الليرة تحتفي بخسارة مرشح أردوغان في إسطنبول

ارتفاع الليرة يعكس ترحيب الأسواق التركية بإمكانية انحسار تدخل الرئيس رجب طيب أردوغان في السياسات المالية والاقتصادية، والتي كانت السبب الرئيسي لجميع الأزمات العميقة.
الثلاثاء 2019/06/25
الليرة تحتفل بخسارة أردوغان

اختزلت الليرة التركية ترحيب الأوساط الاقتصادية والمالية في تركيا بالخسارة الكبيرة لمرشح حزب العدالة والتنمية لانتخابات بلدية إسطنبول، بارتفاعها الكبير أمس بعد إعلان النتائج. وتأمل الأسواق بأن تؤدي تلك الضربة الصريحة إلى تراجع تدخلات الرئيس رجب طيب أردوغان في السياسات المالية.

لندن- قفزت الليرة التركية أمس بنسبة 1.2 بالمئة في رد فعل مباشر على  الفوز الكبير الذي أحرزه مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو في انتخابات بلدية إسطنبول، التي يجمع المراقبون على أنها ستكون نقطة تحول كبرى في حكم البلاد.

ويعكس ارتفاع الليرة ترحيب الأسواق التركية بإمكانية انحسار تدخل الرئيس رجب طيب أردوغان في السياسات المالية والاقتصادية، والتي كانت السبب الرئيسي لجميع الأزمات العميقة التي يعاني منها الاقتصاد التركي.

وتعتبر انتخابات بلدية إسطنبول، التي تمثل مركز الثقل التجاري والاقتصادي الحاسم، أكبر بوصلة على تحولات الرأي العام، خاصة أن النتائج كانت حاسمة بوضوح وبفارق يزيد على 9 بالمئة في مجموع الأصوات، رغم استخدام أردوغان لجميع الوسائل للفوز بها.

ويرى محللون أن أردوغان تلقى صفعة شديدة، وأنه قد يخفف تدخله في السياسات المالية والاقتصادية في ظل عدم وجود أي مواجهة سياسية حتى موعد الانتخابات الرئاسية في عام 2023.

وعادة ما يصعد أردوغان تدخله الاستعراضي في السياسات المالية وفي المواجهات الخارجية في أوقات الانتخابات من أجل حشد الحماس الوطني لدى أنصاره وخداع الناخبين للتصويت لصالح حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه.

وشهدت مواعيد الانتخابات الرئاسية قبل عام والانتخابات البلدية في نهاية مارس الماضي ذروة سياسات التلاعب واعتماد سياسات مالية ملتوية لحقن الليرة بالمنشطات وإخفاء الأزمات الاقتصادية العميقة.

أنطوني سكينر: أردوغان أصبحت لديه مساحة ضيقة للمناورة بعد صفعة نتائج انتخابات بلدية إسطنبول
أنطوني سكينر: أردوغان أصبحت لديه مساحة ضيقة للمناورة بعد صفعة نتائج انتخابات بلدية إسطنبول 

كما ترتفع عادة حدة مواجهات أردوغان الخارجية في تلك الأوقات، والتي وضعت الاقتصاد التركي في مواجهة عقوبات أميركية قاسية، بسبب إصراره على شراء منظومة صواريخ أس 400 الروسية.

ورفع الرئيس التركي حدة المواجهة أيضا مع الاتحاد الأوروبي بإصراره على التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية القبرصية، والذي أدى إلى إجماع أوروبي على إمكانية فرض عقوبات على أنقرة إذا واصلت انتهاك السيادة القبرصية.

ولا يستبعد مراقبون أن يؤدي طي صفحة الانتخابات وخسارة مرشحه الثقيلة لانتخابات إسطنبول، إلى انحسار تصعيد أردوغان مع واشنطن وبروكسل، وهو أحد أسباب ارتياح الأسواق المالية لنتائج الانتخابات.

ويمكن أن يحدث تخفيف للتصعيد مع واشنطن خلال لقاء متوقع بين أردوغان والرئيس دونالد ترامب على هامش قمة العشرين هذا الأسبوع، رغم تجديد أنقرة أمس على لسان وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو أنها لا تخشى احتمال فرض عقوبات أميركية.

