اللواء محمد ناصيف خير بك ورحيل ثعلب النظام السوري

الأحد 2015/07/05
حافظ أسرار الأسد

واشنطن - رحل محمد ناصيف خير بك إلى جوار ربه، كما ورد في الخبر الرئاسي، الذي أرسل من القصر الجمهوري في دمشق إلى وكالة سانا الرسمية، ولا يمكن أن نقول هنا، رغم تاريخ الرجل، إنه كان قد مال إلى الاهتراء في سنوات عمره الأخيرة، كما بعض أركان النظام ووجوهه “السياسية”، إذ بقي “الحارس” الوفي على تركة حافظ الأسد، وهو المعروف بقربه منه.

وكان الأسد الأب قد استعاض في تاريخه كله، عن مراكز الدراسات التي اشتهرت بها الدول المتحضرة، واستبدلها بأشخاص في أحيان قليلة، كان من بينهم محمد ناصيف، الذي تخرج من كلية الحقوق ومن ثمة دخل إلى الكلية الحربية في حمص وهو بعمر لا يتجاوز الثلاثين، ليتسلم بعد ذلك الفرع الداخلي للأمن أي فرع 251 أو ما عرف بفرع الخطيب نسبة للمنطقة التي يوجد فيها المبنى بدمشق وذلك من العام 1972 حتى عام 2002.

رحيل أحد أهم أركان النظام هنا، وفي حالة رجل الأمن “الأول” في سوريا بفعل المرض والجلطات المتتالية يأتي على عكس آخرين من رجالات النظام، ساهمت الثورة بالنيل منهم بطريقة أو بأخرى أثناء المواجهات.

حارس النظام

ناصيف عيّن بعد فرع الخطيب معاون مدير إدارة المخابرات العامة، ثم معاون نائب رئيس الجمهورية أي معاون فاروق الشرع، لأن النظام السوري لم يكن يريد أن يعيد تجربة نائب الرئيس عبدالحليم خدام وانشقاقه وانقلابه على حكم بشار الأسد، فكان فاروق الشرع تحت عين الرجل المقرب جدا من عائلة الأسد والرجل “المفتاح” كما كان يسمى، سواء للأب أو للأبن، الذي لجأ إليه مؤخرا ليساعد بطرقه الناجعة في وقف الانتفاضة وامتدادها في سوريا، لأن ناصيف ينتمي إلى مدرسة حافظ الأسد القمعية وكان له دور كبير في إنهاء التمرد الشعبي في الثمانينات وزج بأنصار الإسلاميين وبالطبع آخرين من غير أنصارهم في السجون.

في عهد حافظ الأسد، أمسك محمد ناصيف بملف العلاقات السورية الأميركية والسورية الإيرانية أيضا من خلف الواجهات، حيث كان يساهم في رسم سياسة تلك العلاقات، ويؤثر فيها بشكل بالغ، حتى أنه كما قيل كان يملي على الوزراء أو المسؤولين السوريين الذين يعملون في الولايات المتحدة أو إيران ما يجب فعله وربما قوله.

الولايات المتحدة يبدأ محمد ناصيف بزيارتها اعتبارا من العام 2005 قيل آنذاك إنه يزور أميركا بقصد العلاج، ولكن الحقيقة التي كشفتها الأوساط الأميركية، أن زيارات ناصيف كانت لوضع الإدارة بصورة رؤية النظام للوضع في لبنان بعد مقتل الحريري، وأن دمشق ستتعاون مع أي تحقيق كان، وقيل إن ناصيف نجح من تحت "طاولة" الخطاب الرسمي مع الولايات المتحدة في انتزاع "تطمينات" أميركية للأسد

دولة ناصيف الخمينية

نسج محمد ناصيف خير بك علاقات جيدة مع “ثورة” الخميني ثم مع “دولته” وكان مع خيار حافظ الأسد بالوقوف إلى جانب إيران في حربها مع العراق و”الخليج العربي” في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وكان مع خيار حزب الله الشيعي الإيراني في لبنان وكما يردد عدد كبير من المراقبين أن خير بك دعم فكرة التشيع في سوريا بطريقة سرية إلى أبعد الحدود من خلال إيجاد “موطئ قدم” للإيرانيين في سوريا ودعم كل نشاطاتهم العلنية والسرية.

