اللواء جميل السيد رجل الأمن التاريخي الأول في لبنان يفتح النار على الجميع

خيار السيد الجديد الذي يفتح فيه النار على الجميع ليفضح المنتمون إلى النهج.. هل انتهت اللعبة؟
الثلاثاء 2020/12/29
شخصية قوية ذات حنكة وبراعة عالية

لا يختلف اثنان في لبنان وربما في جميع أرجاء العالم حول نسبة الحنكة العالية التي يتمتع بها النائب اللواء جميل السيد، وربما هي إحدى الصفات الأكثر التصاقا به منذ أن كان ضابطا في الجيش اللبناني في جهاز المخابرات، ومن ثم مديرا عاما للأمن العام، واليوم بعدما أصبح نائبا منتخبا من الشعب عن دائرة البقاع الشمالي بعيدا عن مسقط رأسه في قضاء زحلة، حيث أنه وبكل جدارة لا يخوض نقاشا أو يصدر موقفا إلا ويكون مغلفا بإِشارات ليس بمقدور سوى اللبيب فكّها أو حتى فهمها.

لكن صفة الذكاء الملتصقة بالسيد لم تكن دوما في خدمة مسيرته، فهو متهم من قبل خصومه، وربما من حلفائه إذا بقي له أحد منهم، بتركيب الملفات وتدبير المكائد، ويقال إنه أكثر من برع في هذا الشأن مقارنة مع غيره من الذين تولوا مناصب حساسة سواء في الأمن أو في السياسة. وفي هذا المجال لا ينسى اللبنانيون قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة التي كانت السبب الرئيس وراء اعتقال ومحاكمة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وإدخاله إلى السجن ولا ينسون دورا ما، يقال إن السيد كان قد لعبه في تلك القضية.

ولا يزال اللبنانيون منقسمين حول ما إذا كان للسيد أي دور في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري، ورغم توقيفه لمدة أربع سنوات “تعسفيا” في هذه القضية إلا أنه خرج منها بقرار من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لـ”عدم كفاية الدليل”، كما تضاف إلى ذلك الملف مسألة مرافقته للوزير السابق ميشال سماحة عائدين من دمشق في سيارة يقودها سماحة وعلى متنها عبوات ومتفجرات كانت لو استعملت في المخطط الذي رسم لها لأشعلت نار فتنة طائفية جديدة في لبنان، وقد أدين سماحة في هذه القضية في حين “أفلت” السيد الذي قال حينها “سيارة ميشال صغيرة ولا تتسع لحمارين”.

عدم كفاية الأدلة

المثير في مواقف اللواء السيد السياسية الجديدة أنه لا يتوانى عن الدخول في اشتباكات مع من يعتبرون "في الخط نفسه" أي المؤيدين للنظام السوري وما يسمى بنهج المقاومة

السيد المولود في بلدة النبي أيلا في البقاع في العام 1950 خدم في المؤسسة العسكرية فترة 30 عاما تنقل خلالها في مناصب عديدة، غير أن بداية لمعان نجمه كانت إبان الحرب الأهلية التي غرق فيها لبنان وأدت في ما أدت إلى انقسام الجيش اللبناني، ورفض السيد الالتحاق بجيش الملازم أول أحمد الخطيب الذي أصدر مذكرة باعتقاله مع آخرين. غادر على الإثر إلى البقاع والتحق بالنواة الأولى لـ”جيش الطلائع” بقيادة العميد الطيار فهيم الحاج وأصبح قائد سرية مدرعات في اللواء الأول.

وفي العام 1983 تسلّم السيد قيادة فرع مخابرات الجيش اللبناني في البقاع، وراح يتصرف انطلاقا من مناقبيته العسكرية وكأنه ضمن جيش تقليدي لم يكن يرضى وجودا ميليشياويا أو حزبيا حوله أو إلى جانبه، وهذا ما كان يزعج “حزب الله” الصاعد حديثا فتعرّض لمحاولة اغتيال قيل يومها إنها من تخطيط سفير طهران في دمشق علي محتشمي الذي أصبح في ما بعد وزيرا لداخلية إيران. وعرف عن السيد في تلك الفترة تنسيقه الكامل مع المخابرات السورية وقد نجح في انتزاع الثقة السورية المطلقة به بعد تنفيذه كامل المقررات التي كان يتخذها ما عرف بالنظام الأمني المشترك بدقة متناهية.

