اللوحات التجريدية لنزار صابور تحاول تفسير الخراب السوري

الفنان السوري يجعل التوازن البصري في أعماله نوعا من التضاد مع الدمار ورؤيا لتشكيل المدينة بعيدا عن جحيم الحروب.
الأربعاء 2021/04/21
سينوغرافيا تشكيلية قوامها تواريخ وبشر وأماكن

دمشق – يُحاول الفنان التشكيلي السوري نزار صابور في معرضه الأخير الذي حمل عنوان “أنا في سوريا” قراءة الخراب وتفسيره في ما أطلقه من عنوان على مجموعة من لوحاته، حيث يلاحظ التخييل اللوني، والتقنية الحاذقة في رسم خطوطه، وتظهيرها في تجاور لافت بين مفاهيم الحب والحرب بما سمّاه “محاولات لتفسير الحب”.

وفي هذه المجموعة يستنبط الفنان التراث والأشعار القديمة، والشخصيات والسير الشعبية، من أشعار قيس بن الملوح الشهير بمجنون ليلى، كقوله بالرسم “إليك عني إني هائم وصب/ أما ترى الجسم قد أودى به العطب”.

وجعل صابور معرضه الذي تستضيفه صالة “زوايا” الدمشقية حتى نهاية شهر أبريل الجاري، فاصلة في تجربته التي عمل عليها منذ عقود. واستقى دلالات كثيفة ومحدّدة عن البيئات السورية، مستلهما الأيقونة في عمله، متفردا في غزارة الرمز ونحته على سطوح اللوحة، نحو ما يشبه منمنمات لونية اعتمدت على أحجام صغيرة وأخرى كبيرة.

ورسّخ تعدّد الأساليب في التجربة الذاتية للفنان التشكيلي، من دون أن يستغني عن ملامح مختبره المفتوح على مدارس وتيارات الفن التشكيلي في العالم، بل بالعمل على تنويعات رشيقة، ودرجات مختلفة من اللونية الممزوجة مع الرمز والكتابة على اللوحات.

واستنبط من العمارة الشامية في بعض المدن والمزارات السورية القديمة، خالصا إلى هوية خاصة في قراءة المكان، وتلخيصه بصريا، وجعل التوازن البصري في أعماله نوعا من التضاد مع الدمار، ورؤيا لتشكيل مدينة بعيدا عن جحيم الحرب المضطرم.

غنى فكري وبصري برؤى تجريدية
غنى فكري وبصري برؤى تجريدية

ويتميّز المعرض الجديد الذي ضم أكثر من 60 عملا بالغنى والتنوّع من ناحية الأساليب والتقنيات والمواضيع والأحجام بأساليب تراوحت بين التعبيرية والتجريد، حيث توزّعت الأعمال المعروضة على ست مجموعات فنية يربطها فكر همّه الوطن والإنسان وروح تبحث عن الخلاص من الألم.

وعن الخصوصية التي يقدّمها في هذا المعرض، يقول صابور “اشتغل منذ سنوات طويلة على فكرة واحدة في كل المعارض التي قدّمتها، أما هذا المعرض فيحوي عدة مواضيع بسبب يتعلق بعنوانه، لأني أعيش كغيري من السوريين وسط هذه الظروف الصعبة، فجاءت لوحاتي كمحاولات لفهم ما طالنا من خراب وحرائق، وصولا إلى فهم الحب وأسراره إلى جانب الأيقونات المعاصرة والمدن والمزارات”.

واعتمد صابور في بعض الأعمال على الإدهاش البصري والعامل النفسي بطرح تشكيلي جديد بهدف إيجاد حلول بصرية للمشاكل التي يعيشها في الواقع، مُعيدا تقديمها للجمهور في قالب فني إبداعي مختزل متوجها بلوحاته بشكل أساسي إلى الإنسان السوري، مكرّسا في كل مجموعة فكرة لها علاقة بالحياة الراهنة.

وعمل صابور الحائز على شهادة دكتوراه في فلسفة الفنون من موسكو على مستويات من التجريد، مازجا أبعادا جمالية للوحة مع أبعاد ذهنية لم تغب عنها بهجة اللون ومرحه.