لعب ناصيف دورا هاما في لبنان في فترة “الوصاية السورية” على هذا البلد، وساهم كرجل أمن في تطويق المقاومة الفلسطينية من خلال إنشاء جبهات “بديلة” عن منظمة التحرير كمنظمة الصاعقة أو الجبهة الشعبية القيادة العامة، وله دور في انشقاق “أبو موسى” عن حركة فتح العريضة بعد الاجتياح الإسرائيلي.

حركة “التفتيت” التي شهدتها المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ترجع إلى الدور الكبير لمحمد ناصيف الذي عمل على استبدال كل القوى التي كانت تقاتل إسرائيل بحزب الله المدعوم إيرانيا وقبله حركة أمل، فالمقاومة أصبحت بدعمه “شيعية” وشرعية أيضا وأغلب القوى الأخرى زج بها في السجون أو اغتيلت “بهندسة” سورية تنتهي دوما باتهام إسرائيل بعمليات الاغتيال.

رجل الأمن المثقف

فرع الخطيب الذي كان يترأسه محمد ناصيف خير بك ومن بعده بهجت سليمان كان “متخصصاً” في كل شيء، أي التدخل بحياة المواطنين اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ولكن أهم ما عرف عن هذا الفرع أنه نسج علاقات طيبة مع عدد من المحسوبين على سلك الصحافة والإعلام في سوريا، إذ يعتبر الكاتب نبيل فياض محمد ناصيف رجل أمن “مثقفا” فهو كما يقول “قارئ كتاب” جيد.

الفرع المرعب ساهم بالدعم المالي والسلطوي للعديد من المواقع الإلكترونية و”النشرات” الإخبارية، ومع الزمن تشكلت طبقة من مثقفي السلطة تأخذ تعليماتها وأفكارها من رؤساء الأفرع الأمنية وأهمها فرع الخطيب.

“الصندوق الأسود” للنظام السوري، هكذا يوصف ناصيف الذي يحوي كل الأسرار وخطط الاغتيالات وألغاز موت الضباط والمسؤولين، بمن فيهم المتهمون باغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق الراحل رفيق الحريري، بدءاً من علاقته بباسل الأسد ومساهمته بتجهيزه لخلافة حافظ الأسد، ثم دوره ذاته مع أخيه بشار وصولاً إلى أنه كان المحرك “للماكينة” الأمنية الضيقة داخل العائلة والقصر الجمهوري.

بالإضافة إلى منصبه كمعاون لنائب الرئيس، كان “الثعلب” يعتبر من المستشارين “الناصحين” لبشار الأسد في الشؤون الأمنية، وكانت له اليد الطولى في رسم سياسة النظام القمعية منذ بداية الثورة السورية ضد النظام، وقد أدرج الاتحاد الأوروبي في العام 2011 اسمه على لائحة المسؤولين السوريين الذين فرض عليهم عقوبات لدورهم في قمع الثورة الشعبية في سوريا.

