اللوفر أبوظبي.. تشابك المعادلة الحضارية

تفتتح الإمارات خلال أيام متحف اللوفر أبوظبي الذي يشكل نقلة جيوسياسية وحضارية لمنطقة الخليج، عبر خلق قوة ناعمة جديدة، تقلب ميزان المسار الزمني التقليدي، الذي تشكل عبر حملات غربية كانت تأتي إلى منطقة الشرق الأوسط لاستكشاف معالمها الحضارية، بينما تخطو أبوظبي اليوم لتقتحم الغرب ثقافيا، وترسم لنفسها موقعا جديدا على الساحة الحضارية في العالم.
الأربعاء 2017/11/08
تشابك حضاري غير مسبوق

أبوظبي – في عام 1798، شن نابليون بونابرت حملة عسكرية لغزو مصر تحت شعار “إنجاز مهمة فرنسا التنويرية والرغبة الثورية لنشر مبادئ التنوير” التي تبنتها حينئذ الحضارة الأوروبية. ورافقت قوات نابليون آنذاك كتيبة من العلماء والمؤرخين والفنانين وعلماء الآثار الذين وُجهت إليهم تعليمات واضحة بجمع ثروات مصر القديمة للعرض والدراسة مرة أخرى في باريس، وكان هذا أيضا جزءا من أهداف الحملة.

وفي هذا الأسبوع، يُعيد التاريخ نفسه مرة أخرى بزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو زعيم فرنسي آخر ذو طموحات توسعية، إلى الخليج لافتتاح متحف اللوفر أبوظبي، حيث ستغادر عدة أعمال فنية شهيرة مواقعها التقليدية في فرنسا لتحل “ضيفة” على المتحف الجديد.

صرح مهيب

في حين اتخذ غزو نابليون لمصر طابعا عدائيا استند على القوة العسكرية الخشنة، ستكون زيارة ماكرون تمهيدا لفرض قوته الناعمة على المدى الطويل. ومع ذلك تشير زيارته إلى حقيقة واضحة ومباشرة؛ وهي أنه إذا أرادت بريطانيا أن تصبح لاعبا رئيسيا على الساحة الدولية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، فلعل من الواجب أيضا على فرنسا أن تفكر في تعزيز صورتها الثقافية الطموحة.

يقول تريسترام هانت، المحلل في صحيفة “الغارديان” البريطانية “ما بناه زعماء فرنسا والإمارات، متجسدا في هذا المتحف، هو شيء عظيم الجمال. فبوصولك إلى جزيرة السعديات، يمكنك التقاط أول لمحة لقبة المتحف الفضية، التي صممها المهندس المعماري الفرنسي جان نوفل، والتي تتوج بمظهرها المهيب أفق المتحف للناظر إليه من البحر والمناطق المحيطة به ومدينة أبوظبي بوجه عام”.

والسعديات هي جنة الثقافة في ذلك البلد الذي عرف أبناؤه كيف يختصرون المسافات بين الأشياء وأرقى معانيها. وجزيرة السعديات هي جزيرة طبيعية تبعد مسافة 500 متر عن ساحل أبوظبي وتبلغ مساحتها 27 كيلومترا مربعا.

من الجسر الذي يصل إليها من اليابسة يمكن للمرء أن يرى شيئا من معالمها المعمارية التي حرص الإماراتيون على أن تنافس بجاذبيتها مشاهد الطبيعة الساحرة، فاختاروا كبار المعماريين في العالم لتصميم تلك المباني التي تبدو اليوم بقيمتها الجمالية الحقيقية قطعا فنية رفيعة المستوى.

وكان التخطيط الحضري الخاص بتلك الجزيرة يهدف إلى مزج العمارة والثقافة والسياحة والتجارة بجمال الطبيعة الذي عومل باحترام وانضباط بما يقود إلى الحفاظ عليه وتطويره.

ومنارة السعديات، وهي المبنى الذي افتتح عام 2009، تستضيف كل سنة معرض أبوظبي للفن، وهو سوق تجارية تشارك فيها العشرات من الصالات.

وعلى النقيض من ناطحات السحاب القريبة، لا يظهر مبنى متحف اللوفر أبوظبي منمقا أو محاكيا لمبنى أو معلم ثقافي آخر. وتتزين قبة المبنى، التي يصل قطرها إلى 180 مترا، بالآلاف من النجوم المتلألئة التي تحول ضوء الشمس المنعكس عليها إلى شظايا من المطر.

