الليبيون يتطلعون للاحتفال بالذكرى 68 للاستقلال في ميدان طرابلس

بوادر الحسم ظهرت مع وصول قوات الجيش إلى مشارف بوسليم، الحي الشعبي الأكبر بالعاصمة والمتاخم لباب العزيزية، حيث كان مقر القيادة السياسية السابق.
الجمعة 2019/11/22
الحسم اقترب

اقتربت ساعة الحسم، لم يعد هناك الكثير أمام موعد التحرير، هكذا يتحدث قادة الجيش الوطني الليبي بكل ثقة، الذكرى الثامنة والستون للاستقلال سنحتفل بها في طرابلس، وستكون مناسبة لتجميع الليبيين وتأكيد سيادة الدولة ووحدة المجتمع والمصالحة الوطنية التي تشمل الجميع باستثناء سافكي دماء الأبرياء من الإرهابيين وأمراء الحرب، ودواعش المال العام، والمتآمرين على الأمن القومي للبلاد.

بوادر الحسم ظهرت مع وصول قوات الجيش إلى مشارف بوسليم، الحي الشعبي الأكبر بالعاصمة والمتاخم لباب العزيزية، حيث كان مقر القيادة السياسية السابق. السيطرة على محور الخلاطات ومنطقة الروابش فتحت الطريق نحو قلب طرابلس. وأعطت هذه التحركات دفعة أمل لدى السكان المحليين الذين ينتظرون لحظة دخول قواتهم المسلحة إلى العاصمة لتنهي سنوات من حكم الميليشيات الذي مارس كل أنواع التنكيل بالمواطنين وأشكال التلاعب بمؤسسات الدولة.

يمتاز حي بوسليم بأهمية استراتيجية باعتباره بوابة لوسط طرابلس، وبأهمية اجتماعية كونه يضمّ سكّانا من مختلف قبائل ليبيا الداعمة للقوات المسلحة. وكان له تاريخ بارز في التصادم مع الميليشيات منذ عام 2011، وهو اليوم ينتظر لحظة دخول الجيش للإطباق على مسلحي الميليشيات. بدأت تلك اللحظة تقترب في ظل وصول تعزيزات ضخمة تعتمد بالأساس على القوات الخاصة التي ستنفذ عملياتها بكل دقة من خلال عمليات الإنزال على مواقع يعتقد أمراء الحرب أنها محصنة.

تعمل غرفة العمليات العسكرية حاليا على ربط المحاور المختلفة للقتال وإحكام السيطرة على مداخل العاصمة وخلق طوق متكامل يكبر مع كل تقدم للقوات المسلحة لمنع الميليشيات من القيام بأي عمليات عسكرية والقضاء على مقاومتها، وفق تصريحات للعميد خالد المحجوب المتحدث الرسمي باسم غرفة عمليات الكرامة.

دخلت المروحيات ساحة القتال لأول مرة، مهمتها ملاحقة التجمعات الإرهابية لفتح الطريق أمام القوات البرية. وقال اللواء أحمد المسماري، الناطق باسم القيادة العامة للجيش الوطني، إن سلاح الجو بدأ في إشراك الطيران العمودي في العمليات العسكرية في معارك طرابلس.

وأضاف أن طائرات سرب “الشهيد مؤمن الدّرسي” نفذّت بشكل مكثف عدة ضربات قوية ضمن العمليات العسكرية للجيش الوطني، على أن يكثّف الطيران العمودي من عملياته خلال الأيام القادمة في محاور طرابلس. واعتبر المسماري، أن دخول السرب العمودي في المعركة إشارة إلى قرب الحسم.

تشير الدراسات الاستراتيجية إلى أن من وظائف الطيران العمودي تحريك القوات والمعدات جوا إلى المناطق الحرجة بسرعة فائقة، متجاوزة العوائق الطبيعية والصناعية الصعبة، التي عادة ما تشكّل صعوبة لتحريك القوات برا إلى أهدافها.

