الليدار تقنية توقظ الحضارات القديمة وتفتح مناجم الذهب

السبت 2016/10/15
الليدار تكشف أسرار الأرض

إسطنبول- كثيرة هي المدن الأثرية البائدة التي فقد علماء الآثار الأمل في العثور عليها، بعد أن تاهت الطرق الموصلة إليها، وبعد أن دمرت، وتراكمت فوق بقاياها صنائع الطبيعة من رمال وأشجار، ما أدى في المحصّلة إلى اعتبارها مجرد تفاصيل ترد في الكتب القديمة، قد تكون جزءاً من أسطورة ما أو حكاية مجترحة من الخيال. لكن السنوات الماضية حملت إلى المهتمين أخباراً مدهشة عن اكتشاف العلماء لعدد من المدن التي ظن البعض أنها لم توجد سوى في عقل من ذكرها، ما أدى في المحصلة إلى تغيير كامل في منطق عمليات البحث عن الآثار بشكل عام.

كل ذلك جاء بفضل تقنية لم يكرّسها الإعلام سابقاً هي تقنية الليدار، التي بدأت عمليات التطوير عليها تؤتي أكلها، بعد أن ظلت ومنذ اختراعها في ستينات القرن الماضي محصورة الاستخدام في مؤسسات الرصد الجوي، وبعض التقنيات العسكرية، والرحلات الفضائية والتلسكوبات. وهكذا بات حضور هذه التقنية، يتسق تماماً مع الأخبار المتواترة عن ظهور السيارات ذاتية القيادة، وتطبيقات التصوير ثلاثي الأبعاد، بالإضافة إلى إعلان العديد من المؤسسات التي يمتد طيف اهتماماتها من البحث الأركيولوجي إلى الجغرافيا، وصولاً إلى المنظمات الحقوقية، عن اهتمامها بالحصول على تطبيقات خاصة بها من هذه التقنية! فأيّ سرّ تحوزه هذه التقنية وما يجعلها مثار اهتمام كل من سبق ذكرهم؟

العين الكاشفة

عرف البشر تقنيات راسخة في عملية الاستشعار عن بعد هما الرادار الذي تستخدم فيه أمواج الراديو للاستشعار، وأيضاً السونار الذي تستخدم فيه الأمواج الصوتية، وبالتأكيد كانت هناك مسارات أساسية في عملية الاستكشاف تعجز عنها كلتا التقنيتين السابقتين.

الليدار جاءت لتسدّ هذا الفراغ عبر استخدامها لأشعة الليزر، حيث تقوم الأجهزة التي تشكّل التقنية بعمليّة مسح جوّي لسطح الأرض بهدف الحصول على الإحداثيات ثلاثية الأبعاد لكلّ تفاصيل المنطقة الممسوحة كالأرض الطبيعية، والمباني، والأشجار وغيرها، ومن ثم القيام بدراسة المعطيات التي تقدمها عملية المسح، من أجل كشف تفاصيل الهدف، وقراءة أبعاده، وتقييم النتائج، بحسب السياق الذي تختص به الجهة التي تقوم بالعملية.

الفارق بين الرادار والسونار والليدار يبرز في كون التقنية الأخيرة تقوم بتصوير الهدف وتحديد أبعاده، وقراءة طبيعته ومكوناته، بينما تختص التقنيتان السابقتان بعملية الرصد، وتحديد المسافة، وضمن هذه الصيغة المبسطة للفروق يمكن فهم القفزة الكبرى التي تقدمها الليدار

إذن يمكن توضيح الفرق بين التقنيات الثلاث السابقة، أي الرادار والسونار والليدار، في أن الأخيرة تقوم بتصوير الهدف وتحديد أبعاده، وقراءة طبيعته ومكوناته، بينما تختص التقنيتان السابقتان بعملية الرصد، وتحديد المسافة، وضمن هذه الصيغة المبسطة للفروق يمكن فهم القفزة الكبرى التي تقدمها في جميع المناحي التي يتم استخدامها فيها.

نبضات ليزرية

يرتكز عمل التقنية على إرسال نبضات ليزرية من الجهاز إلى الهدف الذي تتم دراسته فيتم الاعتماد على حساب المسافة ما بينه وسطح الأرض من خلال معرفة زمني الإرسال والاستقبال لكل نبضة ليزرية. وتقوم هذه العملية عبر مجموعة من الأدوات تشكل بمجموعها جهاز الليدار، وهي: أداة قياس المسافات الليزري، والماسحة الضوئية (سكنر)، ووحدة المعالجة المركزية، وحاسوب مع برمجيات خاصة لمعالجة البيانات، وأقراص صلبة لتخزين البيانات، ترتبط كلها مع نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي أس).

وقد تعددت أنواع أجهزة الليدار بحسب استخداماتها، فكان منها ذلك الخاص بتحديد المسافة بينه وبين الأجسام الصلبة، وأيضاً كان هناك ليدار تباين امتصاص الضوء الذي يستخدم لقياس درجة التشبع الكيميائية (مثل الأوزون وبخار الماء والشوائب في الهواء). كما يوجد الدوبلر الذي يستخدم لقياس سرعة الأجسام المتحركة سواء الصلبة أو الغازية مثل الرياح والعواصف.

