اللوازم المدرسية مشكلة تؤرق التلميذ وأسرته في المغرب

من المناظر المألوفة التي تراها مع بداية كل سنة دراسية جديدة في الدار البيضاء والرباط والكثير من المدن المغربية الأخرى رؤية طالب صغير وهو ينوء بحمل أو بسحب حقيبة ثقيلة. والحالة تتكرر حتى في المدن الصغيرة والبوادي، بالرغم من أن الكثير منهم في تلك المدارس يقطعون مسافات أطول بكثير للوصول إلى مدارسهم مع أحمالهم من الكتب والقرطاسية والدفاتر.
الجمعة 2017/10/06
حمل ثقيل على الأهل والتلاميذ

إصرار المدرسين وإدارات المدارس على الطلاب اصطحاب جميع مستلزماتهم الدراسية يوميا يثير في الكثير من الأحيان نقمة الآباء والأهل وحتى الطلاب.

ومما يزيد الأمر سوءا أن في الكثير من الأحيان يكون لكل مادة من المواد الدراسية عدة كتب، ككتاب القراءة العربية وآخر للخط وآخر لتلوين الصور وآخر لتعلم القراءة بطريقة حفظ الصور وكتاب ودفتر للواجب المنزلي ودفاتر للواجب المدرسي ودفتر استعمال الزمن. واللغة الفرنسية التي لها أيضا كتبها الإيضاحية المتعددة للقراءة والكتابة والتلفظ والمصطلحات، مع بقية المواد الرياضية والفنية والقرطاسية.

موضوع المستلزمات المدرسية الثقيلة يصير أكثر خطورة في المغرب إذا عرفنا أن عدد الطلاب المسجلين لهذا العام في جميع مراحل التعليم بلغ 7 ملايين و870 ألف طالب وطالبة

وجدت إحدى الإحصائيات التي أنجزتها جمعية مغربية لآباء التلاميذ أنَّ التجهيزات المدرسية لطالب الصف الأول الابتدائي تكلف الأسرة بين 600 و700 درهم (الدولار يساوي 9.6 درهم) وتزداد الكلفة على طلاب مدارس التعليم الخاص، وتضاف إليها كلفة ملابس الطفل الجديدة في يومه الدراسي الأول، لما يوفره منظره العام في بداية دخوله المدرسي من ثقة بالنفس، وجذب الأنظار إليه، ولما تتطلبه إدارات المدارس الخاصة من زيّ موحّد خاص بها.

ومن الحوادث المؤسفة التي نقلتها صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بمدينة أزرو العام الماضي انتحار طالب في السادسة ابتدائي، لعدم قدرة أهله المالية توفير ثمن الكتب والدفاتر والقرطاسية له.

والأهل في العادة يحرصون على تخفيف الحمل على أطفالهم بشراء حقائب مسحوبة بعجلات، ولكن ذلك لا يحل المشكلة للطفل الذي لا يتجاوز وزنه كثيرا عن وزن الحقيبة ومحتوياتها، وفي الريف والبوادي الموضوع أكثر مأساوية إذْ يضطر الطفل إلى سحب حقيبته في طرق غير معبّدة.

وتشير الكثير من البحوث الطبية التي أجرتها لجان رعاية الطفولة في الأمم المتحدة، وأجريت على أعمار مختلفة في بلدان عربية مختلفة، إلى أنّ الثقل الزائد الذي يحمله الطفل بسن الثامنة والتاسعة، وحتى الرابعة عشرة من عمره يعرضه في الثلاثينات من عمره لأمراض حركية عديدة منها السياتيك والأنزلاق الغضروفي أو ما يسمى بإلتهاب العرق النسائي.

موضوع المستلزمات المدرسية الثقيلة يصير أكثر خطورة في المغرب إذا عرفنا أن عدد الطلاب المسجلين لهذا العام في جميع مراحل التعليم بلغ 7 ملايين و870 ألف طالب وطالبة. ومن بين هؤلاء أربعة ملايين و322 ألف تلميذ وتلميذة في المرحلة الابتدائية، حسب منشور وزارة التربية الوطنية في المغرب للعام الداراسي 2017 ــ 2018.

وهذا يعني أنه في كل سنة سيضاف عدد جديد إلى السنوات الماضية، مما يؤدي إلى أنَّ في العشرين سنة والثلاثين سنة القادمة سيكون على الإدارات العامة في المملكة مواجهة زيادة في عدد المُعتلّين. وبين هؤلاء من لا يقوون على العمل الجاد لساعات قليلة. وعندها تضطر الإدارات إلى تسريحهم سواء بالتقاعد المبكر أو بالتسريح من العمل لأسباب صحية.

والمشكلة الآنيّة هي في المبالغة باقتناء اللوزام المدرسية، التي تضيف أعباء مالية لعائلات الطلاب خصوصا إذا عرفنا أن في كل بيت أكثر من طالب. وتضطر العائلة إلى تجهيز أبنائها بالكتب والدفاتر والقرطاسية كل سنة لتغير المناهج الدراسية كل سنة بشكل جزئي أو كلي.

الثقل الزائد الذي يحمله الطفل بسن الثامنة والتاسعة، وحتى الرابعة عشرة من عمره يعرضه في الثلاثينات من عمره لأمراض حركية عديدة منها السياتيك

وكل هذه المصاريف لا تتحملها الكثير من الأسر الفقيرة في المغرب، وخصوصا في القرى والبوادي، مما يؤدي إلى تسرب أعداد كبيرة من الطلاب. وقد بلغ التسرّب في السنة الماضية من الطلاب نحو 21 بالمئة في التعليم الأساسي و17 بالمئة في التعليم الاعدادي والثانوي.

