اللواء عباس إبراهيم خليفة نبيه بري و"العلاج" المناسب لأزمات لبنان

اللواء إبراهيم يتمتّع برصيدٍ كبير جناه من تعبهِ من خلال انغماسه في حل الملفات الشاقة التي خاضها مع جهات ليسَ من السهل التفاعل معها، إضافةً إلى أنه يحوز على تأييد محلّي وقبول دولي.
الثلاثاء 2018/09/04
جنرال سياسي دقيق الحركة ينتظر التوقيت المناسب

لا يختلف لبنان عن باقي الدول في محيطه من حيث الأدوار التي يلعبها “العسكر” أو “الأمنيون” ويتركون من خلالها بصماتهم على الحياة اليومية للمواطنين، غير أن اسما لمع في الفترة الأخيرة تجاوز ما سبق أن قام به أقرانه في لبنان، وهو المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي تراه “يفوّض” للتدخل في كل أزمة أو معضلة أمنية أو سياسية، ويلعب خلالها دور المفاوض الموثوق، والمثير أنه دائماً يجد الحلّ المناسب للقضية.

واختيار المدير العام للأمن العام منذ أن نال لبنان استقلاله في العام 1943 كان يقع على عاتق رئيس الجمهورية إذ غالباً ما يختار شخصا من المقربين إليه ومن الذين يحظون بثقته، فمهماته تقتصر على تزويد الرئاسة بتقارير حول الأوضاع الأمنية والسياسية الداخلية، ومراقبة الأحزاب السياسية واجتماعاتها إلى جانب أوضاع الأجانب الواصلين أو المقيمين في لبنان.

مدير الأمن العام كان يعتبر نفسه رجل الرئيس ويمثل المرجعية السياسية الأولى له، ولأنه كذلك، كمنت المسؤولية المباشرة المنوطة به- وبإدارته الأمنية- في حماية النظام والعهد وتوفير الديمومة له في ظل الاستقرار والمراقبة الدؤوبة، غير أن هذا الدور شهد تقلبات كثيرة وتضاءل إلى الحد الأدنى مع دخول البلاد في أتون الحرب الأهلية حيث باتت لغة السلاح هي المهيمنة وانقسمت مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية واضمحل دورها ولم يعد مؤثراً.

غير أنه وبعد إنجاز اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية والبدء بمرحلة إعادة بناء الدولة، عادت الروح إلى المؤسسات بدءاً من الجيش الذي كان العمل جارياً على قدم وساق على لملمة “ألويته” وتوحيدها، وكذلك الأمن الداخلي والأمن العام، في حين أنشئ جهاز لأمن الدولة لأسباب لم تكن بداية تمتّ إلى الأمن بأي صلة، بل لمآرب سياسية وطائفية وخلق نوع من التوازن الداخلي بين المؤسسات الأمنية.

ومنذ العام 1992 عاد رئيس الجمهورية إلى اختيار المدير العام للأمن العام الذي يكون قريباً منه وموضع ثقته، فاختار الرئيس الراحل إلياس الهراوي، ريمون روفايل ليرأس الجهاز، ثم اختار الرئيس إميل لحود اللواء جميل السيد الذي فصله من مديرية المخابرات في الجيش اللبناني إلى الأمن العام، ثم تولى اللواء الراحل وفيق جزيني المديرية في عهد الرئيس ميشال سليمان قبل أن يتوفاه الله فيؤول المنصب إلى اللواء عباس إبراهيم الذي يستمر فيه لغاية اليوم.

اللواء إبراهيم من مواليد العام 1959 ضابط تخرّج من المدرسة الحربية لصالح قوى الجيش في العام 1980، وتدرّج في مناصب قيادية عديدة منها تولي الأمن الشخصي لكل من مبعوث الجامعة العربية إلى لبنان الأخضر الإبراهيمي، ثم الرئيس الهراوي، ثم الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد ترؤسه حكومته الأولى في العام 1992 قبل أن ينتقل إلى مديرية مخابرات الجيش ومن ثمة تعيينه رئيساً لقسم المكافحة فيها ثم توليه منصب مدير فرع مخابرات جنوب لبنان.