قمة الهرم الأمني

اللبنانيون لا يزالون منقسمين حول ما إذا كان للسيد أي دور في قضية اغتيال رفيق الحريري، ورغم توقيفه لمدة أربع سنوات “تعسفيا” في هذه القضية إلا أنه خرج منها بقرار من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لـ”عدم كفاية الدليل”.
اللبنانيون لا يزالون منقسمين حول ما إذا كان للسيد أي دور في قضية اغتيال رفيق الحريري، ورغم توقيفه لمدة أربع سنوات “تعسفيا” في هذه القضية إلا أنه خرج منها بقرار من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لـ”عدم كفاية الدليل”

مع انتخاب الرئيس الراحل إلياس الهراوي رئيسا للجمهورية عقب اغتيال الرئيس رينيه معوض وتعيين أميل لحود قائدا للجيش، انتقل الهراوي للإقامة في ثكنة أبلح التابعة للجيش اللبناني في البقاع وأصبح السيد بحكم موقعه رئيسا لفرع مخابرات البقاع مسؤولا عن أمن الرئيس المنتخب حديثا وغير القادر على الانتقال إلى المقر الرئاسي في بعبدا الذي كان “يحتله” العماد ميشال عون.

غير أن علاقة الهراوي بالسيد لم تكن سمنا على عسل، فكثيرا ما كان الهراوي يشتكي إلى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد تضايقه من تدخل السيد في الشؤون الشخصية للهراوي وعائلته.

واستنادا إلى تقارير صحافية، فإن الهراوي حاول جاهدا خلع السيد من منصبه وقد اشتكى شخصيا إلى الرئيس الأسد بذلك، غير أن ذلك تزامن مع بدء “تركيب ملف” كنيسة سيدة النجاة لاعتقال جعجع، خاصة أن الهراوي الذي تفقد الكنيسة بعد التفجير سمع كلاما قاسيا من رجال الدين والمواطنين المسيحيين محملينه مسؤولية تدبير هذه “المسرحية”. وتضيف التقارير أن الهراوي طلب موعدا عاجلا من الأسد ملحا عليه استقباله وعلى جدول الأعمال نقطة واحدة هي إخراج السيد وميشال الرحباني من مديرية مخابرات الجيش، فرد عليه الأسد بحسم “يا أبا جورج الشباب الآن ماسكين أهم ملف في البلد، اعتقال سمير جعجع، وعندما ينتهي هذا الملف نبحث الأمر من جديد”.

السيد يعتبر فوزه في الانتخابات نتيجة لما له من رصيد شعبي وصدقية لدى الذين انتخبوه وبأنّه لا يدين بهذا الانتخاب إلى أي جهة أخرى. وهو لذلك لا يُقصّر في انتقاد “حزب الله” وحركة “أمل” والرئيس نبيه بري رئيس مجلس النواب بحيث أن هناك من يعتبر أنه يطمح للحلول محله في رئاسة المجلس

وبعد بروز ما سمي النظام الأمني السوري اللبناني المشترك، وكان السيد بصفته مديرا للأمن العام وموثوقا من النظام السوري إلى أقصى الدرجات، أصبح أكثر رجال هذا النظام تعرضا لانتقادات الصحافيين والإعلاميين الذين كانوا يذوقون المر من تدخلات السيد في مقالاتهم ومواقفهم ومن بين الذين عانوا كثيرا من هذه التدخلات الصحافي الراحل سمير قصير الذي كانت مقالاته الأسبوعية في جريدة ”النهار“ تحمل أشد الانتقادات إلى الأدوار الأمنية المخالفة لمبدأ الحريات العامة، وقد انتهى به الأمر قتيلا بعد اغتياله في العام 2005.

كثيرة هي معاناة الصحافيين خاصة أولئك المناهضين للنظام الأمني السوري اللبناني المشترك مع السيد ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الكاتب الصحافي جهاد الزين ومديرة مكتب الحياة في نيويورك الصحافية راغدة درغام، والكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد الذي أصدر السيد قرارا بمنع دخوله إلى لبنان، لكن الأخير دخل رغما عن السيد ضمن الوفد الرسمي الذي ترأسه الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز حين كان وليا للعهد وزار لبنان مترئسا وفد بلاده إلى القمة العربية في بيروت.

