اللوبي الإيراني في واشنطن يتحرك لتفادي صدام عسكري مع ترامب

تخوف إيراني من استنفاد الفرص الدبلوماسية بعد تعيين جون بولتون، وواشنطن ترى تكلفة المواجهة العسكرية باهظة.
الاثنين 2018/04/09
الشارع الإيراني مستاء من خيارات نظام بلاده الخارجية

بدأ اللوبي الإيراني في إعادة تنشيط دوره داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية الأميركية لقيادة اتجاه مناوئ للسياسة التصعيدية التي تتبناها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إزاء إيران مع إصرار الأخير على تعديل الاتفاق أو الانسحاب منه خاصة وأن طهران استثمرته في المزيد من التمدد في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبلغ ذلك حد الفتك بأمن السعودية من خلال إطلاق الحوثيين أذرع طهران في اليمن صورايخ باليستية الشهر الماضي على مناطق قريبة من الرياض لكن المملكة نجحت في التصدي لها.

ويتحرك هذا اللوبي لتجنب الوصول إلى مرحلة الصدام التي قد ينجم عنها انسحاب أميركي من الاتفاق النووي أو إعادة التلويح بالخيار العسكري في حالة إصرار طهران على مواصلة دورها التخريبي في المنطقة. ويعتقد مراقبون أنه رغم التصعيد بين الجانبين تدفع مصلحة واشنطن إلى الحوار مع إيران بسبب ضعف الموقف الأميركي في الملف السوري وإعلان الولايات المتحدة نية الانسحاب من سوريا مؤخرا.

ويعتقد المراقبون أن السياسة البراغماتية التي تعتمدها إدارة الرئيس الإيراني حسن روحاني التي تريد الحفاظ على نفوذها في المنطقة تعي أن النفوذ لن يأتي بالتشدد، وهذا الاتجاه يدعمه اللوبي الإيراني.

وكتب تريتا بارسي رئيس “المجلس الوطني للإيرانيين- الأميركيين” المعروف اختصارا باسم “ناياك” مقالا على موقع مجلة “فورين بوليسي”، في مارس الماضي، أشار فيه إلى أن” الخطوة الأولى (الانسحاب من الاتفاق النووي) سوف تدفع إيران إلى التفكير جديا في امتلاك القنبلة النووية، بعد أن استنفدت الفرص الدبلوماسية التي أتيحت في الفترة الماضية”.

 لكن الأهم هو دعوته، في تغريدة على موقع “تويتر”، أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي إلى عدم تمرير قرار تعيين مايك بومبيو وزيرا للخارجية، باعتبار أن هذا التعيين سيكون بمثابة إعلان حرب ضد إيران، الذي يتسق مع المواقف التي يتبناها جون بولتون المستشار الجديد للأمن القومي، المتشددة تجاه طهران ومصير الاتفاق النووي، فيما أكد هوشنغ أمير أحمدي رئيس المجلس الإيراني الأميركي -وهو من أبرز اللوبيات الإيرانية المتنفذة في الولايات المتحدة بموقع “انتخاب” الإيراني- أن “تعيين بولتون مستشارا ومديرا لمجلس الأمن القومي الأميركي يعزز احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران”، مضيفا أن “حكومة روحاني لا تستطيع أن تواجه إدارة ترامب سياسيا ودبلوماسيا، لذا يجب أن يتم استبعادها”.

 

تتصاعد الحرب الكلامية بين الولايات المتحدة وإيران، وفي الوقت الذي يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب التهديد بتعديل الاتفاق النووي الذي أبرمته الدول الكبرى صيف 2015 مع طهران أو الانسحاب منه، حذر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، السبت، من أنه إذا انساقت واشنطن وراء رغبة ترامب في الانسحاب من الاتفاق “فستقدم الدليل على أنها شريك لا يُعتمد عليه في إبرام اتفاقات دولية”. ورغم تأكيد الأخير احتفاظ بلاده بخيارات “غير مريحة” -في إشارة إلى مواجهة عسكرية محتملة إذا تواصل التصعيد مع واشنطن- ينصح اللوبي الإيراني نظام طهران بتجنب الصدام مع الإدارة الأميركية باعتبار أن المواجهة لن تكون متكافئة بسبب ضعف النظام الإيراني إقليميا بعد اتضاح دوره التخريبي في المنطقة، وداخليا بعد أن تبين مدى الرفض الشعبي له عبر احتجاجات متواصلة في المنطقة العربية (الأحواز) تندد بتدخله في شؤون دول الجوار

ودعا الأكاديمي الإيراني الأصل فالي نصر، عميد كلية جون اتش نيتز للدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز، في مقالة بمجلة “فورين أفيرز” مؤخرا، إلى ضرورة الوصول إلى تفاهمات مع إيران ودفع القوى الإقليمية المناوئة لها إلى إجراء مفاوضات معها، واستبعد خيار التصعيد العسكري ضدها، باعتباره سيقوض فرص الاستقرار في المنطقة.

وقالت الشخصية السياسية والأكاديمية سحر نوري زاده في مقال مشترك مع بايام محسني، على موقع “فورين أفيرز” في 15 أكتوبر الماضي، إن “السياسة التي يتبعها ترامب إزاء إيران سوف تعرض الولايات المتحدة للمزيد من العزلة على الساحة الدولية”.