علاقات خاصة

 الأوساط السياسية والإعلامية في بيروت تتنبأ للواء إبراهيم بأنه تارة مرشح لخلافة الرئيس نبيه بري في رئاسة مجلس النواب، وتارة وزير للداخلية في الحكومة التي يجاهد الرئيس سعد الحريري لتشكيلها
الأوساط السياسية والإعلامية في بيروت تتنبأ للواء إبراهيم بأنه تارة مرشح لخلافة الرئيس نبيه بري في رئاسة مجلس النواب، وتارة وزير للداخلية في الحكومة التي يجاهد الرئيس سعد الحريري لتشكيلها

ومن جنوب لبنان بدأ نجم اللواء إبراهيم يلمع حيث كان من صلب مهماته الأمنية كمدير للمخابرات مراقبة أوضاع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المنتشرة هناك وبنوع خاص مخيم عين الحلوة الذي كان يعتبر ملاذا آمنا للخارجين عن القانون، وهو بحكم علاقاته الشخصية مع مختلف الفرقاء السياسيين وبنوع خاص مع “حزب الله” تمكن من المحافظة على نوع من الاستقرار الأمني في المنطقة وذلك طبعا ضمن الصلاحيات الموكلة إليه.

ومع اندلاع معارك مخيم نهر البارد وفصائل “فتح الإسلام” ازدادت صعوبة مهمة اللواء عباس في جنوب لبنان، حيث عمل على ضبط أوضاع المخيم ومنع خروج مسلحين فلسطينيين منه للتوجه شمالاً لمؤازرة عناصر “فتح الإسلام” ومنع دخول العناصر الهاربة من التنظيم الإرهابي باتجاه مخيم عين الحلوة، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير.

وبعدما توسعت شبكة علاقات اللواء إبراهيم، بدأ يحوز على ثقة مختلف السياسيين في البلد، وقد نجح في استثمار هذه العلاقات حيث راح هؤلاء يكلفونه بلعب دور الوسيط في ما بينهم عندما يتأزم الوضع السياسي، فيسعى لرأب الصدع وعدم اتساعه.

التوافق المستحيل

ومع تولي اللواء إبراهيم مهمة المدير العام للأمن العام خلفاً للواء الراحل وفيق جزيني، استمر في تطبيق مبدأ التوافق في عمله حيث عمل من الناحية الإدارية على وضع تشكيلات داخلية للضباط والأفراد لم تحظ باعتراض أي فريق، وتابع المهمات التي انتهجها أسلافه في المديرية لتحويلها إلى جهاز “لخدمة الإنسان” كما قال هو نفسه في أحدث مقابلاته الصحافية.

غير أن لبنان دخل في تلك الفترة في أصعب مراحله الأمنية الداخلية حيث بدأ الإرهاب يطل برأسه على الحدود الشمالية الشرقية، وفي الداخل استهدفت التفجيرات مناطق في عمق الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي عاصمة الشمال طرابلس، ثم انتشار الفصائل المسلحة على الحدود اللبنانية السورية مع بدء ثورة الشعب السوري ضد نظام الرئيس بشار الأسد، فكان لا بد من وضع خطة أمنية تحمي لبنان وتمنع انتقال النيران السورية إليه، وهنا كانت مهمة اللواء إبراهيم الأصعب.

صفقة الراهبات والمعتقلات

البداية كانت مع مخطوفين لبنانيين احتجزتهم الفصائل السورية المسلحة في منطقة أعزاز المحاذية للحدود التركية، رداً على خطف مواطنين تركيين في الضاحية الجنوبية لبيروت، فطلب الرئيس ميشال سليمان من اللواء إبراهيم أن يتابع الملف معه لحظة بلحظة فبادر الأخير إلى الاتصال بصديقه رئيس جهاز الاستخبارات التركية حقان فيدان، مستفيداً من صداقة شخصية قديمة تربطهما منذ أن كان نائباً لمدير المخابرات في الجيش اللبناني.

وبعد عدة زيارات سرية وعلنية أجراها اللواء إبراهيم إلى تركيا وإلى العاصمة القطرية الدوحة، حيث بدا أن لها دورا فاعلا في القضية وتأثيرا على الجهة الخاطفة، وبالتوازي مع ذلك نجح إبراهيم في مسعاه مع خاطفي الأتراك وتم الإفراج عن المواطنين التركيين، في بادرة حسن نية من الجهة اللبنانية للدفع باتجاه إطلاق سراح مخطوفي أعزاز.