وشيد متحف اللوفر أبوظبي ليكون أكثر من تطوير لفكرة المتحف التقليدية، فقد بُني ليصبح أكبر مأوى يضم عددا كبيرا من الفاعليات الثقافية تحت سقف واحد. وصُمم المتحف على شكل مدينة مصغرة تضم صالات عرض الأعمال الفنية والمقاهي ومراكز ثقافية وترفيهية للأطفال.

ويقول هانت “في وسط كل هذا تستطيع أن تستشعر النسيم البارد يتخلل المكان من جميع الجهات، مع قدرة على رؤية ماء الخليج الأزرق من حوله أينما ذهبت”.

وأضاف “أما السحر الحقيقي فيكمن فيما يُعرض داخل المتحف. فمن أبرز المعروضات التي سيشاهدها الجمهور؛ مجموعة من اللوحات البرتغالية التي ترجع إلى القرن السابع عشر، ومجموعة من تماثيل أفراس النهر المصرية القديمة، وخوذات وعمامات عثمانية تعود للقرن الخامس عشر، جنبا إلى جنب مع لوحات للفنان التشكيلي فان غوخ، وتماثيل منحوتة للفنانين أوغست رودين وجياكو ميتي”.

تريسترام هانت: هذا المتحف هو تطور يدل على صعود الأمة الإماراتية، وتحولها إلى لاعب جيوسياسي محوري

قوة ناعمة جديدة

أعلن مسؤولون عن المتحف في بيان أن الآثار التي ستُعرض في المتحف سوف تتم استعارتها من العديد من المتاحف الوطنية الرائدة في فرنسا. كما ستتم الاستعانة ببعض القطع الأثرية الأخرى والتحف أيضاً التي قام “صندوق أبوظبي للاستثمار” في الإمارات بشرائها في مزادات عالمية على مدار الـ15 عاما الماضية، مما يجعل المتحف لا يعكس صورة مصغرة من متحف لوفر باريس فقط، وإنما هو كيان مستقل بذاته تماما.

وباعتباره أول متحف عالمي يتم افتتاحه في العالم العربي، يطمح اللوفر أبوظبي إلى عرض “القصص الإنسانية والبشرية المشتركة عبر الحضارات والثقافات المختلفة”، ابتداء من المجوهرات وصولا إلى التماثيل، وخرائط القرون الوسطى ولوحات الألوان المائية، وصالات العرض. ويعكس كل هذا التجارب البشرية الواقعية المتمثلة في الحياة الأسرية، واللاهوت، والتجارة، والاستكشاف، والموت.

وخلافا للنظرة الأوروبية المألوفة لمثل هذه “الحضارات المشتركة”، أنتج المشروع استجابة عالمية حقيقية خالية من أي طابع غربي. وقال الكاتب والأكاديمي سلطان القاسمي “إن افتتاح متحف اللوفر أبوظبي سيشكل تحولا يشبه الزلزال في نظرة شبكة المتاحف العالمية للشرق”.

ويؤمن مدير متحف اللوفر في باريس جان لوك مارتينيز بأن هذا المتحف الجديد “سيساعدنا على تغيير المنظور. اضطررنا إلى رؤية العالم بشكل مختلف، من خلال التواجد الأميركي والأوروبي في الخارج حول محيط الثقافات العربية والمشارقية عموما، وليس في عمقها”.

وتعكس هذه التجربة الجديدة جمالا وسحرا فريدين؛ فعلى الرغم من أنها تحدث ضجة عالمية، إلا أنها تضم حصيلة غنية بالمعلومات من خلال القطع المعروضة التي تعود إلى الثقافات الصينية والمصرية والإيطالية. أما بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فمتحف اللوفر الجديد صفقة رابحة. فمن ناحية، باعتباره جزءا من استراتيجية تجارية لتقليص اعتماد الاقتصاد على عائدات النفط، ومن ناحية ثانية، لجذب السياحة الثقافية، إذ يقع المتحف مباشرة بالقرب من المنتجعات الشاطئية والفنادق الفخمة.

ويقول هانت “الأهم من كل ذلك هو أن هذا المتحف تطور يدل على صعود الأمة الإماراتية، وتحولها إلى لاعب جيوسياسي محوري”.

