اللون الوحيد الداكن وراء الألوان البراقة في قصائد الشاعر

الاثنين 2014/12/29
نضال كرم: أحاول التصدي لما هو رائج في مجتمع يعلن عكس ما يضمر

نضال كرم، كاتب وشاعر سوري، كتب العديد من المجموعات القصصية والشعرية قبل أن يقرر أخيرا أن يخوض غمار الرواية في أحدث أعماله “ستريتش”، الصادرة عن دار ليليت في مصر مؤخرا، والتي رشحتها الدار لنيل جائزة البوكر لعام 2015.

في مجال الشعر، يكتب كرم قصيدة النثر بشكل رئيسي ويعيرها جل اهتمامه، وله عدد من الأعمال البارزة على رأسها ديوانه “بعض الظن أنت”، و”حلم في ارتباك الروح”، كما كتب عددا من المجموعات القصصية من أبرزها “لم أكن يوما أنا”، فضلا عن المقالات في السياسة والشأن العام، “العرب” كان لها معه هذا الحوار.

في روايته الأولى “ستريتش” يخوض كرم عوالم المثلية الجنسية هادفا الكشف عما هو مسكوت عنه في العالم العربي، وتعرية عيوبه وخطاياه، وعن السبب وراء اقتحامه هذا العالم.

يقول كرم: «الرغبة في اقتحام عالم غريب وخطير، وخطورته تتجاوز حدود من ينتمي إليه، لتعمّ وتنتشر مهدّدة بنية المجتمع وعلاقات أفراده، استفزّني الموضوع فأردت أن أواجهَ المجتمع به لأحرّضه على المعالجة، واضعا أمامه مرآة مصقولة يحاول الكثيرون من أبناء المجتمع تفادي النظر فيها، كاشفا تعمّده الموتور في تورية أخطائه، حاولت التصدّي لما هو رائج في مجتمع يعلن عكس ما يضمر، ويسلك سرّا نقيض ما يظهر».


الرواية والشعر


يستطرد:«أردت تصوير واقع المثلية الجنسية دونما تزويق لما برع السوادالأعظم من البشر في إخفائه عن قصد، تَحصّنا من ويلات كثيرة تتهدّدهم وهربا من مآل أسود ينتظرهم، إن حدث وانكشف أمرهم في مجتمعات تدّعي غالبا الحرص على منظومة الأخلاق وتمسّكها بها، لأؤكّد أن وراء الألوان البرّاقة لون وحيد داكن، إن استمرّ تهدّم المجتمع وانهار».

ويقول:«أدرك أنها ليست المشكلة الوحيدة التي يعاني منها المجتمعالعربي، لكنها في ذات الوقت آخذة في الاتساع والانتشار، وتعطي دلالات عميقة على تحوّل المجتمع نحو الأسوإ».

وعن أقرب فنون الكتابة إلى قلبه، خاصة مع ولوجه لها جميعا، يؤكد كرم أن لكل جنس أدبي ألقه وهواجسه ومقولته الخاصة به، لكن بعد أن اتجه إلى كتابة الرواية مؤخرا اكتشف أنها أكثر الأجناس الأدبية قدرة على الإحاطة بكل ما يعتمل بداخله من مشاعر وأحاسيس وأفكار، وأن يضمّنها كل ما هو ممتع ومفيد، ولم تخلُ روايته الأولى من النفس الشعري الذي رافق ما تدفّق من سرد روائي.

قصيدة النثر أثبتت قدرتها على تقديم القيمة الجمالية والفنية المطلوب تحقيقها في الشعر بعيدا عن رتابة التقليدي

مشيرا إلى أنه فعل خيرا حين ولج عالم الرواية في هذا الوقت بالذات، بعد تجربته الشعرية التي لن تتوقف أبدا. ويوضح أن اتجاهه إلى كتابة الرواية جاء بسبب رحابة واتساع عالم الرواية التي يستطيع من خلالها أن يقول ما يريد قوله في الحياة والإنسان.

فالرواية تحتمل نَزقه في الكتابة، ويحرّك من خلالها الراكد بحرية أكبر، فهدفه هو الإمتاع والإفادة، كما أن القصة رافقته مُذْ كان صغيرا، ولكن لم يكن لديه النفس الطويل في الكتابة، حيث كان ينجز القصة في جلسة واحدة، لافتقاده الصبر على تَحمّل وجود الفكرة في رأسه طويلا.

لكن مع تطوّر تجربته في الكتابة والحياة، صار أكثر رأفة واستيعابا للأفكار المتوالدة تباعا، يصونها ويثبّتها لئلا تضيع في مهبّ النسيان، ومن هنا وجد أن الرواية أكثر قدرة على أن تحقق له ما يريد ضمن مشروعه الكتابي.

