الليرة التركية تسدد كلفة تدهور العلاقات مع واشنطن

رجب طيب أردوغان يضع مصير اقتصاد تركيا بيد زوج ابنته لمواجهة التقلبات المالية.
الجمعة 2018/08/10
الليرة في منطقة الخطر

أنقرة - فشل المسؤولون الأتراك في التهوين من حدة الخلاف مع الولايات المتحدة وإظهار الأزمة في صورة الخلافات الجزئية التي يجري حلها عن طريق وفد من الدرجة الثانية يسافر إلى واشنطن لمعالجة تفاصيل تقنية، في حين أن الأزمة أكبر بكثير كونها تتويجا لافتراق المصالح والمعالجات في أكثر من ملف حيوي، وأن قضية القس أندرو برانسون لا تعدو أن تكون قمة جبل الجليد.

وعاد الوفد التركي بعد زيارة إلى واشنطن من دون أي إشارة إلى نجاحه في تهدئة وتليين مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تقتضي في الحدّ الأدنى الإفراج عن القس برانسون، لتجنب عقوبات اقتصادية أقسى قد تُفرض على تركيا التي يدفع اقتصادها ككل، وخاصة الليرة المتهاوية، ثمنا مباشرا لحسابات الرئيس رجب طيب أردوغان.

والتقى نائب وزير الخارجية التركي سادات أونال بمساعد وزير الخارجية الأميركي جون سوليفان، الأربعاء. ولم يدل المسؤول التركي بأي تصريح لدى وصوله أو بعد انتهاء اللقاء.

من جهتها، اكتفت وزارة الخارجية الأميركية بالإشارة في بيان إلى أنّ الرجلين “ناقشا مجموعة من القضايا الثنائية، من بينها قضية القس برانسون”.

مايكل فيرز: واشنطن قد تغيّر رؤيتها إلى تركيا من حليف إلى دولة متسلطة
مايكل فيرز: واشنطن قد تغيّر رؤيتها إلى تركيا من حليف إلى دولة متسلطة

ويقول مراقبون إن أنقرة تسعى لتطويق الخلاف مع واشنطن، أو على الأقل الإيهام بأنه خلاف عابر بشأن قضايا هامشية وليست محورية، مشيرين إلى أن الخطاب الشعبوي الذي اعتمده أردوغان ضد الأميركيين في إدارته لقضية منبج والتلويح باستهداف العسكريين الأميركيين في المدينة، أعطيا مؤشرات قوية لإدارة ترامب بضرورة الردّ على خيار الاستهتار بأسس التحالف وردعه عبر سلسلة من الإجراءات.

وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أجرى محادثة هاتفية، الاثنين، مع نظيره الأميركي مايك بومبيو. وأشارت الصحف التركية إلى اتفاق مبدئي لتخفيف حدة التوتر، لكن وزارة الخارجية الأميركية قللت من شأن الاتفاق.

وقالت المتحدثة باسم الوزارة هيذر نويرت “لو توصلنا إلى أي نوع من الاتفاقيات، أعتقد أنك كنت سترى القس برانسون هنا في منزله، إلى جانب المواطنين الأميركيين الآخرين”.

ويحاول الرئيس التركي أن ينجو من التصعيد غير المحسوب مع واشنطن بتهدئة خطابه من جهة، والسعي لاسترضاء الأميركيين، وليس مستبعدا أن يكون الثمن المباشر هو إطلاق سراح القس الأميركي كإجراء عاجل لإثبات حسن النية.

إلا أن المراقبين يقولون إنه يمكن لأنقرة استرضاء الولايات المتحدة ظرفيا من خلال صفقة برانسون، لكن التوتر بين البلدين مرشح للتصعيد بسبب سياسات أردوغان في سوريا والانفتاح على روسيا في وقت حرج من تعديل التحالفات في المنطقة، ومساعي تركيا لكسر أسس انتمائها للناتو عبر مساعيها لشراء منظومة الدفاع الصاروخية الروسية أس-400.

ويتحفظ الكونغرس على بيع تركيا الطائرة الأميركية الجديدة أف-35، كرد فعل مباشر على مساعيها لشراء أس-400، ورفضها منظومة باتريوت الأميركية للدفاع الصاروخي.

وتتجه مواقع القرار في واشنطن إلى تغيير وصف العلاقة مع أنقرة من شريك استراتيجي عسكريا وسياسيا واقتصاديا إلى دولة مواقفها مزاجية ومضطربة وتسليط المزيد من الضغوط عليها لإعادة تقويم سياساتها.