ويتمرد الطلاب على هذه الأحمال تدريجيا في السنوات الدراسية اللاحقة، في الاعدادية والثانوية، ويصير لديهم ما يشبه العداوة الحقيقية للكتب المدرسية، ولذلك فهم يعمدون إلى التمرّد على المدرسين، والهيئات التدريسية بعدم جلب أي مقرر دراسي. ويكتفي الطالب منهم بكشكول ممزق، ومنزوع الأوراق ليدوّن به جميع المعلومات من كافة المواد المدرسية.

المعلمة زهراء بناني (28 سنة) تعمل في مدرسة خاصة للأطفال في سن الروضة، والتعليم الأساسي ــ الابتدائي ــ وجدت حلا عمليا للوازم المدرسية لطلابها. تقول لـ”لعرب” عن حلها للمشكلة “الحقيقة لم يرق لي تكليف أطفال فصولي الدراسية بحمل الكتب المقررة عليهم، والقرطاسية يوميا عند ذهابهم إلى بيوتهم وعودتهم في الصباح.

لذلك اقترحت على إدارة المؤسسة التعليمية توفير خزان حديدي صغير لكل طالب يضع فيه حوائجه، ولا يتجاوز عدد طلاب كل فصل في المؤسسة الـ15 طالبا وطالبة، فصار من السهولة توفير العدد المطلوب من الخزانات لكل واحد منهم”.

وأضافت بناني “طلابي محظوظون لأن عددهم قليل ووجود الإدارة المتفهمة؛ التي تبنت اقتراحي، وساعدتنا على تنفيذه، بعكس المدارس الحكومية وبعض المدارس الخاصة التي بها في كل فصل منها نحو 60 طالبا. فالمفروض أن العدد المثالي لكل فصل 28 طالبا لا أكثر. وعندما يزيد العدد على ذلك يصير من الصعوبة توفير الخزانات والمكان المناسب لها”.

وأشارت إلى قرار وزارة التربية الوطنية المغربية الجديد حول عدد طلاب كل فصل قائلة “ولا أدري هل ستطبق المؤسسات التعليمية قرار الوزارة للسنة الدراسية 2017 – 2018 الذي أشار إلى ضرورة حصر عدد طلاب كل فصل بـ40 طالبا فقط بدل 60 طالبا. وحل مشكلة المنشآت المدرسية بنظام الأفواج، والدوام المدرسي الممتد من الثامنة صباحا إلى السادسة مساء”.

الأهل في العادة يحرصون على تخفيف الحمل على أطفالهم بشراء حقائب مسحوبة بعجلات، ولكن ذلك لا يحل المشكلة للطفل الذي لا يتجاوز وزنه كثيرا عن وزن الحقيبة ومحتوياتها

تقول رشيدة حمو (40 سنة)، ربة بيت، وأم لثلاثة أبناء في الابتدائية وبنت في الاعدادية عما تفعله كل سنة جديدة لكي تخفض نفقات اللوازم المدرسية “أستعين كل سنة بالكتب المستعملة، وهناك من يبيع كتب السنوات الماضية؛ فأشتريها منه بنصف الثمن ويقوم أبوهم بتغليفها وتنظيف صفحاتها من الكتابات حتى لا يعتمدها الأطفال في حلول مسائلها، فيجتهدون بأنفسهم لحلها”.

وتضيف “بعد ذلك نحاول ترتيب استعمال الأدوات المدرسية بينهم طول السنة، واستعمال الكتب، فننقلها بينهم من سنة إلى أخرى، لكن المشكلة التي تواجهنا أن وزارة التربية الوطنية في كل سنة تغير أغلفة بعض الكتب، ونجد الموضوعات ذاتها في كتاب العام الماضي، لكن اصطحاب الكتب القديمة من قبل أولادنا لا يروق لمعلميهم، فيطالبون بالطبعات الجديدة، مما يجعلنا في صراع مستمر بيننا وبين أولادنا”.

وأضافت حمو “الطفل يريد إرضاء معلمه، ونحن لا نملك المال الكافي لشراء الطبعة الجديدة، مما يضطرني إلى الذهاب إلى المدرسة للتحدث إلى معلميهم الذين يقتنع بعضهم بكلامي فيسمح باستعمال الكتب المستعملة، والبعض الآخر لا يقتنع، فنضطر إلى شراء طبعة جديدة”.

وحول ثقل المستلزمات الدراسية تقول “أما ثقل المستلزمات الدراسية فوجدنا حلا لها، وذلك بمصاحبة أولادنا إلى مدارسهم، ومعاونتهم بحمل الحقيبة، وحاليا يقوم ولدي الذي في السنة السادسة ابتدائي بحمل حقيبة أحد أخويه بينما أحمل أنا الأخرى”.

مع كل بداية سنة دراسية يصير موضوع اللوازم المدرسية لطلاب المدارس مثار جدالات كثيرة بين المختصين بالتربية والتعليم، ورجال الصحافة، والمهتمين بالصحة، وجمعيات آباء التلاميذ بالمغرب، ولكن يبقى موضوع اللوازم المدرسية مشكلة حقيقية للتلميذ وأسرته من دون حل حقيقي. وتُرحل المشكلة في كل سنة إلى السنة الدراسية الجديدة، من دون النظر في ما يحمله المستقبل من مخاطر حقيقية لها.

21