وعن السبب وراء اهتمامه بكتابة قصيدة النثر في دواوينه الشعرية يقول كرم:«لا يعنيني أي لغط حدث أو سيحدث إذا ما أتيتُ أو أتى غيري بشكلمختلف للشعر، من أثار الأوساط الأدبية بذاك اللغط سابقا لم يحقق النجاح، فقد أثبتت قصيدة النثر قدرتها على تقديم القيمة الجمالية والفنية المطلوب تحقيقها في الشعر، وفق تقنية حافظت على بنية القصيدة وأخرجتها من رتابة التقليدي، لاشك أن الحياة برمّتها تتطور، ومن الطبيعي أن تتطور أدوات التعبير في الشعر بقوالبها وأوعيتها».

ويضيف:«الأهم هنا هو المحافظة على شعرية النص، وما يمكن أن يحقّقهمن الدهشة، وما يثيره من الأسئلة التي يحرّض عليها، والرؤى التي يقدّمها والفرادة التي يأتي بها، كما أرى أن من أهمّ شروط الكتابة الشعرية عدم الاستسهال والادّعاء، وصون الكلمة من الادّعاء يتحقّق بالابتعاد عن الفذلكة والشطط، واشتغال الشاعر في اقتفاء أثر التركيب اللفظي الدالّ على شعرية نابضة وتلقائية خصبة، إنّ الصدق هو الطريق الأول والأخير لتحقيق الهدف من النص الشعري، ومَن يعي دور الشعر في الحياة يجب ألا يفكّر بأن يقف حجر عثرة أمام تطوّره، لأنه سيكون الخاسر الوحيد».

الرواية تخوض عوالم المثلية الجنسية بهدف الكشف عما هو مسكوت عنه في العالم العربي

ويستطرد كرم: «أنحاز إلى قصيدة النثر لأنني أجد فيها ضالّتي من غير قيود أو شروط باستثناء ما ذكرته، رغم أنني نظمت الشعر الموزون، وقد أصدرت خلال عام 2010 مجموعة شعرية بعنوان “حلم في ارتباك الروح”، كانت جميع قصائدها موزونة وفق بحور الشعر وكان الهدف هو خوض هذه التجربة، واهتمامي بكتابة قصيدة النثر لا يخرج في المطلق عما أوردته آنفا».


قلب الطاولة


وعن رؤيته للوضع الثقافي السوري في الوقت الراهن يتحدث كرم قائلا: «رغم كل المعوقات التي نواجهها في سوريا في ظل الحرب التي تتعرّض لها، إلا أننا نسعى جاهدين إلى أن نؤكد أننا أبناء الحياة، لن يهزمنا الموت، ولن تثنينا الحرب عن تقديم كل ما من شأنه إعلاء صوتنا وإثبات وجودنا، وفاعلية كلمتنا، لأنها كلمة حق يراد بها الحق، ويجب علينا كسوريين أن نقف أمام العالم أجمع لنقول في سوريا ما تستحق ونردّ لها المعروف، لقد كانت ولا تزال أرض الحضارة والأبجدية الأولى، وقد أنجبت هذه الأرض الكثير والكثير من الأسماء لشخصيات تركت بصمات ثابتة في كل الميادين حتى وقتنا الحاضر، وسيستمرّ الحراك الثقافي دونما توقّف، وستلد سوريا المزيد من أعلام الثقافة والآداب والفنون».

ويشير كرم في حديثه إلى أن المثقف في الفترة الأخيرة يبدو تائها بين ما هو مطالَب به، وبين الذي بإمكانه أن يضطلع به انطلاقا من انتمائه المفترض إلى النخبة، أي بين النظرية والتطبيق، هو واقع بين فكّي كماشة فكره والمحيط، بين أناهُ والكون، يضاف إلى ذلك ما يشغله ليؤمّن سبل استمراره في الحياة كأيّ إنسان.

ويضيف قوله: «المثقف السوري بشكل خاص مسؤوليته كبيرة، فما يقع على عاتقه كثير وكبير، في طريقة تعامله مع الظروف الحالية، وعدم التقوقع والاستكانة، وهذا ما أشرت إليه منذ قليل، إذ تبدو الحركة الثقافية نشيطة، ولكن ما هو منتظر منها أن توجِد صيغة جديدة تقلب الطاولة على التقليدي والمعتاد في الثقافة والأدب، وأن تخلق لغة جديدة تتناسب مع المتغيرات الجديدة، أكاد أرى أنّ ما تتعرّض له البلاد في المجمل يعمل بشكل غير مباشر على تحريض كل من له صلة بالثقافة، ليولد من جديد وليحدث تغييرا فاعلا ومؤثرا في الخطاب والحراك الثقافيين، إن كان مسؤولا في المؤسسات الثقافية أم كان فردا له مشروعه الذاتي. يبدو لي أن ثمة تطوّرا سيحدث في المستقبل القريب صنّاعه المثقفون».

15