ويقول ديفيد غاردنر، المحلل السياسي في صحيفة فيننشيال تايمز البريطانية، إن قادة مثل أردوغان يعتقدون بأن علاقاتهم مع ترامب، الذي لا يعتد كثيرا بالقوانين، من الممكن أن تتجاوز ببساطة المؤسسات الأميركية، مضيفا أن هؤلاء “عندما يدركون خطأهم، فإنهم سيميلون إلى إعادة توجيه تفكيرهم مرة أخرى نحو المنطق الحقيقي”.

ويشير مايكل فيرز الباحث في مركز التقدم الأميركي (سنتر فور أميركان بروجريس) إلى أن واشنطن قد تضطر إلى تغيير رؤيتها إلى تركيا من حليف ديمقراطي إلى دولة متسلطة، وأن هذا الخيار سيكون بالقطع تداعيات على جودة واستمرار العلاقات الثنائية.

وقال فيرز لموقع أحوال تركية “في الأساس، فإن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تشعر بحرج من ممارسة نفوذها للتأثير على تركيا”، وإنه “من الأفضل للولايات المتحدة والدول الديمقراطية الحليفة في حلف الأطلسي البدء في عزل أنظمتها الأمنية المشتركة انطلاقا من أسوأ سيناريو محتمل”.

ويربط الخبراء بين الاضطراب في السياسة الخارجية التركية والأزمة الاقتصادية، خاصة التهاوي المستمر لليرة، لافتين إلى أن تنفيذ واشنطن لتهديدها بمراجعة الإعفاءات الممنوحة للصادرات التركية إلى السوق الأميركية سيزيد الوضع سوءا، وهي خطوة قد تؤثر على صادرات تركية بقيمة 1.7 مليار دولار.

وفقدت الليرة نحو ثلث قيمتها منذ بداية العام الحالي بفعل مخاوف من إحكام أردوغان سيطرته على السياسة النقدية.

وتراجعت الليرة التركية إلى مستوى قياسي جديد مقابل الدولار الأميركي، الخميس، حيث نزلت 2.5 بالمئة عن مستوى إغلاق الأربعاء.

مواقف أردوغان تقود تركيا إلى الهاوية
مواقف أردوغان تقود تركيا إلى الهاوية

وبلغت العملة التركية 5.4150 ليرة للدولار، بعدما سجلت مستوى متدنيا قياسيا عند 5.44 ليرة، مسجلة أدنى مستوى لها على الإطلاق وأكبر انخفاض في جلسة واحدة في نحو عشر سنوات.

وارتفعت تكلفة التأمين على الديون التركية، الخميس، إلى أعلى مستوياتها منذ 2009 في ظل تدافع شديد على بيع الليرة والسندات السيادية والمصرفية التركية.

وتعرضت الأصول التركية لضربة عنيفة، أيضا، عقب تدهور العلاقات مع واشنطن بسبب أزمة القس الأميركي الذي تحتجزه أنقرة.

وقالت آي.إتش.أس ماركت إن عقود مبادلة مخاطر الائتمان التركية لخمس سنوات ارتفعت إلى 370 نقطة أساس، بزيادة 14 نقطة أساس عن إغلاق الأربعاء، مع هبوط الليرة أكثر من اثنين بالمئة إلى مستويات قياسية منخفضة.

وأثبتت الأيام أن هبوط الليرة كان مؤلما للغاية بالنسبة للشركات التركية التي لديها التزامات وخدمة ديون بالدولار واليورو. ووفقا لتحليل أجراه مصرف “إتش.أس.بي.سي”، فإن البنوك والشركات التركية لديها ما يقرب من 70 مليار دولار من الديون الواجب سدادها من الآن وحتى مايو 2019.

وتسوق حكومة الرئيس التركي أنها قادرة على إخراج البلاد من أزمتها المالية الحادة من خلال خطة وزير المالية براءت ألبيرق، صهر أردوغان، والتي تقول إن النظام المصرفي للبلاد في وضع يمكنه إدارة التقلبات المالية بشكل فعال، وتتوقع نسبة نمو بين 3  و 4 في المئة خلال 2019. لكن خبراء يقولون إن الخطة لا تعدو أن تكون مجرد أمان غير واقعية هدفها امتصاص الغضب الشعبي وطمأنة رجال الأعمال والمستثمرين الذين يضغطون على أردوغان للبحث عن حلول للأزمة.

1