الليرة التركية تعود للانحدار رغم أسعار الفائدة الفلكية

ارتفاع تكلفة الاقتراض يهدد بدخول الاقتصاد في الركود، وشبح تدخل أردوغان في السياسات المالية يقوض ثقة المستثمرين.
الخميس 2018/06/14
وضع جميع المفاتيح في قبضة أردوغان وصفة سحرية لانهيار الاقتصاد التركي

اسطنبول – تبخر سريعا مفعول زيادة أسعار الفائدة التركية لتعود الليرة إلى الهبوط، حيث اقتربت أمس من حاجز 4.7 ليرة مقابل الدولار، قبل أن تستعيد بعض خسائرها في نهاية التعاملات.

ويرى محللون أن شبح عودة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى التدخل في السياسات المالية بعد الانتخابات المقررة في 24 يونيو الجاري، يمنع استعادة ثقة المستثمرين الأجانب، التي تصدعت خلال السنوات الماضية.

ويبدو أن مقاومة أردوغان لرفع أسعار الفائدة في الوقت الملائم ستؤدي إلى ضربة مزدوجة بعد أن قوضت ثقة المستثمرين الأجانب. ومن المرجح أن يؤدي استمرار تراجع الليرة مع ارتفاع تكلفة الاقتراض إلى دخول الاقتصاد في نفق ركود لا تلوح له نهاية مهما كانت سيناريوهات الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.

وخسرت الليرة نحو 20 بالمئة مقابل الدولار هذا العام، لتصبح إحدى أسوأ عملات الأسواق الناشئة أداء، جرّاء مخاوف من تأثير الرئيس رجب طيب أردوغان على السياسة النقدية والانتخابات.

20 بالمئة خسائر الليرة مقابل الدولار هذا العام ما يجعلها إحدى أسوأ عملات الأسواق الناشئة أداء

ومن المتوقع أن تتفاقم متاعب الليرة التركية التي تتعرض مع عملات الأسواق الناشئة لضغوط قبيل قرار من المجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) بشأن أسعار الفائدة واتجاه مصارف مركزية أخرى، مثل البنك المركزي الأوروبي، لتشديد سياساتها النقدية.

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يرفع مجلس الاحتياطي الاتحادي أسعار الفائدة للمرة الثانية هذا العام بعد خطوة مماثلة في مارس الماضي. ويريد المستثمرون التعرف على آفاق تشديد السياسة النقدية في المستقبل في ظل النمو الاقتصادي الحالي.

وقال تيموثي آش الخبير لدى بلوباي لإدارة الأصول في مذكرة إن مجموعة من العوامل تؤثر على الليرة التركية بما في ذلك اجتماع البنك المركزي الأميركي والمركزي الأوروبي وعطلة عيد الفطر المقبلة مما يؤدي إلى تفاقم شح السيولة.

ورجحت المحللة الاقتصادية جلدم اتاباي شانلي أن ينكمش الاقتصاد التركي في الربع الثالث وأن لا تغير الانتخابات الصورة القاتمة سواء فاز أردوغان أو فازت المعارضة بالانتخابات.

ويكمن جوهر مشكلة الاقتصاد التركية في تدخل أردوغان في السياسات المالية. وقد تفاقمت المشكلة حين قال خلال زيارة إلى لندن الشهر الماضي إنه عازم على التدخل بدرجة أكبر إذا ما فاز في الانتخابات.

وتحدّى أردوغان جميع النظريات الاقتصادية وأصرّ طويلا على إبقاء أسعار الفائدة منخفضة رغم مستويات التضخم التي فاقت 12 بالمئة الشهر الماضي. وهو يحاول تحقيق نمو اقتصادي قوي للغاية بأي ثمن، وقد ارتكب أخطاء بالغة الخطورة في ما يتعلق بالإدارة الاقتصادية.

جلدم أتاباي شانلي: تجرع تركيا للدواء المر جاء متأخرا جدا وهو يهدد بالسقوط في الركود
جلدم أتاباي شانلي: تجرع تركيا للدواء المر جاء متأخرا جدا وهو يهدد بالسقوط في الركود

وترى شانلي أن السياسة النقدية للبنك المركزي كانت ضربا من المجاملة للرئيس من أجل تحقيق أهدافه وأن الفشل في السيطرة على التضخم أدى إلى انهيار الليرة. وأضافت أن رضوخ أردوغان لضرورة رفع أسعار الفائدة جاء بعد فوات الأوان. ويبدو الركود في العام المقبـل هو السيناريو الأقرب للتحقيق، هذا إن لم يكن ركودا مصحوبا بتضخم. وستكون لانهيار الليرة وفوائد الإقراض المرتفعة للغاية تداعيات كارثية على الحسابات المالية للدولة وعلى قطـاع الشركات.

ومن المستبعد أن يتمكن الاقتصاد التركي من تفادي الركود في ظل المستويات الفلكية لتكلفة الاقتراض، وأن يؤدي ذلك لتراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة وتفاقم معاناة الشركات من وطأة الديون.

وتبدو الشركات التركية المثقلة بالديون، يائسة من إمكانية اتخاذ قرارات جريئة تمكنها من التأقلم مع التزامات ديونها الخارجية التي تبلغ قيمتها الإجمالية أكثر من 226 مليار دولار.

وتؤكد البيانات أن الكثير من الشركات الكبيرة تسعى للتفاوض مع البنوك لإعادة هيكلة ديونها. وسيعني ذلك ارتفاعا جديدا في تكلفة الاقتراض ومزيدا من الانكماش للشركات في بيئة تعاني معدلات تضخم عالية ونموا منخفضا.

ومن المتوقع أن تتفاقم الاختلالات المالية للموازنة والحسابات المالية للدولة. وسوف يؤدي التراجع الاقتصادي وانخفاض حصيلة الضرائب وربما المزيد من الإعفاءات الضريبية إلى اتساع عجز الموازنة.

ويؤكد العمر القصير لانعكاسات رفع أسعار الفائدة إلى أن تركيا مقبلة على أزمة خانقة في ظل يأس المحللين والمستثمرين الأجانب من إمكانية حدوث انقلاب في السياسة المالية خلال الأشهر المقبلة.

ويجمع المحللون على أن فوز أردوغان المرجح وحصوله على صلاحيات مطلقة بالانتقال إلى النظام الرئاسي سيكون الوصفة المثالية لانهار ثقة الشركات والمستثمرين وسيؤدي حتما إلى انهيار اقتصادي شامل.

10