ومثل الهراوي وعدد كبير من الصحافيين، عانى السياسيون كثيرا من نفوذ وممارسات السيد وفي مقدّم هؤلاء الحريري الذي كان يشكّل هاجسا للرئيس أميل لحود، حيث كان همّه الأول أن يحكم وأن يزيل من دربه كل من يعترض سبيله أو يحجم مكانته كرجل أول بغض النظر عن الدستور أو القانون أو الأعراف، وكان يعتبر أن الحريري هو العقبة التي لا بد من التخلص منها.

عمل لحود مع السيد على تحجيم الحريري ولم يتورع عن بدء عهده بمعركة إقصاء حاسمة عن تشكيل أولى حكوماته في أول جلسة عقدها مع الرئيس الأسد في مطلع ديسمبر 1998 طارحا اسم الرئيس السابق للحكومة سليم الحص كأفضل شخصية يمكنه أن يكلفها بتشكيل أولى حكومات عهده، غير أن الأسد أصر على الحريري “لأن هذه المرحلة تحتاجه”.

مع اعتذار الحريري لاحقا عن تشكيل الحكومة الثانية في عهد لحود، وتثبيت موقع السيد رجلا أول في العهد كما وصفه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عندما قال في آخر اجتماعاته إلى الرئيس الأسد إن لحود يحكم “بعضلات مصطفى حمدان وعقل جميل السيد”، أصبح هذ الأخير الحاكم الفعلي في النظام الأمني السوري اللبناني المشترك خصوصا بعد وفاة الأسد الأب ووصول الرئيس بشار الأسد إلى الحكم الذي كان معجبا جدا بالسيد وقرّبه منه إلى درجة كبيرة.

ضابط الارتباط

تصاعد نفوذ السيد سوريا ولبنانيا، وأسندت إليه رئاسة اللجنة العسكرية اللبنانية في مفاوضات الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000 التي أشرفت عليها الأمم المتحدة، حيث لعب دور ضابط الارتباط بين الدولة والمقاومة (حزب الله) وقوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان، وشارك في مفاوضات تحرير الأسرى المعتقلين في السجون الإسرائيلية. وكان عضوا شبه دائم في الوفود الرسمية اللبنانية إلى القمم العربية وفي زيارات الرئيس لحود إلى الدول العربية والأجنبية.

وجاء اغتيال الحريري ليدخل السيد وزملاؤه في المناصب الأمنية العليا السجن لمدة أربع سنوات استنادا إلى اتهامات سياسية بضلوعهم في ارتكاب الجريمة إما تدخلا أو إخفاء لمعلومات، وقد أدى ذلك إلى ابتعاد السيد عن الساحة الأمنية والسياسية طيلة هذه الفترة. غير أنه وبعد خروجه من التوقيف القسري استنادا إلى ما يعتبره “شهادات شهود الزور” بدأت المرحلة الحالية من عمل السيد سياسيا، فترشّح إلى الانتخابات النيابية عن دائرة البقاع الشمالي مدعوما من حزب الله رغم عدم إدراج اسمه على لائحة أسماء مرشحي الحزب التي أعلنها الأمين العام حسن نصرالله.

انتقام الجريح

 السيد يُعرف بأنه كان الحاكم الفعلي للنظام الأمني السوري اللبناني المشترك، خصوصا بعد رحيل الأسد الأب ووصول الرئيس بشار الأسد إلى الحكم الذي كان معجبا جدا بالسيد وقرّبه منه إلى درجة كبيرة.
 السيد يُعرف بأنه كان الحاكم الفعلي للنظام الأمني السوري اللبناني المشترك، خصوصا بعد رحيل الأسد الأب ووصول الرئيس بشار الأسد إلى الحكم الذي كان معجبا جدا بالسيد وقرّبه منه إلى درجة كبيرة

يعتبر السيد أنه فاز نتيجة ما له من رصيد شعبي وصدقية لدى الذين انتخبوه وبأنّه لا يدين بهذا الانتخاب إلى أي جهة أخرى. وهو لذلك لا يُقصّر في انتقاد “حزب الله” أحيانا وحركة “أمل” والرئيس نبيه بري رئيس مجلس النواب بحيث أن هناك من يعتبر أنه يطمح للحلول محله في رئاسة المجلس من دون أن يكون لمثل هذا الأمر أي أساس بعد ومن دون اعتبار أن “حزب الله” يمكن أن يسلّم به حتى لو كان من حقّه أن يحلم بالوصول إلى هذا الموقع الشيعي الأول في الجمهورية اللبنانية.

