اللواء مصطفى شريف رجل فولاذي في ديوان الرئيس المصري

مصادر تؤكد لـ"العرب" أن اللواء شريف بلغ مرحلة عزم فيها على ترك منصبه غير أن الرئيس السيسي تمسك به وأقنعه وأثناه عن قراره، لأنه يدرك مواهبه وإخلاصه.
الأحد 2018/09/09
قليل من الكلام كثير من العمل     

تتطلع كثيرا إلى رأس المنظومة الإدارية المسؤولة عن كل من في القصر الرئاسي من الناحية الوظيفية. وتزداد المسألة حساسية عندما يتعلق الأمر ببلد مثل مصر لا يزال يعيد ترتيب أوراقه الداخلية والخارجية، ويمر بتحديات ومفترق طرق، تستوجب تسليط الأضواء على الرجل القريب من الرئيس، باعتباره كاتم أسراره وحامل مفاتيح خزائنه السياسية، المعروف برئيس ديوان رئيس الجمهورية.

مضى وقت في مصر، كان فيه من يحتل هذا المنصب ملء السمع والبصر، وتحركاته وربما إيماءته كفيلة بتحديد مصير رجال كثيرين، ومن تولوا هذا المكان خلال عصور سابقة أشير إليهم بالبنان، والوصول إلى قلب أو عقل أحدهم يعني النفاذ إلى الرئيس. وكان زكريا عزمي رئيس ديوان الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك أكثر الشخصيات التي عبرت عن هذه الثيمة طوال عشرين عاما من حكمه الذي امتد إلى نحو ثلاثين عاما.

في عهد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أصبح الأمر مختلفا، فقد استغرق قطاع كبير من المصريين وقتا طويلا ليعرفوا اسم اللواء مصطفى شريف رئيس ديوان رئيس الجمهورية حاليا، لأن عزوف الرجل، لأسباب ترجع له شخصيا أو لدوافع يعلمها الرئيس السيسي وحده، لم تمكنهم من التعرف عليه عن كثب، كما كان الحال بالنسبة لمن سبقوه في هذا الموقع.

تستغرق الكتابة عن هذه النماذج وقتا طويلا، كي نتمكن من معرفة معلومات وافية عن رجل إذا بحثت عنه على موقع غوغل الشهير لن تجد له صدى تقريبا، لذلك كانت الاستعانة ضرورية بمن اقتربوا منه للحصول على مادة سخية عن هذه الشخصية، خاصة أن الكثير ممن يعملون في القصر الرئاسي بمصر، سمعوا عنه، لكن لا يعلمون شيئا عن صفاته وخصاله، والقليل منهم يعرفونه فقط بالصامت أو الرجل الفولاذي.

يبدو اللقب الأخير الأكثر تداولا لدى من اقتربوا أو تعاملوا مع اللواء شريف مباشرة، شخصية قوية وحاسمة وقليلة الحديث ونادرة الظهور الإعلامي، بعيد عن بعض المراسم التي يظهر فيها بجوار الرئيس السيسي، وهو يستقبل أحد الرؤساء أو الزعماء، لن تجد له حضورا مباشرا، وزياراته الخارجية برفقة رئيس الجمهورية محدودة جدا حتى وقت قريب.

ظهرت له صور في موقفين مؤخرا، أثارا الكثير من التساؤلات عن الرجل. الأولى عندما كان يقف بالقرب من الرئيس السيسي أثناء استقباله مصطفى مدبولي رئيس الحكومة المكلف لأداء اليمين بقصر الاتحادية، والآخر وهو يبتسم في حوار ودي مع الشيخ محمد بن زايد، وزير دفاع الإمارات، ولي عهد أبوظبي.

انضم اللواء شريف في نهاية أغسطس الماضي إلى الوفد المرافق للرئيس السيسي في جولته الخارجية الآسيوية التي شملت البحرين والصين وأوزبكستان، بجانب وزير الخارجية سامح شكري، ومدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، ومدير مكتب الرئيس اللواء محسن عبدالنبي.

وقد عمل اللواء شريف في وجود مديرين لمكتب الرئيس مشهود لهما بالكفاءة والنشاط والإخلاص، هما اللواء عباس كامل، مدير المخابرات العامة حاليا، واللواء محسن عبدالنبي مدير مكتب السيسي حاليا الذي شغل المنصب منذ حوالي شهرين.

