الليبيون في طرابلس يهجرون منازلهم إلى المجهول

مساعدات شحيحة للمدنيين في ظل غياب المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني.
الخميس 2019/04/18
وضع نفسي صعب

يدفع المدنيون دائما ثمن الخلافات السياسية حين تحتد وتتحول إلى معارك ضارية، فيتركون منازلهم بحثا عن بعض الأمان في مناطق أخرى، لكنهم يواجهون صعوبات خلال بحثهم عن الاستقرار وتأمين مرافق الحياة الضرورية كالسكن والطعام والأدوية، وهو ما يحصل هذه الأيام لسكان العاصمة طرابلس الذين يفرون من حي إبلا داخل العاصمة هربا من لظى الرصاص.

طرابلس – في حديقة صغيرة داخل مقر بلدية عين زارة بجنوب العاصمة الليبية، يلعب محمود البالغ من العمر 12 عاما مع أصدقائه الجدد الذين نزحوا مثله قسرا هربا من المعارك العنيفة بين قوات حكومة الوفاق وقوات المشير خليفة حفتر.

خرج محمود مع والديه من أحد مواقع الاشتباكات بمنطقة الكحيلي التي تعد أحد أشرس خطوط القتال الذي اندلع منذ 4 أبريل في مناطق جنوب طرابلس.

ينتظر النازحون من نساء وأطفال وشيوخ في طوابير طويلة دورهم للحصول على مخصصات غذائية توزعها عليهم بلدية عين زارة لدعمهم وتخفيف الأعباء المادية التي وقعت على كاهلهم. حجم المعاناة والحسرة يظهر على وجوههم، وبعض النساء يبكين فقدان عزيز أو قريب في هذه الحرب.

الأطفال الذين يتعرضون لمشاكل وصدمات يحتاجون إلى متخصصين في الدعم النفسي لمتابعة حالاتهم

تقول فاطمة النعمي (49 عاما)، “فقدت ابني الوحيد بعدما تعرض منزلي للقصف، أصيب ابني بشظايا وأدخل المستشفى وفارق الحياة بعد يومين”. وتضيف وهي تجهش بالبكاء “أنا عاجزة تماما وحدي، ابني فارق الحياة بسبب الحرب القذرة وقبله توفي زوجي نتيجة المرض”، “الآن أنا امرأة وحيدة تعيسة تنتظر دورها للحصول على كيس من المواد الغذائية، حقيقة أنا إنسان ميت يقف على قدمين”.

من جهته يروي عبدالسلام معاناة النزوح وما سببته لأسرته، وقد بدت عليه الحسرة وهو يقف في طابور طويل في انتظار دوره للحصول على مساعدات غذائية.

يقول “لقد خرجت أنا وزوجتي وابني محمد من منزلنا قبل أسبوع، بعدما اشتدت حدة الاشتباكات التي لم نتمكن فيها من النوم لأيام، ما جعل حالتنا النفسية متدهورة”.

ويضيف “جئنا إلى هنا، إلى القسم الداخلي، ومنُحنا غرفة خاصة لا تفي بالغرض لكنها هدية عظيمة في هذه الأوقات العصيبة (…)، بعض العائلات التي تتكون من 7 أفراد اضطرت إلى السكن مؤقتا في غرفة واحدة، لذلك (يُعتبر) وضعنا أفضل مقارنة بوضعها”.

Thumbnail

عين زارة واحدة من أكثر المناطق كثافة سكّانية وتقع جنوب طرابلس. وتعد من أكثر المناطق التي سجلت فيها حركة نزوح، حيث خرج منها أكثر من 7 آلاف نازح.

وقامت بلديتها بإنشاء مخزن للغذاء والدواء داخل مقرها لتوزيع المخزون على النازحين، حيث تقوم لجنة الأزمة بجمع العشرات من الأطنان يوميا.

وأوضح عبدالواحد بلوق عميد بلدية عين زارة قائلا “نجمع الإعانات، وفتحنا المبنى الجامعي لتقديم الخدمات للنازحين، كما نقوم بتقديم سلال غذائية لأكثر من 1500 عائلة”.

وقامت البلدية بتخصيص مبنى الإقامة الجامعية لإيواء نحو 500 شخص، وهو الحد الأقصى الذي يمكن استقباله داخله. واشتكى عميد البلدية من غياب تام لدعم المنظمات الدولية والمحلية بالتخفيف عن النازحين.

وقال في هذا الصدد “المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني لم تقدم أي مساعدات، فقط رجال الأعمال والتجار هم الذين ساندوا النازحين”، متسائلا “هل من المعقول أن تأتي منظمة دولية وتوزع 10 أفرشة وبضعة مستلزمات وتعلن دعمنا؟”.

وأكد بلوق عدم حصول بلديته على أي مخصصات مالية، مشيرا إلى أن كل الأعمال التي تديرها لجنة الأزمة هي تطوع من رجال الخير والأعمال. بدورها أكدت انتصار القليب، عضوة لجنة الأزمة في البلدية، أن الأعمال التي تقدم للنازحين “إنسانية وليست لها علاقة بالشأن السياسي”.

وأضافت قليب “هناك أطفال تعرضوا لمشاكل وصدمات، نحتاج إلى متخصصين في الدعم النفسي لمتابعة حالاتهم”.

وحول المخاوف من انتقال المعارك إلى مواقع إيواء النازحين، أجابت “قمنا بوضع خطط طوارئ لإجلاء النازحين في حال حدوث أمر يستدعي ذلك” مضيفة “حاليا كل الأمور تسير بشكل ممتاز، على الرغم من غياب الدعم الدولي والحكومي لهذه المتطلبات الإنسانية المتزايدة”.

وقال عميد بلدية سوق الجمعة بطرابلس هشام بن يوسف عن عدد النازحين الإجمالي إن “عدد النازحين مرشّح للزيادة بسبب استمرار الاشتباكات والنزوح تبعاً لذلك”، مشيراً إلى أن أغلب النازحين موجودون في بلديات طرابلس الكُبرى.

قرب مصنع مغلق في طرابلس تكتظ غرف، كان يستخدمها العمال، بالرجال والنساء والأطفال الذين نزحوا بسبب الصراع. ولم يتمكن كثيرون من مغادرة الأحياء الجنوبية في طرابلس، وقالت معلمة في طرابلس كانت تأمل في الخروج من المدينة “لا يهمني من يفوز أو يخسر، أنا وأفراد عائلتي نريد النجاة فقط”.

ومن بين الفارين علي البالغ من العمر 19 عاما والذي هرب مع أسرته ويعيش الآن في كوخ كان مبنيا للرجال الذين يعملون في المصنع المهجور .  وقال علي “تم إخراجنا من المنزل بعد ثلاثة أيام من الاشتباكات. هذا السروال القصير الذي أرتديه الآن هو كل ما أملك”. ويؤوي المخيم 47 عائلة، حيث يعيش ما يصل إلى ستة أفراد في غرفة واحدة صغيرة.  ويصل المزيد من الأسر، حيث يصطف البعض في مكتب hgبلدية  للتحدث إلى المسؤولين الذين يجدون صعوبة في العثور على أماكن في المدارس أو غرف وأكواخ العمال.

ويقول عضو بلدية تاجوراء ورئيس لجنة الأزمة في البلدية عبدالفتاح عثمان إن الدولة لم تقدم مساعدة تذكر لدعم النازحين. ويضيف عبدالفتاح عثمان “بعض العائلات ورجال الأعمال عرضوا تقديم الدعم، ولكن في ظل هذه الظروف لن نكون قادرين على المساعدة”.

20