الأجهزة التي تشكل الليدار تقوم بعملية مسح جوي لسطح الأرض بهدف الحصول على الإحداثيات ثلاثية الأبعاد لكل تفاصيل المنطقة الممسوحة كالأرض الطبيعية، والمباني، والأشجار وغيرها

وما بين تلك الأنواع الرئيسية تمّ حديثاً تطوير أنواع أخرى، تتنوع مجالات عملها بحسب خطة الاستخدام، والتي تعددت مع تنامي ميزات التقنية، فهي تقدم جميع البيانات التي تحصل عليها لتكون بصيغة رقمية ذات لاحقة محددة. ويمكن العمل بهذه التقنية في أيّ وقت، شرط أن تكون السماء صافية، مع قدرة على مسح مناطق واسعة وبسرعة كبيرة، إضافة إلى تميز البيانات بدقة مكانية عالية. وتتجاوز مشكلات كوعورة الأمكنة، ويبقى أن قلة التكلفة تشكل عنصراً حاسماً في توجه العديد من الباحثين متعددي الاختصاصات نحوها.

كل ما سبق جعل فضاء عمل الليدار واسعاً جداً، حيث يستخدم بشكل عام في توليد نماذج تضاريسية رقمية، كما يتم من خلاله تكوين النماذج عن المدن في وضعها الراهن، والتوزع العقاري، وأيضاً يتم من خلال التقنية رسم خرائط للكثير من التفاصيل الجغرافية، كالسواحل والهضاب والجبال، والغابات، ومسارات الفيضانات وتحديد مواقع حقول النفط والغاز، بالإضافة إلى تحديد مواقع شبكات خدمية كالهواتف النقالة أو خطوط نقل الطاقة الكهربائية.

الليدار إثارة كالخيال

لكن الإثارة في استخدامات الليدار لم تأت فقط من هذه القضايا المهمة فقط، بل جاءت من زاوية مختلفة تماماً، تتعلق بالكشف عن عوالم مجهولة في الحضارات القديمة، إذ أنها ساهمت في توضيح أمكنة الآثار المندثرة، والتي عجز المنقّبون عن الوصول إليها، ففي منتصف شهر أغسطس الماضي تناقلت وكالات الأنباء أخبارا عن تمكن باحثين آثاريين من العثور على آثار لمستوطنة حضرية واسعة حول معابد أنغكور في الأدغال الكمبودية، من خلال مسح جوي ليداري، وبحسب عالم الآثار الأسترالي الذي يقود المسح الضوئي جواً فإن هذه التقنية غيرت قواعد اللعبة، إذ كشفت مسوحات الليزر لدينا عن مستوطنة مماثلة في الحجم للوس أنجلوس أو سيدني مع شكل حضري يشبه المدن منخفضة الكثافة في العالم المعاصر.

هذا الاكتشاف لم يكن وحيداً في سياقه، إذ وردت الأنباء في أوقات متباعدة عن حصول أشياء مشابهة لهذه، مثل اكتشاف منجم للذهب في أسبانيا عمره 2000 عام، كان عامراً في زمن الإمبراطورية الرومانية، استطاعت الأقمار الاصطناعية تبيان موقعه تحت عدة أمتار أسفل سطح الأرض باستخدام تقنية الليدار، وأيضاً اكتشاف علماء لأسس مدينة “سيوداد بلانكا” والمعروفة باسم “المدينة البيضاء الذهبية” الأسطورية المفقودة في الغابات المطيرة في هندوراس.

باحثو معهد كاليفورنيا التقني يكشفون عن تطوير شريحة صغيرة الحجم يُمكن إضافتها لكاميرا الهواتف الذكية لتضيف إليها ميزة المسح أو التصوير ثلاثي الأبعاد للعناصر عبر تقنية الليدار

غير أن التجربة البريطانية في استخدام هذه التقنية كانت لافتة. فبحسب مجلة “لايف ساينسا” فإن وكالة البيئة في المملكة المتحدة واظبت خلال 18 سنة على استخدامها لجمع بيانات أكثر من 72 بالمئة من مساحة أراضي إنكلترا. ثم قامت بوضع كافة البيانات الموجودة لديها (حجمها 11 تيرا بايت) على موقعها المفتوح. وقد أثارت الخرائط انتباه علماء الآثار وهواة التاريخ، ما أدى في النهاية إلى كشف الطرق الرومانية القديمة التي كانت مخبأة لقرون في جميع أنحاء الريف في شمال إنكلترا.

