا الذي عاش معه”.

بينما أرسل المقدشي إلى الرئيس هادي برقية قبل أيام، أكّد فيها على الظروف العصيبة التي يمر بها اليمن، بعد انقلاب ميليشيات الحوثي وصالح وحربهم الشاملة على الشعب اليمني واحتلال مؤسسة الدولة ومعظم مدن ومحافظات البلاد، وقال المقدشي: إننا نجدد العهد والوفاء للشعب اليمني وللقيادة السياسية مع الاستمرار في المقاومة والكفاح لدحر تلك الميليشيات الانقلابية والقضاء على مخلفات الإمامة البغيضة والاستبداد بكل أشكاله، وشكر دول التحالف العربي وعلى رأسها السعودية والإمارات العربية المتحدة، لوقوفهم مع أشقائهم اليمنيين في كل الظروف، وعملهم على إعادة الشرعية ودحر الانقلاب والقضاء على الوجود الفارسي في البلاد.

8