ولا يدور الأمر فقط حول المظهر الخارجي لشراكة تقودها الإمارات مع الغرب، وإنما أيضا حول الرسالة التي يقدمها مثل هذا النوع من العلاقات بين الإمارات وفرنسا من خلال تجربة التبادل الثقافي العالمي الذي يقع الخليج في قلبه. ويقول أحد الشيوخ في الإمارات “إن متحف اللوفر أبوظبي هو أداة للتعبير عما يمكن لدولة الإمارات أن تجلبه للعالم من حولها”.

علامة فارقة على التعاون الثقافي

دفعة جيوسياسية للإمارات

تعتبر خطوة تطوير المتاحف بداية لخطوة أوسع من أجل تصعيد وتطوير الخصائص الدبلوماسية للدول. فقبل عشرين عاما، أشار افتتاح متحف “غوغنهايم” بالولايات المتحدة إلى الدور الجديد المسند إلى المؤسسات الثقافية في تعزيز التجدد الحضري.

أما اليوم، فيأتي متحف اللوفر أبوظبي ليعمل على توسيع المهمة لتشمل بناء الأمة، إذ أن مؤسسات الفنون القائمة، مثل مؤسسة بومبيدو في باريس ومتحف غوغنهايم في نيويورك، تترك تأثيرا كبيرا على عاصمتها الثقافية لدعم الإدارات والحكومات ومساعدتها على توسيع قواها الناعمة.

ولا يمكن اكتشاف هذه الفائدة من مجرد محاكاة نموذج غربي وتطبيقه على أرض الواقع فقط، وإنما من خلال عقد شراكة مفادها التعلم المشترك والتبادل الثقافي.

وبتطبيق هذا على ما يحدث في دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن هذا التمدد الرائع للبراعة الثقافية الفرنسية يحدث في منطقة الخليج العربي، التي تربطها علاقات قوية ببريطانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر.

ويقول مفكرون كثر إن القوة الناعمة يجب أن تستقل بنفسها عن نفوذ الدولة. وتحقيقاً لهذه النظرية، اعتمدت قوة الانتشار التي حققتها هوليوود وهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” على استقلاليتهما الكاملة عن واشنطن ووستمنستر، إلا أن متحف االوفر أبوظبي مازال في حاجة، على الأقل الآن، إلى المزيد من الدعم الاستراتيجي من قبل الدولة.

وتعتبر الصناعات الإبداعية البريطانية نموذجا يتم تصديره للعالم الخارجي، بدءا من هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” إلى سلسلة أفلام “هاري بوتر” ومسلسل “داونتون آبي” والمطرب هاري ستايلز.

وخلال الأسبوع المقبل، سيكشف المتحف البريطاني عن شراكة جديدة تم عقدها مع كبار المتاحف في مومباي لعرض واستكشاف الثقافة الدينية الهندية. وفي متحف “فيكتوريا وألبرت” شهد نحو 1.8 مليون شخص معرض “ديفيد بوي إز”، وفي ديسمبر من هذا العام سيتم افتتاح معرض جديد في مدينة “شينزين” بالصين لعرض مخزون من التصاميم والابتكارات البريطانية على ضفاف دلتا نهر اللؤلؤة.

ودعمت الحكومة البريطانية هذه البرامج من خلال رسم خطط تنفيذ مخففة للضرائب، اعتمادا على ميزانيات هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” والمجلس البريطاني ومجلس الفنون البريطاني، لإثبات تحد حقيقي للحفاظ على النفوذ.

وأطلقت الصحافة الفرنسية الراعية لمبادرة متحف اللوفر أبوظبي عليه اسم “لوفر الصحراء”. ويقول هانت “لكني مازلت أعتقد، على حد قول آيرس مردوخ، أن أي شيء من الممكن أن يغير من الوعي والإدراك في اتجاه اللا أنانية والموضوعية والواقعية هو عمل عظيم. ففي النهاية يهدف هذا العمل الفني الرائع إلى قلب نظريات نابليون رأسا على عقب”.

وإقامة اللوفر على جزيرة السعديات هي إشارة إلى نبذ الاستعمار البونابارتي ونظرية الاستيلاء التي كان يمارسها الاحتلال الغربي في المنطقة. وفي نفس الوقت هي إشارة إلى وضع نهاية للتفكير الاستشراقي وهذه النظرة القاصرة للشرق الأوسط.

12