وصدر عن مجلس الوزراء اللبناني قرار بالإجماع بتفويض اللواء عباس إبراهيم بكل ما يتعلق بالاتصالات من أجل إطلاق مخطوفي أعزاز، ومن ثم صدور أول إعلان عن الوزير مروان شربل بأن حرية لبنانيي أعزاز مرهونة بالإفراج عن قائمة لمعتقلات سوريات في سجون النظام السوري.

وخلال اجتماع عقد على هامش مؤتمر دولي التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس برئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي وسأله عن الجهة التي تتولى المفاوضات حول مخطوفي أعزاز، فأبلغه ميقاتي أن اللواء إبراهيم هو المخول بمتابعة الملف، فقال أبومازن لميقاتي إن إبراهيم “صديقي وصديق الشعب الفلسطيني وسنتعاون معه في هذا الملف وفي كل الملفات الحيوية المتعلقة بالشعب الفلسطيني في لبنان”.

أجرى أبومازن اتصالا هاتفيا في اليوم نفسه باللواء إبراهيم وأبلغه أن سفير فلسطين في أنقرة نبيل معروف على صلة وثيقة بالخاطفين وبمقدوره أن يؤمن له قناة اتصال مباشرة معهم، واتفقا على أن يتولى سفير فلسطين في لبنان أشرف دبور تنسيق هذه المهمة الفلسطينية اللبنانية.

وقام إبراهيم بزيارة سرية إلى تركيا برفقة السفير دبور وبادر إلى الاتصال من مطار أنقرة عبر هاتفه اللبناني بقائد مجموعة الخاطفين المدعو سمير العموري الذي فوجئ بالاتصال، ورد مدير عام الأمن العام أنه حصل عليه عن طريق السفير الفلسطيني في أنقرة.

وتسلّم اللواء إبراهيم من الجهة الخاطفة لائحة بأسماء معتقلات سوريات لدى النظام السوري، وباشر على الفور اتصالاته مع أجهزة الأمن السورية ونجح بعد أخذ ورد في إتمام صفقة التبادل التي عاد بموجبها اللبنانيون التسعة من أعزاز إلى بيروت في الوقت الذي أفرجت فيه السلطات السورية عن معتقلات لديها بموجب اللائحة الاسمية التي كانت قد تسلمتها من الخاطفين عبر اللواء إبراهيم.

كان إنجاز تلك الصفقة بصمة أولى في سجل اللواء إبراهيم الناجح على خط المفاوضات، وقد تولى بعدها التفاوض لإطلاق سراح راهبات معلولا، حيث روى في حديث لمجلة “الأمن العام”، خفايا المفاوضات التي أدّت إلى إطلاق راهبات معلولا، ولفت إلى أنه تلقى منذ اليوم الأول اتصالات من عدد من رجال الدين المسيحيين حضّوه على بذل جهود لإطلاقهن، وكانت الخطوة الأولى أنه أجرى اتصالات بمسؤولين مختلفين تعاون معهم بنجاح في ملف أعزاز فأبدوا استعدادهم للتعاون ومباشرة العمل.

علاقاته الشخصية مع مختلف الفرقاء السياسيين وبنوع خاص مع “حزب الله” تمكّن اللواء إبراهيم من المحافظة على نوع من الاستقرار الأمني وذلك ضمن الصلاحيات الموكلة إليه
علاقاته الشخصية مع مختلف الفرقاء السياسيين وبنوع خاص مع “حزب الله” تمكّن اللواء إبراهيم من المحافظة على نوع من الاستقرار الأمني وذلك ضمن الصلاحيات الموكلة إليه

وأشار اللواء إبراهيم إلى أنه، وفي ضوء اتصالاته، عزم على زيارة دمشق للمرة الأولى للخوض معها في الملف، وكان الخاطفون قد أفصحوا عن هويتهم، وقال “كان من الحتمي زيارة دمشق، الطرف الأساسي الآخر المعني بهذا الملف، وقد تكون المهمة أمام أثمان يقتضي تسديدها لقاء إطلاق المخطوفين”، ولفت إلى أنّ الزيارة رمت بداية إلى جس نبض المسؤولين الأمنيين السوريين، حيث لقي تشجيعهم لأسباب شتى منها أنّ معظم الراهبات المختطفات سوريات ما خلا اثنتين لبنانيتين.