الانضباط مفتاح القيادة

اللواء شريف يقول ردا على الاتهامات التي طالت الدور الذي يلعبه الجيش في الحياة المدنية إن "الجندي المصري يمثل كل قرية مصرية وكل شارع مصري".
اللواء شريف يقول ردا على الاتهامات التي طالت الدور الذي يلعبه الجيش في الحياة المدنية إن "الجندي المصري يمثل كل قرية مصرية وكل شارع مصري".

يربط البعض من المراقبين بين الظهور الجديد للواء شريف كرئيس للديوان، وبين خروج اللواء عباس كامل من رئاسة الجمهورية، لأن الأخير كان يبدو في نظر البعض، وبسبب حضوره الطاغي، كمن يدير المنصبين، ولم يرد شريف أن يثير حساسية مع صديقه كامل، كما أنه حرص على عدم إزعاج الرئيس السيسي بأي نوع من المناوشات الصغيرة، فكان الرجل يقدر الانضباط تماما ويبتعد عن الصدام.

قالت بعض المصادر لـ”العرب” إن اللواء شريف جاء عليه وقت عزم فيه على ترك منصبه في رئاسة الجمهورية، وإفساح المجال تماما لتحركات اللواء عباس كامل، غير أن الرئيس السيسي تمسك به وأقنعه وأثناه عن قراره، لأنه يدرك مواهبه العديدة وإخلاصه الشديد، أو كان يجهز لترقية اللواء كامل ونقله ليكون مسؤولا عن جهاز المخابرات العامة.

معروف أن الشخصيات القوية لا تتصادم في الاختصاصات، طالما أنها تحرص على نجاح العمل، وإذا حدث نوع من الخلاف في التقديرات، يتم حله في إطار المنظومة السرية ولا يخرج إلى العلن. لذلك لم يشعر كثيرون أن هناك خلافا أو تباينا في الآراء بين شريف وكامل، والحديث بدأ يتناثر خارج مقر الرئاسة عقب خروج كامل وزيادة المواقف العلنية التي يظهر فيها شريف، من هنا جاء الربط بين القيادتين.

وقد تحدث تجاذبات خفية بين الكثير من القيادات العاملة في المؤسسات الرئاسية، تتزايد أو تتراجع حسب درجة الانضباط العام فيها، وحجم الالتفاف حول الرئيس والحرص على نجاحه، ومساعدته في قيام المنظومة الإدارية بمهامها بطريقة سلسة. وقد يقع التجاذب بين كل من رئيس الديوان ومدير مكتب الرئيس، بسبب التداخل أحيانا في الاختصاصات.

لكن سياسة الرئيس السيسي في اختيار كبار معاونيه والدائرة المقربة منه تكشف عن وجود مكونات أساسية تتحكم في اختياراته، منها أنه يقدس الجدية والصرامة التي يرى أنها تتوافر في العسكريين بصورة رئيسية، ولا يتردد في الاستعانة بالكبار، على الرغم من ترديده لضرورة إفساح المجال أمام الشباب.

خبرات كبيرة

يملك اللواء شريف خلفية عسكرية متميزة، وتمتع بأقدمية أتاحت له خبرة كبيرة قبل التوجه للعمل العام وإدارة منظومة القصر الرئاسي من داخل مكتبه بقصر عابدين بوسط القاهرة، الذي يعد المقر التقليدي لرئيس ديوان رئيس الجمهورية في مصر الذي يقيم في مكان آخر، هو قصر الاتحادية بشمال القاهرة ويبعد عن عابدين نحو 10 كيلومترات.

يرجع الخبراء سبب حرص السيسي على دقة اختيار معاونيه إلى ضرورة توافر قدر كبير من اليقظة لدى كبار مساعديه، لأنه حريص على مراجعة بعض التفاصيل والأرقام بدقة عبر الجهات الرقابية المتعددة، بجانب كثافة النشاط الرئاسي الذي يبدأ مبكرا دون استثناء العطلات.

ويؤكد مقربون من اللواء شريف أنه يعمل يوميا عددا قياسيا من ساعات العمل، ويقود بنجاح فريقا متميزا من خلال رؤية واضحة للدور والمهام المكلف بها في هذا المنصب.