تداعيات المواجهة

يستند اللوبي الإيراني في دعوته لاستبعاد خيار المواجهة العسكرية مع إيران، إلى مبررات رئيسية، أهمها أن “التكلفة الباهظة المتوقعة التي يمكن أن تتمخض عن أيّ مواجهة محتملة مع إيران في المستقبل، سوف تفوق المكاسب التي يمكن أن تفرضها”.

 هنا، يحاول اللوبي التركيز على التداعيات التي سوف تنتجها تلك المواجهة على صعيد الداخل الإيراني المليء بالأزمات، وقد عبر الشارع الإيراني في احتجاجات شعبية أواخر العام الماضي عن رفضه لسياسات بلاده التخريبية وتدخلها في شؤون دول الجوار، على غرار تدخلها المتواصل في أزمة سوريا وفي العراق، وهما البلدان اللذان تخوض فيهما حروبا بالوكالة، حيث تستثمر علاقاتها مع التنظيمات الإرهابية والمسلحة في المنطقة للمضي في هذا الدور.

يعتقد اللوبي الإيراني أن التمسك بهذا الدور سوف يدفع حلفاء إيران إلى التدخل وتهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها الذين يتحفزون لتوجيه تلك الضربة، وفي مقدمتهم إسرائيل.

كما أن تصاعد التوجه الانعزالي داخل الولايات المتحدة، الذي يدعو إلى عدم التورط في مغامرات خارجية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، لا يوفر خيارات كثيرة للإدارة الأميركية، لا سيما في ظل التكاليف الباهظة التي فرضها التدخل العسكري في الأزمات السابقة والحالية، والتي لم تقلص في النهاية من التهديدات التي تتعرض لها مصالح واشنطن.

تتمثل أبرز تلك التهديدات في التنظيمات الإرهابية التي نقلت عملياتها وأنشطتها إلى دول خارج الشرق الأوسط، وربما تحاول الوصول إلى داخل الولايات المتحدة، ردا على العمليات العسكرية التي تعرضت لها في الفترة الماضية وساهمت في تقليص نشاطها وتراجع نفوذها بشكل كبير.

فرص ضئيلة

يبدو الخيار الأفضل، من وجهة نظر بارسي ونصر وغيرهما، تعزيز فرص انغماس أو “تورط” أطراف أخرى في تلك الأزمات، مثل روسيا، حيث سيضاعف ذلك من حجم الضغوط التي تتعرض لها واشنطن في المنطقة، وستركز اهتمامها في المقام الأول على التعامل مع القوى الإقليمية التي سيتزايد دورها على الساحة الدولية في المرحلة القادمة، خاصة موسكو والصين.

لا تتوقف تداعيات تلك الخطوات المحتملة عند هذا الحد، حيث ترى الشخصيات النافذة في اللوبي الإيراني أنها سوف تؤدي إلى حدوث خلل في توازن القوى السياسية الإيرانية لصالح تيار المحافظين الأصوليين المتشددين الذي قد يستغل هذا الخلل للضغط من أجل إنتاج القنبلة النووية، أو على الأقل امتلاك القدرة على إنتاجها.

هوشنغ أمير أحمدي: حكومة حسن روحاني لا تستطيع أن تواجه إدارة ترامب سياسيا ودبلوماسيا
هوشنغ أمير أحمدي: حكومة حسن روحاني لا تستطيع أن تواجه إدارة ترامب سياسيا ودبلوماسيا

ولا يفصل هؤلاء تطورات التصعيد بين واشنطن وطهران، عن إمكانية حدوث انفراجة في الأزمة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، في ظل احتمال عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في مايو القادم.

وقد يعصف انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي بجهودها في تسوية الأزمة مع بيونغ يانغ، لأن تلك الخطوة سوف تدفع الأخيرة إلى إعادة ترتيب حساباتها مرة أخرى، باعتبار أن هذا الانسحاب يضع واشنطن في صورة طرف لا يمكن الانخراط معه في تفاهمات قد تنهار في النهاية.

وتواجه الجهود التي يبذلها اللوبي الإيراني في واشنطن عقبات عديدة؛ فقد تراجع تأثيره في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، لأسباب عديدة، في مقدمتها الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية الحالية تجاه بعض أعضائه.

وانعكس ذلك في إبعاد سحر نوري زاده، أحد أعضاء منظمة “ناياك”، من مطبخ صنع القرار في وزارة الخارجية والبيت الأبيض، بعد أن كان لها دور بارز في المفاوضات التي أجريت مع إيران للوصول إلى الصفقة النووية يوليو 2015، في خطوة أشار البعض إلى أنها تعبر عن رغبة ترامب وفريقه في تطهير الإدارة من جماعات الضغط المؤيدة للتقارب مع إيران.

فضلا عن ذلك لا توفر السياسات التي تصر إيران على اتباعها في مواجهة ضغوط ترامب هامش حركة أوسع أمام اللوبي المؤيد لها في واشنطن.

وما زالت طهران حريصة على رفض كل الدعوات التي تحثها على تغيير بعض بنود الاتفاق النووي، أو الموافقة على إجراء مفاوضات جديدة للوصول إلى اتفاق تكميلي لسد الثغرات التي يتضمنها الاتفاق الحالي.

ولا تصر على مواصلة تطوير صواريخها الباليستية فقط -رغم أن ذلك ساهم في اقتراب مواقف الدول الأوروبية من مواقف الإدارة الأميركية- بل تصر أيضا على تهريبها إلى المتمردين الحوثيين الذين استخدموها في تهديد الأراضي السعودية، على غرار ما حدث في 26 مارس الماضي.

6