ونقلت وكالة بلومبرغ عن أنطوني سكينر، الخبير في مؤسسة فير ريسك مابلكروفت لتحليل المخاطر قوله، إن “أردوغان أصبحت لديه الآن مساحة أقل للمناورة مقارنة بما كان عليه في السنوات الأخيرة”.

وتعني خسارة إسطنبول أكثر بكثير من مجرد خسارة السيطرة على أكبر مدينة في تركيا ومركز الثقل الاقتصادي، إذ أن منصب رئيس بلدية إسطنبول كان نقطة انطلاق العمل السياسي لأردوغان، وإذا ما تمكن إمام أوغلو من أداء مهمته بشكل جيد، فيمكن أن ينافسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

كما أن خسارة إسطنبول، التي يقطنها 20 بالمئة من عدد سكان تركيا، تضعف موقف حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى مصدر رئيسي للدعم والتمويل، خاصة أنها تمثل ثلث اقتصاد تركيا الذي يبلغ حجمه 748 مليار دولار.

ويرزح الاقتصاد التركي في حفرة عميقة من الأزمات الاقتصادية والمالية، التي يصعب الفكاك منها حيث تتشابك حالة الركود وغليان التضخم وارتفاع تكلفة الاقتراض إلى مستويات فلكية في ظل أسعار الفائدة الرئيسية البالغة 24 بالمئة.

وأكدت أرقام رسمية صادرة عن معهد الإحصاء التركي الأسبوع الماضي، انكماش الناتج الصناعي في أبريل الماضي بنسبة 4 بالمئة بمقارنة سنوية وذلك للشهر الثامن على التوالي، وهو ما يفوق أكثر التوقعات تشاؤما.

وكانت غرفة تجارة إسطنبول قد أطلقت الأسبوع الماضي، صفارات الإنذار من تراكم متاعب الشركات، حين أكدت أن تكاليف التمويل التهمت معظم أرباح أكبر 500 شركة صناعية
تركية.

ويكمن سرّ ترحيب المستثمرين بخسارة مرشح أردوغان في آمالهم بأن تؤدي إلى توقف الحكومة عن تلك السياسات وتوجيه انتباهها إلى الإصلاحات الاقتصادية بدل السياسات الاستعراضية ذات الأهداف الانتخابية.

وكانت تقارير عالمية قد كشفت تفاصيل ضلوع الحكومة التركية في التلاعب المالي لتجميل الصورة القاتمة للاقتصاد، وأكدت صحيفة فايننشال تايمز عمليات تدوير أموال لنفخ الاحتياطات الحكومية بطرق ملتوية.

تعتبر انتخابات بلدية إسطنبول، التي تمثل مركز الثقل التجاري والاقتصادي الحاسم، أكبر بوصلة على تحولات الرأي العام، خاصة أن النتائج كانت حاسمة بوضوح

وقامت المصارف الحكومية ببيع الدولارات لدعم الليرة في عمليات تستنزف احتياطاتها. وأوقف البنك المركزي عمليات الاقتراض بين المصارف في إجراءات مخادعة لوقف انحدار العملة المحلية.

وأكد محللون أن تلك الإجراءات تلوح فيها إملاءات الرئيس التركي، الذي يتصاعد غضبه كلما تراجعت الليرة، والذي يشير دائما إلى وجود مؤامرة خارجية لتخريب الاقتصاد التركي.

ووجه أردوغان مرارا سهام غضبه إلى وسائل الإعلام الغربية، وأشار بالتحديد إلى صحيفة فايننشال تايمز، بعد نشرها تقارير عن تزوير الاحتياطات المالية التركية، رغم أنها استندت إلى بيانات البنك المركزي التركي.

ويرى محللون أن السياسات الارتجالية التي تتعارض مع القواعد الاقتصادية الراسخة والافتقار للإصلاحات الهيكلية يثيران قلق المستثمرين، خاصة في ظل الشد والجذب في ملف الخلافات مع الولايات المتحدة.

وانحدرت ثقة المستثمرين إلى أدنى مستوياتها في الشهر الماضي بسبب تصاعد الشكوك بسيادة القانون واستقلالية المؤسسات المالية وخاصة البنك المركزي. وتأمل الأوساط الاقتصادية الآن في تراجع ضغوط أردوغان على تلك المؤسسات بعد الصفعة الشديدة التي تلقاها في انتخابات إسطنبول.

10