اللواء مراد موافي رئيس للظل أم رئيس وزراء مصر القادم

السبت 2014/05/17
كفاءة من الحرس القديم يسعى إلى ترميم صورته

القاهرة - لم تكن شائعة تعيين اللواء مراد موافي، الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العامة في مصر، وزيرا للخارجية خلفا للوزير نبيل فهمي مجرد أمل تعلنه الذاكرة الشعبية رفضا لتصريحات رسمية عن العلاقات المصرية – الأميركية اعتبرت مهينة لمصر، بل هي في حقيقتها استحضار قسري لرمز من رموز القلب الصلب للعسكرية المصرية.

الرغبة الشعبية الجارفة في وضع موافي في المشهد السياسي الذي يتشكل مرتبطا أشد الارتباط بإعادة الاعتبار للعلاقة التاريخية بين المؤسسة العسكرية وشعبها عقب ثورة الثلاثين من يونيو، وهي علاقة ،حاولت بعض قوى الداخل والخارج التأثير عليها عقب انطلاق ثورة الخامس والعشرين من يناير، غير أن المعالجات السياسية الرشيدة والموقف الوطني للجيش أعادا معا اللحمة لتلك العلاقة، وثمة تتويج شعبي كاسح لذلك المشهد سينتهي، على الأرجح، وحسب أسوأ المؤشرات، إلى صعود المشير عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في مصر بنسبة معقولة من الأصوات، وذلك عقب الانتخابات الرئاسية المقرر لها يومي السادس والعشرين والسابع والعشرين من مايو الجاري.

استدعاء الرفاق

صعود المشير السيسي يعني، في وجه منه، حضورا مستعادا لرفاق موصوفين بالكفاءة والمسؤولية يأتي على رأسهم اللواء مراد موافي الذي رفض الترشح للرئاسة وأعلن تأييده للمشير، إجهاضا لمخططات قصدت إشاعة مناخ من الانقسام بين رجال الجيش، الأمر الذي دفع العديد من التوقعات إلى الذهاب بعيدا في انتظار دور بارز للرجل في مساحات سياسية لا زالت شاغرة، بفعل الفشل الذريع للقوى السياسية التي تتصدر المشهد من الخامس والعشرين من يناير. فكيف يمكن قراءة الظهور المفاجئ لموافي في حلقتين مطولتين على إحدى الفضائيات المملوكة لرجل أعمال وثيق الصلة بجهاز المخابرات ؟

لم تكن الأسئلة الشائكة التي وجهت إلى رجل المخابرات هي الأمر الوحيد الذي دفعه إلى صياغة إجابات دبلوماسية للهروب من فخ حقائق ربما أضرت بالأمن القومي، بل ثمة أسئلة حقيقية تكمن خلف تصريحه غير الملتبس عن اعتزامه تشكيل حزب سياسي لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة، التصريح نفسه ربما يمثل مضمونا وعنوانا للحوار لأنه يجلي غموضا استمر عدة أشهر حول الظهير السياسي للمشير السيسي بعد وصوله إلى الحكم، لاسيما وأن ثمة توسعا مخيفا طرأ على سلطتي مجلس الوزراء والنواب في الدستور المعدل الذي تم إقراره في يناير الماضي على حساب سلطة الرئيس، مقابل تصريحات موافي يأتي التصريح الجازم للمشير السيسي في أول إطلالة تلفزيونية له في إطار حملته الانتخابية عن رفضه الانضمام إلى أي حزب سياسي أو اعتزام تشكيل حزب جديد، فأيهما يمكن تصديقه، المشير أم اللواء ؟

فهم المعارضة

لقد كان موافي واضحا عندما سئل عن إنشاء حزب لقيادة المعارضة، حيث أشار إلى أن التوسع في فهم المعارضة السياسية بات الآن مشكلة مصرية، في إشارة إلى الصورة المقلقة التي تقدمها معارضة توصف من السلطات ومن قطاعات شعبية عريضة بانعدام المسؤولية ، فما الذي يعنيه إذن حزب جديد يعلن أنه لن يقف في صفوف المعارضة ؟

ربما يجيب تأمل المشهد المصري منذ الخامس والعشرين من يناير عن الكثير من تلك الأسئلة. فالمتابع لن يعدم حيلة في جمع شتات الموقف السياسي غير الرشيد للقوى السياسية، وإخفاقها المستمر في تقديم مشروع وطني بديل لأطروحة عودة الدولة العميقة كما يطلقون عليها، في المقابل لم ينس الشعب المصري أن نخبته السياسية لعبت أكبر أدوارها في تضليل الرأي العام الذي أوقع البلاد في النهاية في قبضة تنظيم الإخوان. ولم تكن صورة شباب الثورة خارج الأحزاب أقل سوءا من الموقف العام للقوى الحزبية.