ولإيضاح ذلك على سبيل المثال، تحتاج حضيرة المشاة الراجلة إلى ست ساعات تقريبا لقطع مسافة 30 كم، فإذا كانت محمولة على ناقلة جنود مدرعة، فإنها تقطع المسافة نفسها في ساعتين، في حين لو تم نقلها بطائرة عمودية لما استغرقت لقطع هذه المسافة سوى من (10 إلى 15) دقيقة.

وبالتالي يمكن القول إن القائد يستطيع الاستجابة الفورية للمواقف الطارئة بسرعة أكبر إذا توفّرت له طائرات عمودية لتحريك قواته. وأثبتت الشواهد التاريخية أن باستطاعة وحدة مشاة قليلة العدد، ولكنها مدربة على التحرّك والقتال بالطائرات العمودية، التأثير على سير المعركة، وذلك بالمناورة من أحد الأجناب أو عبر الحافة الأمامية، للقيام بحركة حجز لعناصر العدو الأمامية المتقدمة، أو لضرب أحد أجنابه، أو احتلال منطقة حيوية لتكون رأس جسر، تمهيدا للالتقاء بقوة صديقة أكبر، أو إرباك تحرّك العدو بضرب مؤخرته أو قواته الاحتياطية. وبعد إنزال الطائرات العمودية لهذه القوة، تستمر في تعزيزها بالنيران وإدامة عملياتها بالإمدادات حتى انتهاء مهمتها.

ويرى المراقبون أن دخول المروحيات ساحات القتال في طرابلس يعني أن الخطة العسكرية للاقتحام دخلت حيز التنفيذ، وأن الأيام القادمة ستعرف المنعطف الأهم في عملية طوفان الكرامة التي أطلقها الجيش الوطني في الرابع من أبريل الماضي، بعد أن تم استنزاف الجانب الأكبر من قوة الميليشيات وتكبيدها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وقطع أغلب طرق الإمداد عنها، ودخول عدد من أمراء الحرب في مفاوضات سرية مع قيادة الجيش بهدف التوصل إلى الحصول على منافذ للفرار إلى الخارج صحبة عائلاتهم.

عرف الجانب المعنوي للميليشيات حالة من الانهيار. هناك شعور لدى المتمردين بأنهم دخلوا طوق الهزيمة. البعض أدرك أن خيانات تعصف بقواتهم من الداخل. ولم تعد لديه ثقة في المجلس الرئاسي الذي يبحث عن حل من تحت الطاولة مع قيادة الجيش، ولا في جماعة الإخوان التي طالما أكدت لبعض الوسطاء الغربيين أنها لم تعد ترى مانعا من بسط القوات المسلحة نفوذها على العاصمة مقابل حمايتهم من الغضب الشعبي وضمان دور مستقبلي لها في إدارة شؤون البلاد. لكنها لا تزال تصطدم بالرفض الحاسم لذلك الدور من قبل مجلس النواب والقيادة العامة.

ساهم سلاح الجو بدور كبير في ضرب معنويات عناصر الميليشيات التي تأثرت أيضا بالضربات التي استهدفت عددا كبيرا من المدرعات التركية في مخازن سرية بين الأحياء الآهلة بالسكان داخل مصراتة.

وأكدت هذه الضربات أن الجيش نجح في اختراق جميع حصون المتمردين. وأنه لم يكتف بالسيطرة على الأجواء، وإنما لديه عيون على الأرض كذلك ترقب كل الدقائق المتعلقة بتهريب السلاح والذخيرة وتخزينهما ونقلهما إلى المحاور، وبتحرك الأرتال وتجمعات المتمردين. وما زاد من مخاوف الميليشيات ومن يقف وراءها أن يكون الجيش محتكما على قنوات تمده بصور تلتقطها أقمار صناعية.

