الليبيون يواصلون انتظار آثار الإصلاحات الاقتصادية

تزايد معدلات الفقر في ظل استمرار ارتفاع الأسعار، وحكومة طرابلس تحاول محاربة السوق السوداء للعملة.
الخميس 2018/12/06
خارج متناول معظم الليبيين

تواجه الطبقة المتوسطة في ليبيا التي كانت ميسورة من قبل، تدهورا متسارعا في مستوى معيشتها بسبب ارتفاع معدل التضخم وخفض قيمة الدينار خلال سنوات الصراع في بلد كان في ما مضى أحد أغنى البلدان العربية.

طرابلس - يبدو الموظف الحكومي الليبي المتقاعد ميلود فرحات، حزينا بعد تجواله على مدى شهر في سوق الذهب في طرابلس، دون أن يتمكّن من العثور على مصوغات ذهبية يستطيع دفع ثمنها ليهديها إلى ابنته بمناسبة زفافها.

وعلى عكس فرحات، تبدّل حال أعضاء الجماعات المسلحة، التي يجوب قادتها شوارع طرابلس على متن سيارات فاخرة، والذين أصبحوا أثرياء بإرغامهم السلطات على توظيفهم ومنحهم الدولارات بسعر رخيص ليقوموا بتغييرها في السوق السوداء ويكسبون من فارق الأسعار.

ولمواجهة مظاهر “اقتصاد الحرب” قامت حكومة طرابلس المعترف بها دوليا بخفض السعر الرسمي لصرف الدينار إلى 3.9 دينار للدولار من 1.3 دينار. وأدى ذلك إلى تراجع سعر صرف الدولار في السوق السوداء من 6 دنانير إلى 5.2 دينار ليبي، وهو ما يقول متسوقون وتجار إنه أدى لانخفاض طفيف في أسعار المواد الغذائية وغيرها، والتي يتم استيراد كثير منها.

لكن فرحات، الذي يتقاضى معاشا قدره 400 دينار شهريا، يقول إن ذلك لم يُحدث فرقا يُذكر. ويتعرّض فرحات لضغوط، حيث أوشك حفل زفاف ابنته الصغرى، وتقديم هدية من الحُلي للعروس أمر ضروري في ليبيا.

أحمد معيتيق: الإصلاحات الاقتصادية ستساعد في إنهاء أزمة السيولة بحلول 2019
أحمد معيتيق: الإصلاحات الاقتصادية ستساعد في إنهاء أزمة السيولة بحلول 2019

ويضيف أنه ينتظر ملاحظة نزول في أسعار الذهب بعد مرور شهر خفض السعر الرسمي للدينار مقابل الدولار، وهو يؤكد أن المواطنين العاديين هم فقط من يعانون.

وتراجعت أسعار الذهب قليلا إلى نحو 180 دينارا (46 دولارا) للأوقية منذ خفض قيمة العملة، لكن السعر لا يزال أعلى بثلاثة أضعاف ما كان عليه في 2014 حينما بدأ الدينار بالانحدار بسبب تقلّب عائدات النفط التي تمثّل شريان الحياة لليبيا.

وقال عبدالحميد الزاوي، وهو تاجر ذهب كان يقف أمام متجره الخالي من الزبائن إن سوق الذهب ضعيفة جدا، وإن معظم من يأتون يسألون فقط عن الأسعار “يعني تقدر 75 بالمئة مجرد أسئلة فقط، كم السعر كم كذا”.

وتعرّضت السياسات الاقتصادية في ليبيا لتشوّه كبير بسبب الصراع بين الحكومة في طرابلس وأخرى موازية في الشرق أنشأت مصرفا مركزيا خاصا بها في أعقاب الانتفاضة التي أطاحت بالزعيم معمر القذافي في عام 2011.

وتتوقع المؤسسة الوطنية للنفط، ومقرّها طرابلس، أن تبلغ إيرادات مبيعات النفط الخام والمنتجات النفطية 23.7 مليار دولار في العام الحالي بزيادة 73 بالمئة عن العام الماضي.

لكن يندر إيداع الأموال في البنوك. فالأغنياء يحتفظون بالنقود في منازلهم، لأنهم لا يثقون في البنوك أو يديرون سوقا سوداء.

ومن أجل تقويض تجار الشوارع الذين يعملون على مقربة من البنك المركزي، فرضت حكومة طرابلس في سبتمبر الماضي رسوما قدرها 183 بالمئة على الصفقات التجارية بالعملة الصعبة، محركة سعر الصرف إلى 3.9 دينار للدولار.

كما ألغت القيود المفروضة على خطابات الائتمان للاستيراد، وهو ما قال نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا أحمد معيتيق إنه سيساعد في إنهاء أزمة السيولة بحلول أوائل العام المقبل. لكن الأموال لا تزال تتدفق على نخبة قليلة تتمتع بعلاقات جيدة، تبسط سيطرتها على أنشطة الأعمال وإيرادات النفط. ففي الأحياء الراقية في طرابلس، تبيع المتاجر الفاخرة ملابس ذات علامات تجارية عالمية، وتفتح مطاعم ومقاه جديدة أبوابها.

علاء الدين المسلاتي: العمليات غير القانونية لا تزال ممكنة بسبب ضعف القدرة على تنفيذ القانون
علاء الدين المسلاتي: العمليات غير القانونية لا تزال ممكنة بسبب ضعف القدرة على تنفيذ القانون

لكن في أرجاء أخرى من العاصمة، تتناثر مشروعات البناء التي توقفت منذ عام 2011، وتتكدس القمامة التي لا تجد من يجمعها. ولا يزال الكثيرون يصطفون أمام البنوك أملا في الحصول على رواتبهم، لكنهم لا يستطيعون سحب مبالغ كبيرة من الأموال.

وشكا ليبي متقاعد آخر يدعى مهدي علي محفوظ من أنه لا يحصل أحيانا سوى على 150 دينار من البنك، وتساءل عمّا يمكنه أن يفعل بهذا المبلغ.

وسمحت السلطات للمواطنين أيضا بجلب ما يصل إلى 10 آلاف دولار من الخارج ببطاقات الائتمان، وهو ما قال معيتيق إنه يخفض سعر الصرف في السوق السوداء.

لكن محفوظ قال إن هذا الإجراء يفيد الأغنياء. وأضاف “هل المواطنون العاديون لديهم 40 ألف دينار في حساباتهم؟ لا”، في إشارة إلى المبلغ المطلوب للحصول على الحد الأقصى المسموح به من الدولارات.

وبعد سلسلة مداهمات أمنية للسوق السوداء منذ سبتمبر، انتقل التجار، الذين كانوا يوفرون للعملاء أكياسا بلاستيكية سوداء لنقل الدولارات وعربات تدفع باليد لحمل أكوام أكبر من الدينار الليبي منخفض القيمة، إلى أماكن يصعب الوصول إليها في المدينة القديمة.

ورغم الإجراءات الجديدة التي يتبنّاها البنك المركزي لمنع عمليات الاحتيال في العملة، قال علاء الدين المسلاتي وكيل ديوان المحاسبة في ليبيا إن تلك العمليات لا تزال ممكنة بسبب ضعف القدرة على تنفيذ القانون.

11