شغل الرجل منصب مساعد وزير الدفاع، ومدير إدارة شؤون الضباط بالجيش المصري، وعمل كقائد لكتيبة مشاة ميكانيكية، ثم لواء ثم فرقة بالجيش الثاني الميداني قبل ثورة 30 يونيو 2013. واختاره الرئيس السيسي في بداية حكمه خلفا للواء هشام الشريف في منصب رئيس الديوان، وكانت على رأس حيثيات الاختيار الجدية والعمل بصرامة.

كثيرون لا يعرفون اسم الرجل الذي يقف على يمين السيسي حين يؤدي كبار المسؤولين القسم.
كثيرون لا يعرفون اسم الرجل الذي يقف على يمين السيسي حين يؤدي كبار المسؤولين القسم.

اجتاز اللواء شريف دورة أركان الحرب من كلية القادة والأركان، وحصل على زمالة كلية الحرب العليا من أكاديمية ناصر العسكرية في القاهرة، والعديد من الدورات المتقدمة في سلاح المشاة، وحصل خلال خدمته على ميداليات كثيرة، منها: ميدالية الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة ونوط الواجب العسكري من الطبقة الثانية، وميدالية الخدمة الممتازة، وميدالية 25 يناير 2011، وميدالية 30 يونيو 2013، ونوط الواجب العسكري من الطبقة الأولى.

ويقول قائد عسكري، عمل برئاسة الجمهورية، لـ”العرب”، إن من مهام رئيس الديوان “توجيه وزراء ومحافظين وشخصيات بارزة لأماكن وقوفهم في لقاءات الرئيس، وتنظيم اللقاءات ذات التغطية الإعلامية المباشرة، بجانب تنظيم الزيارات خارج البلاد وسبل تأمينها، وإلغاء الزيارة بالكامل، إذا تبين عدم وجود ترتيبات تلبي المتطلبات الأمنية والبروتوكولية”.

أرجع المصدر هذه الدقة إلى حدوث مواقف غير متوقعة في بعض اللقاءات الجماهيرية المفتوحة، ما يتطلب تدخلا سريعا وحكيما وقرارات فورية دون أن يلاحظها الحاضرون أو تلقطها كاميرات التصوير، ومن دون إيذاء للأطراف حسنة النية المتداخلة في الوقائع.

الحسم والحكم

تتضاعف أهمية هذا المنصب في ظل ثقافة مجتمع يرى في ديوان الرئاسة قدرة على توفير كل الحلول السحرية لجميع المشكلات. وبغض النظر عن دوره أنه يختصر الطريق أمام الشكاوى والاقتراحات والطلبات، فإنه يتمتع بمصداقية وحسم.

بات ديوان الرئاسة في مصر مصدر ثقة بعد العبور بثورة 30 يونيو 2013 التي أسقطت حكم الإخوان المسلمين، إلى بر الأمان والتصدي للعديد من المخاطر الخارجية، ناهيك عن تجاوز المخاطر الداخلية، وتحمل نتائج الروافد السلبية لإجراءات الإصلاح الاقتصادي، وتفويت الفرصة على من راهنوا على انفجار الغضب واندلاع الفوضى.

في مصر لم تعد الأمور كما كانت في الماضي، فهناك صعوبة كبيرة الآن من الاقتراب من دائرة الرئيس الضيقة، عبر عنها أحد معاوني رئيس سابق لـ”العرب” بالقول “تبلغ المنافسة في الوصول إلى دائرة الرئيس في بعض الأحيان حدا كبيرا من الشراسة وعدم النزاهة، فمن أجل إبعاد مستشار سياسي يعتبره البعض مؤثرا في السبعينات من القرن الماضي، خلال عهد الرئيس أنور السادات، تم اتهام المستشار بالمشاركة مع رئيس دولة عربية في التخطيط لاغتيال السادات خلال جولة أوروبية.

كان الادعاء مختلقا من شخص أراد إزاحة مستشار الرئيس الذي تمتع بعلاقة طيبة مع رئيس الدولة العربية والرئيس المصري. والغريب أن الاتهام ذاته تكرر في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث تم اتهام السياسي ذاته بالتخطيط لاغتيال نجل أحد مستشاري الرئيس مبارك، وهو الاتهام الذي أكد اللواء عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات العامة الأسبق، أنه محض اختلاق، وجاء بسبب المنافسة على الاقتراب من دائرة الرئيس.