موقع ويكيليكس يكشف قبل أيام أن اللواء ناصيف كان قد اجتمع في دمشق بتاريخ العاشر من مارس 2012 مع عدد من قيادات الأحزاب والحركات اللبنانية الموالية للأسد، من بينهم الوزير اللبناني السابق وئام وهاب، وكان الهدف من الاجتماع، تكليفهم بمهام أمنية ضد ما يقال عنهم "المجموعات السلفية" في بيروت

في أروقة واشنطن

تردد محمد ناصيف إلى الولايات المتحدة مرارا، زارها بدءا من العام 2005 وقيل آنذاك إنه يزور أميركا قصد العلاج، لتبرير الزيارات التي كانت “رسمية”، لا سيما وأن نظامه كان يجاهر بالعداء لأميركا التي كانت تعلن الأمر ذاته، ولكنّ الحقيقة التي كشفتها أكثر من وسيلة إعلامية أميركية، أن زيارات ناصيف لأميركا كانت لوضع الإدارة بصورة رؤية النظام للوضع في لبنان بعد مقتل الحريري، وأن دمشق ستتعاون مع أيّ تحقيق كان، وقيل إن ناصيف “نسج” علاقات جيدة ومن تحت “طاولة” الخطاب الرسمي مع الولايات المتحدة وانتزع “تطمينات” أميركية للنظام، ومع ذلك فإنه في العام 2007، تم وضع اسمه على لائحة الشخصيات المستهدفة بعقوبات من الولايات المتحدة بسبب دوره في “الانتقاص من الديمقراطية اللبنانية” كما قيل.

موقع مرآة سوريا الإخباري، وبعد موت ناصيف نشر برقية كان قد سربها موقع ويكيليكس تتعلق بناصيف ذاته، والبرقية موجهة لوزارة الخارجية السعودية، وتتحدث عن تورط محمد ناصيف في عمليات أمنية جرت في لبنان ضد معارضين لنظام الأسد.

وقال الموقع إن البرقية أوضحت أن اللواء ناصيف اجتمع في دمشق بتاريخ العاشر من مارس 2012 مع عدد من قيادات الأحزاب والحركات اللبنانية الموالية للأسد، من بينهم الوزير اللبناني السابق وئام وهاب الذي يقوم في هذه الأيام بتحريض أبناء طائفته في محافظة السويداء ضد الثورة السورية وزرع الفتنة بين أبناء سهل حوران وجبل العرب، وكان الهدف من الاجتماع، تكليفهم بمهام أمنية ضد ما يقال عنهم “المجموعات السلفية ” التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والمتهمة بتورطها فيما يدور في سوريا، حسبما تذكر البرقية المسربة.

وكشفت البرقية أيضا أن “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة ” التي يرأسها أحمد جبريل، ستتولى تزويد الأحزاب والحركات اللبنانية بالسلاح.

أوراق باتريك سيل

قال عنه الكاتب البريطاني باتريك سيل الذي كتب كتابين حول حياة وحكم حافظ الأسد “محمد ناصيف كان متكتماً أكثر من الجميع إلى درجة أنه كان يعيش في مكتبه، وكان واحداً من القليلين جداً من الناس المسموح لهم بالمبادرة إلى التحدث مع الرئيس الأسد هاتفياً في أيّ وقت. فبالإضافة إلى ترؤسه لما كان في واقع الأمر بوليساً سياسياً، كان واحداً من أهم مستشاري الأسد في شؤون الشيعة سواء في لبنان أو في إيران. وكان مقرباً من السيد موسى الصدر والقادة الإيرانيين مثل صادق قطب زادة، وحسين الطباطبائي وكان غالباً ما يسافر من دمشق إلى بون وسويسرا اللتين كانتا قطبي الشبكات الإيرانية في الغرب”.

مات محمد ناصيف خير بك وأخذ معه “أسرار” النظام “القذرة” المتعلقة بالقمع والقتل والإرهاب والخوف، مات ولم يحاكم وكأن “النظام” يرحل إلى جوار ربه “بالتقسيط”، مات ونعاه النظام الذي حرسه بنفسه طويلا بسطرين اثنين فقط.

“نعت رئاسة الجمهورية العربية السورية الرفيق اللواء المتقاعد محمد ناصيف خير بك معاون نائب رئيس الجمهورية الذي انتقل إلى جوار ربه صباح الأحد إثر معاناة مع مرض عضال”.

7