وقد كان الشعب المصري شاهدا علي دعوات متكررة صادرة عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير لشباب الثورة بتشكيل أحزاب سياسية سيساهم الجيش في دعمها وتأسيسها، وأطلق المجلس، وقتئذ، عشرات التحذيرات من ذهاب البلاد إلى المجهول في حال عدم الانتباه إلى أن ثمة جماعات أكثر تنظيما هي من سيسطو على السلطة، الأمر الذي تحقق عقب تلك التحذيرات ببضعة أشهر.

لم ينس الشعب المصري أن نخبته السياسية لعبت أكبر أدوارها في تضليل الرأي العام الذي أوقع البلاد في النهاية في قبضة تنظيم الإخوان

صناعة المستقبل

المشهد نفسه ليس أحسن حالا بعد الثلاثين من يونيو، غير أن القوى السياسية التي شاركت في وضع خارطة الطريق باتت شريكا محدود الفعالية في صناعة المستقبل، وتبدد، بدرجة كبيرة ، الصوت الهادر للشباب تحت وطأة الفشل الذي تحاول السلطة الانتقالية رأب صدعه، كل ذلك يزيد من مخاطر خلو الساحة السياسية من حزب شعبي قادر على حشد الطاقات الوطنية وفتح طرائق أمامها لصناعة المستقبل، وسيظل غياب مثل هذا التنظيم يمثل مشكلة كبرى للنظام القادم. فلازالت الكثير من القوى الرجعية والمعادية لـ 30 يونيو تعمل على تقويض الدولة الجديدة بكافة السبل المشروعة وغير المشروعة، فضلا عن قوى أخرى تسعى جادة إلى السيطرة على مجلس النواب كطريق للنفاذ لحكم البلاد، ومن ثم النفاذ إلى قلب المؤسسات الرسمية الكبرى وكذلك إخضاع الرئيس القادم وتعويق مشروعه.

أمام هذه الحقائق هل يمكننا أن نأخذ تصريحات المشير السيسي برفضه تشكيل حزب سياسي أو الانضواء تحت لواء أحد الأحزاب الموجودة مأخذ الجد ؟ حتى لو كانت هناك عوائق سياسية ودستورية ؟ المؤكد أن السيسي كمرشح لاعتلاء سدة الرئاسة، ربما خلال ثلاثة أسابيع، محكوم بدستور يلزم الرئيس بعدم تشكيل حزب سياسي إبان رئاسته وفي نفس الوقت يلزمه بالاستقالة من حزبه إذا كان حزبيا حتى يكون خارج الحكم، ومن ثم فأي تصريح بإعلان أي انتماءات حزبية للمرشح الرئاسي سيكون نوعا من التحدي السافر لدستور الدولة الذي سيقسم الرئيس على احترامه.

أما البعد الأعمق لتلك الإشكالية فيكمن في ما تلوكه القوى السياسية من أن قيام المشير بتشكيل حزب سياسي أو الانضمام إلى حزب قائم سيعني إعادة إنتاج الحزب الوطني المنحل الذي أودى بالدولة المصرية وانتهى بها إلى تلك النهاية المؤسفة، هذان مانعان يقفان أمام المشير السيسي على الصعيد السياسي.

صارم ومحافظ

في المقابل سيكون من المستبعد أن يكون تصريح اللواء موافي صادرا عن غير مسؤولية، فطبيعة الرجل وتكوينه الصارم المحافظ يحولان دونه ودون هذا التفكير، ومن ثم فافتراض المسؤولية في حديثه هو الأقرب إلى الدقة، من هنا يتصور كثيرون أن الحزب المزمع الإعلان عنه سيكون بعيدا، على الصعيد الرسمي، عن المشير، لكنه على الصعيد العملي سيكون ظهيره السياسي، حيث سيسعى إلى استقطاب شخصيات ذات وزن ومصداقية على المستويين الوطني والشعبي لخوض الانتخابات البرلمانية، في سعي أكيد للحصول على الأغلبية البرلمانية التي تمكنه من السيطرة ومن ثم تشكيل الحكومة، الأمر الذي يرشح اللواء موافي لأن يكون الرئيس القادم لمجلس الوزراء، وبطبيعة الحال سيصبح، من الناحية الدستورية، الرجل الثاني في الدولة.

وبعيدا عن هذا اللغط، فالمؤكد أن الذاكرة الجمعية لملايين المصريين كانت بحاجة إلى إعادة ترتيب وتركيب صورة الساسة القادمين من قلب دولاب الدولة، لاسيما إذا كانوا من قلب المؤسسة العسكرية. ضمن هذه الصياغة بدأت إعادة تشكيل صورة اللواء موافي في الذاكرة العامة ككفاءة وطنية تتحلى بالمزيد من النزاهة، وقد ساهمت العديد من مواقف الرجل في الأمر، حيث تبلورت صورته بعيدا عن صورة رجال نظامي مبارك ومرسى، بالإضافة إلى كفاءته المهنية التي انتهت إلى منحه عددا من شارات الامتياز من الطبقة الأولى والثانية، فمن حيث تاريخه العسكري حصل موافي على عدة أنواط منها نوط الواجب العسكري من الطبقة الأولى، ونوط الامتياز من الطبقة الثانية.