من النماذج الشهيرة التي طالتها الوشايات بسبب حدة المنافسة في عهد الرئيس مبارك مثلا، مصطفى الفقي سكرتير الرئيس للمعلومات، الذي أوضح في سيرته الذاتية أنه تم تكليفه مرارا بلقاء قيادات الكنيسة المصرية والإخوان والتوصل إلى تفاهمات عديدة معهم، وتوقع اختيار المشير حسين طنطاوي رئيسا للحرس الجمهوري، ودفع الفقي بالفعل ما يعتبره “ثمنا للوشايات”، وإن ظل الرجل حاضرا في المشهد العام، بعد اندلاع ثورة 25 يناير 2011.

  معادلة النجاح في منصب رئيس ديوان رئيس الجمهورية ترتكز على الثقة بالنفس والانضباط ومراعاة الأبعاد السياسية.
  معادلة النجاح في منصب رئيس ديوان رئيس الجمهورية ترتكز على الثقة بالنفس والانضباط ومراعاة الأبعاد السياسية.

لمع اسم اللواء شريف كقيادة عسكرية ثم اختفى فجأة، عندما أدار أزمة خروج عدد من ضباط الجيش على الانضباط وإبداء آراء سياسية في ميدان التحرير بوسط القاهرة، عقب ثورة 25 يناير، حيث طلب منه نشطاء سياسيون التدخل لاحتواء الأمر، وبالفعل استقبل ممثلين عنهم واستمع لوجهة نظرهم وجرى احتواء الموقف دون تصريحات انفعالية أو تضخيم في إدارة الأزمة، التي بلغت ذروتها بترك عدد من ضباط ما عرف باسم 8 أبريل خدمتهم والمشاركة في اعتصام في ميدان التحرير.

ونجحت الطريقة التي أدار بها اللواء شريف هذا الموقف بالتنسيق مع رئيس المخابرات الحربية اللواء عبدالفتاح السيسي آنذاك، في تفويت الفرصة على المعارضة التي أرادت تصوير المشهد كأنه انشقاق داخل الجيش وانحياز لصفوف الشباب الذين رفعوا شعار “يسقط حكم العسكر” في ذلك الوقت. وربما تكون حكمة شريف هي التي وثقت علاقته بالسيسي لاحقا، ودفعت إلى اختياره في منصب رئيس ديوانه.

مقدمات سياسية

يمكن قراءة أفكار وتوجهات وأولويات وثوابت اللواء مصطفى شريف، من مداخلاته الإعلامية القليلة، قبل أن يتولى منصب رئيس الديوان، بينها اتصال هاتفي مع قناة “سي. بي. سي” الخاصة عام 2014، وكان مساعدا لوزير الدفاع، وظهر فيه كمدافع عن المؤسسة العسكرية.

قال اللواء شريف ردا على الاتهامات التي طالت الدور الذي يلعبه الجيش في الحياة المدنية إن “الجندي المصري يمثل كل قرية مصرية وشارع مصري.. وأعضاء الجيش المصري نسيج واحد، ويتم إكساب الجندي المصري المهارات الأساسية منذ التحاقه بالجيش. وتأمين الحدود يتم على أعلى مستوى. لدينا شهداء لمواجهة الإرهاب، ومستمرون في أداء عملنا. ولن نرضى إلا بالنصر أو الشهادة”.

تعكس هذه النوعية من التصريحات أن الرجل شخصية عسكرية منضبطة بدرجة بعيدة، وتوصّل رسائل مهمة إلى كل الأطراف، خاصة الرأي العام الذي كانت بعض القوى المعارضة تحاول إثارته ضد المؤسسة العسكرية المصرية.

ترتكز أخيرا معادلة النجاح والاستمرارية في منصب رئيس ديوان رئيس الجمهورية على الثقة بالنفس والانضباط التام، ومراعاة الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، وتناغم الأداء مع بقية المسؤولين في المنظومة، وهو ما توافر في اللواء مصطفى شريف.

8