واستطاع مزاوجة الأفكار والألوان في ثنائيات هندسية كالدائرة والمثلث، مبحرا في سينوغرافيا قوامها تواريخ وبشر وأماكن، كان الفنان قد استمدها من بحثه المضني في الذاكرة السورية البعيدة والقريبة، لاسيما من قسمات المدن الآرامية والتوابيت التدمرية الأفقية. وذلك وسط مناخ مهيب من الإحالات البعيدة عن المباشرة الفنية، والعميقة في إسقاطها على الصوفي والعرفاني.

وهو الذي يؤكّد أنه ضد المباشرة في الطرح الفني، وذلك “كي لا يخسر المشاهد متعة التذوّق الفني والتحليل والتفكيك، وصولا إلى الفهم”، معتبرا أن العمل الفني الغامض الذي يمكن اكتشافه مع مرور الوقت يحمل القيمة الفنية الحقيقية.

ويوضّح “ربما اُتّهم دائما بالغموض، وأنا بدوري أدافع عن هذا الأمر، لأن الفن يجب أن يترك فسحة للمتلقي بأن يقرأ اللوحة على طريقته مستندا إلى ثقافته وبيئته وما يجمع من معلومات، فالفن المباشر هو فن يدعو إلى الملل”.

وفي العام 2019 أقام صابور معرضا فرديا حمل عنوان “نواويس سورية” (توابيت) عَدّه النقاد واحدا من أهم المعارض السورية في العشرية الأخيرة، حيث أكّد فيه التشكيلي السوري علاقته العضوية كفنان بالآخرين على اختلاف مواقعهم في تجربته الفنية والحياتية، وعلى اختلافه عنهم.

تجاور لافت بين مفاهيم الحب والحرب
تجاور لافت بين مفاهيم الحب والحرب

وهو يقول في ذلك “إن الفن كالحياة لا يتوقّف، وفي كل معرض أحاول أن أقدّم تجربة مستحدثة وفكرة جديدة، وفي ‘نواويس سورية’ الذي أتى بعد حرب ضروس على سوريا أردت أن أقدّم تحية لكل من أبدع وعمل ووقف إلى جانب الوطن، وكانت له بصمة كبيرة كل في مجاله واختصاصه، وكان المعيار الأساس لذلك الشخصية المبدعة نفسها: أدونيس، محمد الماغوط، نزيه أبوعفش، طلال معلا، ممدوح عدوان، إدوار شهدا، لطفي الرمحين، فواز الساجر، إلياس زيات، فاتح المدرّس، لؤي كيالي، نذير نبعة، يوسف عبدلكي، حنا مينة، سعد الله ونوس، منذر مصري، وممدوح قشلان.. والقائمة تطول”.‏

وكأنه يلتفت إلى القدّيسين الذين يعيشون، الآن وهنا، في وطنه السوري الجريح، يعيد تشكيل معجزاتهم الدنيوية، يعجن أعمالهم بطريقته الخاصة، عبر استحضار عناصر أساسية تشير إلى مفرداتهم كنوع من التحية إلى هؤلاء الذين صنعوا الذاكرة الإبداعية السورية، سواء في التشكيل أو الشعر أو الكتابة، وكأنه بذلك يدعو المُشاهد إلى وليمة من اللون والكلمات بدلا من وليمة الدم التي أرهقت البلاد والعباد.

هم في لوحاته محاربون واجهوا خسائر الضمير ببسالة الحضور والمواجهة الصلبة لهشاشة اللحظة وتمزّقات الخارطة. نحو 70 شخصية سورية معاصرة استحضرها صابور في فضاء واحد، معتبرا إياها جداره الاستنادي وبوصلته الشخصية في ترميم العطب الذي خلّفته الحرب في الأرواح.

أيقونات نورانية تشعّ في الليل الطويل الداكن، كأنه يهتف “بهؤلاء سأحارب الخراب”. كما يلفت إلى ثراء التراب السوري بصنّاع أرشيف الجمال ومؤرّخي الروح بصرف النظر عن موقفه الشخصي من هذا الاسم أو ذاك، وهو في ذلك يفتح ذراعيه على اتساعهما لعناق تجارب متنافرة، قد لا تشبهه، أو لا تتقاطع مع مغامرته اللونية كنوع من الاعتراف لبصماتهم وحفرياتهم في الوجدان السوري.

Thumbnail
16