وقد توسعت قائمة إنجازات الليدار صوب القضايا البيئية عبر مساهمة من الصين، حيث تمكنت مجموعة من الباحثين في إحدى جامعات مدينة شنغهاي من تطوير طريقة لمعرفة واحتساب القمامة بشكل تلقائي باستخدام هذه التقنية، ما أدّى إلى الحصول على بيانات عالية الجودة من أجل هذه العملية التي شكلت ثورة ليس في آليات تتبع نفايات الشواطئ وتحليلها فقط، بل في خلق أساليب مبتكرة لمنع تراكم القمامة عبر نظام متطور يمكنه القيام بتوثيق النفايات بشكل دقيق، وكذلك تقليل الوقت الذي يتطلبه احتساب وفرز القمامة إلى دقائق عوض الساعات التي قد كان سيتطلبها الأمر في حال القيام بهذه العملية يدوياً.

ميزات الليدار لفتت انتباه الشركات التي تختص بتأمين أعلى مستويات الرفاهية للأشخاص القادرين على تغطية نفقاتها، وضمن هذا السياق انتشرت أخبار عن قيام باحثين من معهد كاليفورنيا التقني، بتطوير شريحة صغيرة الحجم تمكن إضافتها إلى كاميرا الهواتف الذكية لتضيف إليها ميزة المسح أو التصوير ثُلاثي الأبعاد للعناصر عبر تقنية الليدار.

في السيارات ذاتية القيادة

وبحسب مقال نشر على موقع معهد كاليفورنيا التقني الرسمي، فإن هذه الشريحة المصنوعة من السيليكون، والتي يقلّ حجمها عن مليمتر مربع، قادرة على إجراء قياسات ثلاثية الأبعاد تتميّز بالعمق والدقة العالية. وقد أشار المسؤول عن الفريق البحثي إلى أنه تم الانتهاء من صناعة الشريحة معملياً، وصنع منها نموذجا تجريبيا للاختبارات، إلا أنها لازالت غير قادرة في الوقت الحالي سوى على مسح العناصر صغيرة الحجم. ولكن الفريق البحثي يعمل على تطوير نماذج منها قادرة على التعامل مع العناصر ذات الأحجام الأكبر، دون المساس بحجم الشريحة التي يجعلها مناسبة للدمج بكاميرات الهواتف الذكية، دون حاجة المُصنعين لإجراء تعديلات كبيرة لإيجاد مساحة مناسبة لها.

وكالات الأنباء تتحدث عن تمكن باحثين آثاريين من العثور على آثار لمستوطنة حضرية واسعة حول معابد أنغكور في الأدغال الكمبودية، خلال شهر أغسطس الماضي، من خلال مسح جوي ليداري

وأكد الباحثون أن الشريحة ستفتح الباب أمام العديد من المجالات خاصة في ما يتعلق بالطباعة ثلاثية الأبعاد، حيث ستُمكّن المستخدمين مستقبلاً من استخدام هواتفهم في الحصول على مسح دقيق لأيّ عنصر يريدون طباعته ومن ثم الحصول على مجسم ثلاثي الأبعاد منه بسهولة وبخطوات بسيطة.

قدرات الليدار وصلت إلى السيارات أيضاً، حيث أعلنت شركة فورد قبل شهرين أنها ستصنع سيارة ذاتية القيادة بالكامل دون عجلة قيادة بحلول العام 2021، واضعة بذلك أفقاً واضحاً للتجارب التي كرست لها وقتاً طويلاً، وتمحورت حول جعل هذه السيارة قادرة على السير لوحدها في الظلام دون الحاجة إلى مصابيح.

وبفضل تقنية الليدار”لم تعد سيارات الاختبار بحاجة إلى ضوء الشمس أو الكاميرات لكشف الخطوط البيضاء على الطرقات؛ إذ تتيح هذه التقنية للسيارات ذاتية القيادة السير وسط الظلام كما لو أنها في وضح النهار تماماً. وللتنقل في الظلام، توظّف هذه السيارات خرائط ثلاثية الأبعاد عالية الدقة مع معلومات متكاملة حول الطرق وعلاماتها وغيرها من البيانات المرتبطة بالجغرافيا والتضاريس والمعالم مثل اللافتات والمباني والأشجار. حيث تستخدم السيارة الليدار لتحديد موقعها بالزمن الحقيقي على الخريطة. وتتكامل البيانات الإضافية للرادار مع بيانات الليدار لضمان أعلى درجات الاستشعار في السيارة”.

كشف الجرائم الكبرى

قدرة هذه التقنية على كشف المخفي في باطن الأرض، لم تغب عن أذهان العاملين في القضايا الحقوقية، وعلى الأخص أولئك المختصين بالكشف عن جرائم الإبادة التي حاول مرتكبوها إخفاء ما فعلوه من خلال دفن جثث ضحاياهم في مقابر جماعية، وضمن هذا السياق كان لتقدم العمل في تقنيات التصوير الفضائي فضل كبير في كشف مواقع عدد هائل من المقابر الجماعية في العراق وفي البوسنة والهرسك، ويتوقع الباحثون أن تساهم عملية دمج تقنية الليدار مع الأدوات التقليدية ككاميرات التصوير وغيرها في جعل مسألة الوصول إلى مكان دفن الضحايا مسألة وقت لا أكثر.

14