وكشف اللواء إبراهيم أنه وافق على أن يتسلّم من الخاطفين لائحة بأسماء 900 معتقل لدى السلطات السورية، لكنه رفض تسلّم لائحة بأسماء 150 معتقلا إسلاميا موجودين في سجن رومية المركزي بحجة “لن أوافق على إطلاق 16 راهبة في مقابل إعدام الشعب اللبناني، لأنّ إطلاق 150 إرهابياً من سجن رومية يعني تدمير المجتمع اللبناني برمته إذا انتشروا في البلاد”.

ومع تطور المفاوضات انخفضت لائحة مطالب الخاطفين وتم تدبير صفقة التبادل حيث يتم نقل الراهبات المخطوفات إلى جرود منطقة عرسال القريبة من الحدود اللبنانية السورية ويجري تسليمهن سراً إلى الأمن العام اللبناني، في حين تنتقل الموقوفات من السجون السورية إلى نقطة المصنع الحدودية حيث يخترن وجهتهن، مقابل نقل السجينة لدى السلطات اللبنانية سجى الدليمي إلى منطقة عرسال وتسليمها إلى الخاطفين.

ومرة جديدة ينجح اللواء إبراهيم في إنجاز صفقة أمنية- سياسية صعبة، تضاف إلى المجموعة الكبيرة من الوساطات وجولات التفاوض التي قام بها باسم الحكومة اللبنانية، مدعوماً بعلاقاته الجيدة مع الدول الإقليمية وفي مقدمها السلطات السورية، وعلاقاته الممتازة مع الفرقاء السياسيين في الداخل.

إضافة إلى ذلك فقد تمكن إبراهيم من استعادة جثامين شهداء للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي كانت الفصائل المسلحة قد اختطفتهم عقب غزوتها لمنطقة عرسال، لكن المفاوضات التي تولاها باسم الجانب اللبناني لم تنجح في إطلاق سراحهم آمنين نتيجة تمسك الفصائل المسلحة بهم كورقة أخيرة تضمن حياتهم بعد تضييق الخناق عليهم من قبل “حزب الله” من جهة ومن قبل الجيش اللبناني من جهة أخرى الذي خاض ضدهم معركة “فجر الجرود” التي انتهت بدحرهم من لبنان، وبالتالي يبعد عن الوطن كابوس الإرهاب الذي كان يتهدده.

الجنرال المدني والأيام القادمة

نجاح اللواء إبراهيم في الملفات التي أدارها، جعل الدولة اللبنانية تعيد تكليفه مديرا عاما للأمن العام لكن هذه المرة بصفته مدنياً، إذ بعد بلوغه السن القانونية للتقاعد، لم تجد حكومة الرئيس سعد الحريري بداً من إنهاء خدماته كضابط برتبة لواء، وإعادة تعيينه مديرا للأمن العام بصفة مدني، لكي يستمر في خدمة وطنه من موقع نجح في توليه بامتياز.

لكن الفترة المقبلة الحبلى بالملفات السياسية الساخنة والمرشحة لحصول تبدلات تطاول الوجوه والمواقع، قد تدفع اللواء إبراهيم إلى خوض غمار العمل السياسي والترشح إلى الانتخابات النيابية، وهذا الحديث شغل الأوساط الإعلامية التي راح حبر مقالاتها يتنبأ تارة بأنه مرشح لخلافة الرئيس نبيه بري في رئاسة مجلس النواب، وتارة سيكون وزير الداخلية في الحكومة العتيدة التي يجاهد الرئيس سعد الحريري لتشكيلها.

ولن يكون هناك أفضل من اللواء إبراهيم لشغل هذا الموقع، إذ يتمتّع برصيدٍ كافٍ جناه من تعبهِ بملفات المفاوضات الشاقة التي خاضها مع جهات ليسَ من السهل التفاوض معها، إضافةً إلى أنه يحوز على تأييد محلّي وقبول دولي، ويتمتّع بشخصيّة تمتاز بحِنكة سياسيّة وبراغماتيّة و”نفس طويل”.  

13