لا مجال لبقاء تحكم الميليشيات بالعاصمة الليبية
لا مجال لبقاء تحكم الميليشيات بالعاصمة الليبية

ما يزعج حكومة الوفاق وميليشياتها كذلك هو أن الجيش يبدو أنه حصل على ضوء أخضر دولي  لإتمام مهمة دخول طرابلس.

وتقول مصادر من وزارة خارجية الوفاق، إن “كل ما يقال علنا من بعض القوى الإقليمية والدولية عن ضرورة وقف العمليات العسكرية ليس سوى ذرّ للرماد على العيون. ما يدور في الخفاء مختلف تماما، فأغلب الدول ترى أن لا حل في ليبيا إلا بسيطرة الجيش، واستعادة الدولة لمؤسساتها الرسمية الأمنية والعسكرية”.

وتضيف المصادر، “حتى الأميركيين لا يريدون تكرار السيناريو العراقي أو الأفغاني أو الصومالي، والرئيس دونالد ترامب يطمح إلى أن يقوم الجيش الليبي بدور حاسم في تهيئة ليبيا أمنيا لعملية سياسية ناجحة”.

والأربعاء الماضي، أكدت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية أنه لا مجال لنجاح أي عملية سياسية ما لم يتم القضاء على المجموعات الإرهابية وتفكيك الميليشيات ونزع سلاحها. وأضافت أن المجموعات الإرهابية والميليشيات يشكلان عائقا أمام قيام الدولة والحل السياسي وإيجاد سلطة في طرابلس تمتلك إرادة سياسية لها أرضية دستورية.

وأشارت القيادة العامة إلى أن وزير داخلية حكومة الوفاق فتحي باشاغا أقر في تصريحات تلفزيونية مؤخرا أن الميليشيات تحولت إلى مافيا، وأنها منعتهم من إقامة الدولة وهي السبب في قدوم قوات الجيش الوطني لطرابلس. وفي ذلك إقرار من سلطات طرابلس بمشروعية العملية العسكرية التي تقودها القيادة العامة لتفكيك هذه الميليشيات والقضاء على الإرهاب.

في مكتب المشير خليفة حفتر بضاحية الرجمة في بنغازي، تعقد لقاءات يومية لوضع اللمسات الأخيرة على خطة إدارة العاصمة بعد تحريرها. لا شيء متروك للارتجال. وكبرى الكفاءات من مختلف الجهات والمدارس والأجيال تنتظر لحظة تحرير العاصمة. وكل مصالح مجلس النواب والحكومة المؤقتة تعمل في ذات الاتجاه الداعم. والمفاوضات لاختيار سلطة التكنوقراط التي ستتولى السلطة المدنية تجري على قدم وساق.

أما حكومة الوفاق، فلم تعد قادرة على إقناع أي طرف إقليمي أو دولي بالفصل بين الميليشيات والإرهاب، ولا بأنها ستفلح في تحقيق ما فشلت في تحقيقه منذ توقيع اتفاق الصخيرات قبل أربع سنوات.

التبرؤ من التحالف مع الإرهاب والحديث عن مرتزقة روس أو عن دعم سوداني لم يثمرا شيئا. التلاعب بالمفردات والمصطلحات وزعم الدفاع عن مدنية الدولية في وجه مشروع لعسكرتها لم يفضيا إلى نتيجة. الوعود الباذخة بالاستثمارات والصفقات النفطية والأخرى المتعلقة بإعادة الأعمار، لم تجلب تعاطفا مع الرئاسي وحكومته.

اليوم هناك حقيقة على الأرض هي التي يعترف بها العالم، وهي وجود جيش وطني على مشارف العاصمة يستعد لاقتحامها، بدعم شعبي يتطلع إلى احتفال خاص بعيد الاستقلال في 24 ديسمبر القادم في الساحة الكبرى التي ستجمع الليبيين على وطن واحد في ظل مصالحة وطنية تأذن بمرحلة جديدة من البناء والازدهار.

6