بدأت مواقفه التي يعلنها عبر حسابه على موقع تويتر تثير انزعاج وامتعاض الكثيرين حلفاء قبل خصوم، حيث أن تغريداته لم يسلم منها أحد، معتبرا أن هذه الطبقة السياسية هي التي أوصلت البلاد إلى الحال البائسة التي هي عليه. ففي إحدى تغريداته الشهيرة قال السيد “انتهَت اللعبة، وانكشف المستور، وسقطت الأقنعة، ولا مجال للهروب إلى الأمام ولا إلى الخلف ولا يمينا ولا يسارا، وكُلّ من ادّعوا أنهم كانوا يبنون لكم دولة، كانوا يبنون أعمدة فسادهم، باعوكم الأوهام واغتالوا آمالكم والمستقبل، ومع ذلك، يصرّون أنهم طوْقُ النجاة، فيما هُم حَبْل المشنقة”.

المسؤول الأمني الكبير السابق لا ينسى أن رفضه للوجود الميليشياوي في البقاع، كان الدافع في محاولة الاغتيال التي تعرض لها، وقيل يومها إنها من تخطيط سفير طهران في دمشق علي محتشمي الذي أصبح في ما بعد وزيرا لداخلية إيران

وفي تغريدة أخرى أثارت جدلا كبيرا كتب “قد ترى مسؤولا سياسيّا يشتري إعلاميين في صحف ومحطات ومواقع وتويتر وفيسبوك، ولكن أن ترى مسؤولا أمنيّا أو عسكريا يشتري إعلاميين بالملايين شهريا من أموال الدولة للتبخير له وحماية فساده وشتم أخصامه، فتلك بحدّ ذاتها سرقة وجريمة! تريدون أسماء؟ تابعوا كلامهم، ولنا كلامٌ قريب“. ورد أحد الإعلاميين الذي طلب من ”العرب“ عدم الكشف عن اسمه بالقول “ربما نسي اللواء السيد ما كان يقوم به من ترهيب وترغيب للإعلاميين عندما كان في موقع المدير العام للأمن العام”.

غير أن المثير في تغريدات السيد أنه لا يتوانى عن الدخول في اشتباك مع من يعتبرون “في الخط نفسه” أي المصفقين للنظام السوري ونهج المقاومة. ولم تقف المسائل عند هذا الحد، فبغياب الود الملحوظ بين السيد رئيس مجلس النواب، لم يتوان اللواء المتقاعد عن انتقاد بري و”حركة أمل”، فشن هجوما مبطنا لكن واضحا ضد بري على خلفية ملف مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل فقال “فرنسا تتغلب لديها في لبنان، العاطفة والتاريخ على المصالح والسياسة، لذلك كانت مبادرتها الإنقاذية مع الطبقة الحاكمة على قاعدة أبوملحم، وما ضبطت. أميركا أشطر، اعتمدت معهم أسلوب غازي كنعان: شو بتحب تاكل، عصا أو جزرة؟ عقوبات فساد أو ترسيم؟ دخيلكم، ترسيم الحدود مع إسرائيل أرحم“.

فجاء الرد عبر بيان للنائب غازي زعيتر المنتمي إلى حركة أمل والمنتخب نائبا عن الدائرة نفسها التي انتخب عنها السيد، بالقول “فعلا هزلت هو الزمن الرديء أن يحاضر عن العفة والطهر من كان بالفساد والخوات خبيرا، وبسياسة العصا والجزرة حائزا على وكالتها الحصرية من كل العهود، فلو كانت للذهب والقصور ألسن لنطقت من أين لسيادة اللواء كل هذا؟ ومن رداءة الزمن أن ينبري اللئام للتطاول على الكرام“. وأضاف “وحده النائب السيد من بين كل اللبنانيين يجب أن يلتزم الصمت وعدم رمي الآخرين لا بالورد ولا بسم الكلام، فهو الغلام الذي كان يتسكع الرتبة تارة بالعصا وتارة أخرى بالجزرة… رحم الله غازي كنعان فهو ترك لنا جميلا سيئا برتبة لواء“.

خيار السيد الجديد، الذي يفتح فيه النار على الجميع، يجعله في مرمى نيران الجميع أيضا، ليفضح المنتمون إلى النهج نفسه بعضهم بعضا، والأسباب الظاهرية غير ما هي عليه في حقيقة الأمر.

13