وقد كانت شهادته ضد مبارك في ما يطلق عليه “محاكمة القرن” من أقوى الشهادات التي يمكنها أن تكون سبيلا لإدانته، حيث نفى ما قاله مبارك عن عدم إلمامه بالمشهد عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، بما في ذلك سقوط شهداء، حيث أكد موافي أن الرئيس كانت تصله تقارير يومية عن الحالة العامة للدولة بشكل مفصل.

صعود المشير السيسي يعني، في وجه منه، حضورا مستعادا لرفاق موصوفين بالكفاءة والمسؤولية يأتي على رأسهم اللواء مراد موافي الذي رفض الترشح للرئاسة وأعلن تأييده للمشير

موافي بين مرسي وطنطاوي

لم تكن تلك الصورة التي تشكلت عن موافي ببعيدة عن صدامه العلني مع مؤسسة الرئاسة إبان حكم الرئيس المعزول محمد مرسي عقب مذبحة رفح التي راح ضحيتها ستة عشر جنديا مصريا في رمضان الماضي، بعد إعلان الرئاسة رسميا إلقاء تبعة المسؤولية على جهاز المخابرات العامة، في إطار مخطط واسع لإعادة صياغة الجهاز وتحديد توجهاته وتصفية رموزه، فما كان من الرجل إلا أن أصدر بيانا رسميا أعلن فيه إبلاغ الرئاسة ووزارة الدفاع بمعلومات شبه مؤكدة عن العملية.

وقد كان من نتيجة ذلك أن تجدد الخلاف بين موافي والمشير طنطاوي وزير الدفاع آنذاك من ناحية، ومؤسسة الرئاسة من ناحية أخرى، وقد تناقلت بعض الوكالات نصائح طنطاوي لمرسي بإقالة اللواء مراد موافي، وهي نصائح لم يستبعدها المراقبون، حيث كان موافي الذي ترأس جهاز المخابرات العامة مدعوما من اللواء عمر سليمان، بينما كان طنطاوي يدعم رئيس الجهاز الحالي اللواء محمد فريد التهامي. ورغم هذا الحضور السحري لم يتمكن المصريون من رؤية موافي، الذي بلغ الرابعة والستين من عمره في فبراير الماضي، سوى بعد مرور ثمانين يوما على ثورة يناير، عندما توسط منصة جمعت الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في مشهد تاريخي لمصالحة فلسطينية عرقلتها حماس فيما بعد.

كانت كلمة موافي مرتبكة وكثيرة الأخطاء، وبدا وجهه مكفهرا أمام الكاميرات، غير أن صورة الرجل كانت أشد اختلافا في طلته الأخيرة على الجمهور المصري، حيث تجسدت فيه مقومات رجل الدولة بامتياز، صارم الملامح في غير غلظة، محدد ودقيق أشد الدقة في المعلومات التي يدلي بها، شديد التحفظ حيال الحديث عن الغرماء السياسيين، حيث رفض النيل من الإخوان ومحمد مرسي، مشيرا إلى أنه لم يعتد النيل من أحد لمجرد أنه أصبح خارج السلطة، رافضا فكرة الظهور السياسي دون أهداف محددة.

رئاسة الحزب

أشار موافي إلى أنه لا يطمح إلى أن يكون رئيسا لحزب عضوه الوحيد هو سائق سيارة رئيس الحزب، وربما هذا ما يفسر رفض موافي رئاسة عدة أحزاب صغيرة بينها عدد من الأحزاب التي تنتمي إلى التيارات الصوفية وبعض الأحزاب المدنية، الأمر الذي يشير إلى أن تصورات موافي للحزب السياسي القادم لن تكون أقل من كونه حاضنة لعامة الشعب في ريفه وقراه قبل مدنه وحضره، ليكون بوتقة لتخليق طاقات طالعة من رحم ثورتين، وهو أمر لن يكون بإمكان موافي الوصول إليه، ما لم يكن الحزب استجابة لسؤال عامة الناس عن سبل الحماية الاجتماعية والسياسية من أخطار محيقة قادمة تمثلها حالة العوز والبطالة وتردي مستوى الخدمات، وفي الوقت نفسه ستكون مهمة الحزب.

أظن أن هذا سيكون في مقدمة أهدافه، استقطاب الطاقات التي يمكن أن تستوعبها تيارات الإسلام السياسي، يزكي هذا التصور ملامح الحسم في بناء الدولة الجديدة التي تبدت في خطابي اللواء مراد موافي والمشير السيسي، سواء على مستوى دعم الأجهزة الأمنية، أو على مستوى إعادة الاستقرار السياسي والمجتمعي كضمانتين لعودة الدولة لكل مظاهر سيادتها.

12