"الليلة الكبيرة" يدعم ظاهرة فيلم اليوم الواحد في السينما المصرية

برزت خلال السنوات القليلة الماضية ظاهرة مستجدة على السينما المصرية تتعلق بانحصار زمن أحداث الفيلم في يوم واحد مع تعدد كبير في الشخصيات، وهي ظاهرة لم تكن شائعة حتى وقت قريب، فقد كان كتاب السيناريو يحرصون على الالتزام بالقاعدة الذهبية المعروفة التي تتلخص في التركيز على عدد محدود من الشخصيات، ودفع الصراع في ما بينها، حيث يمكن للمشاهد التعرف على دوافعها وعلاقاتها المتشابكة والمتقاطعة، وهو ما يصب بالنهاية في البؤرة الدرامية.
الجمعة 2016/04/15
فيلم ينتصر للخرافة ويسقط في السفسطة

كان المخرج البريطاني ديفيد لين صاحب الأفلام الشهيرة مثل “لورنس العرب” و”دكتور زيفاغو” و”ابنة ريان” و”الطريق إلى الهند”، من أكثر المخرجين في العالم التزاما بالقاعدة الذهبية المعروفة التي تتلخص في التركيز على عدد محدود من الشخصيات، ودفع الصراع في ما بينها، حيث يمكن للمشاهد التعرف على دوافع هذه الشخصيات وعلاقاتها المتشابكة والمتقاطعة، وهي التي تصب في النهاية في البؤرة الدرامية.

في أفلام لين تجد دائما شخصية رئيسية محورية، وشخصيات رئيسية أخرى قليلة، أقل بروزا، وكلما قل عدد الشخصيات الرئيسية في الفيلم كلما أمكن لكاتب السيناريو السيطرة على الحبكة الدرامية، وتمكن المخرج من تحريك الشخصيات والتعامل معها، حيث يصل إلى ذروة التأثير الدرامي، وعادة لا يتجاوز عدد الشخصيات الرئيسية في الكلاسيكيات السينمائية الشهيرة، ثلاث أو أربع شخصيات.

ومع ذلك، هناك بطبيعة الحال، لكل قاعدة استثناءات، فهناك أفلام خرجت عمدا عن تلك القاعدة، ولكن المهم أن يعرف الكاتب كيف يعرض قصة محكمة من خلال شخصيات متعددة دون أن تفلت منه الحبكة، أو يبتعد عن جوهر الموضوع، ودون أن تطغى شخصية على أخرى، وتتوه منه في الزحام شخصية أو أكثر.

ومن أبرز الأمثلة على فيلم اليوم الواحد الفيلم الأميركي “بعد ساعات العمل” (1985) لمارتن سكورسيزي، أما على مستوى تعدد الشخصيات في فيلم واحد فلدينا أمثلة كثيرة ناجحة لنجاح الكاتب والمخرج في عدم الابتعاد عن الموضوع، والاستمرار في الانتقال بين الشخصيات المتعددة دون أن يفقد الفيلم إثارة اهتمام المتفرج حتى النهاية.

الفيلم يمتلئ بالضجيج والثرثرة مع الكثير من الإنشاد الديني الشعبي الذي يحاول أن يستر به المخرج نقاط الضعف والفراغ

ومن هذه الأفلام الفيلم الإيطالي “العائلة” للمخرج إيتوري سكولا، والفيلم الأميركي “كلاب المستودع” لكوينتين تارانتينو، والفيلم المكسيكي “أموروس بيروس” لغونزاليس إيناريتو.

في السينما المصرية شاهدنا خلال السنوات الأخيرة الكثير من الأفلام التي تجمع شخصيات كثيرة وتدور أحداثها أيضا في يوم واحد، أو أقل كما في فيلم “ساعة ونص” لوائل إحسان، الذي تدور أحداثه في الزمن الحقيقي للفيلم، أي في 90 دقيقة فقط، ثم فيلمي “بتوقيت القاهرة” و”خانة اليك” لأمير رمسيس وأحداثهما تدور في يوم واحد، وكذلك فيلم “في يوم” لكريم شعبان، ثم فيلم “هز وسط البلد” لمحمد أبوسيف، والآن يأتي “الليلة الكبيرة” لسامح عبدالعزيز عن سيناريو أحمد عبدالله، وهما نفس الثنائي الذي سبق أن قدم “الفرح” و”كباريه” وكلاهما أيضا كانت أحداثه تدور في يوم واحد.

معتقدات شعبية

يطرق “الليلة الكبيرة” موضوعا وثيق الصلة بالواقع المصري، هو موضوع حلقات الذكر وقناعات البسطاء من الناس بما يسمونه “أولياء الله الصالحين” وزيارة الأضرحة للحصول على “الكرامات”، وهو موضوع كان يستحق من كاتب السيناريو البحث الجاد في أعماق الظاهرة، بدلا من الاكتفاء بالشكل الخارجي السطحي، فيسقط في التبسيط، وينتهي إلى تبني رؤية متخلفة في النهاية.

يدور الفيلم في حي شعبي يوجد فيه ضريح لشخص يطلقون عليه “سيدي عرش الدين”، يؤمن أهل الحي بمعجزاته وكراماته، وتبدأ الأحداث صبيحة اليوم الذي سينتهي بالاحتفال السنوي أي “الليلة الكبيرة” لمولد الشيخ عرش الدين.

تتعدد الشخصيات في الفيلم على نحو يربك المشاهد تماما بعد أن تفلت الخيوط من يدي الكاتب، ويظل المخرج يدور حول الأحداث التي تكتسب طابعا هزليا، مع الإفراط في استخدام التعليقات التي تهدف إلى الإضحاك، خاصة على لسان الممثل عمرو عبدالجليل الذي عرف بهذا النوع من التعليقات، ويجعل الفيلم جميع سكان الحي ساقطين في الرذيلة، تتركز خطاياهم في “الحرام”، أو بحسب المفهوم الديني “الزنا”.

شخصيات مربكة حولها السيناريست إلى صور كاريكاتورية نمطية

معظم النساء في الفيلم، ساقطات، بما فيهن المنقبة التي تبرر لنفسها السقوط في الجنس الحرام بدعوى أن أبيها كان يقمعها، وهو الذي فرض عليها العزلة تحت النقاب، أما الرجال فمعظمهم منافقون، كاذبون، يظهرون غير ما يخفون، شرهون للجنس والمال، ومنهم أيضا من يمارس القوادة، ومن يتحرش بالنساء، ومن يخدع فتاة تشاركه لعبة الخناجر الطائرة في المولد (سمية الخشاب)، ويجعلها تحمل منه لكي يرغم والدها (أحمد بدير)، صاحب خيمة السيرك على تزويجه لها، وعندما يرضخ الأب ويقبل بعقد قرانهما، نفاجأ بأنه يريد تطليقها على الفور ويهدد الزوج المغلوب على أمره، بمسدس يصوبه نحو رأسه، إلى أن يطلقها المسكين الذي يتعين عليه الآن العثور على مأوى بعد أن ظل لسنوات في كنف صاحب خيمة السيرك.

وهناك “زينة” التي لا تنجب سوى البنات، وتخشى أمها أن يتركها زوجها إن لم تنجب ولدا، فتتردد بها على المشايخ كما تلجأ إلى ضريح الشيخ عرش الدين تستدعي بركاته، وينتهي الأمر بموت زينة بعد تناول الكثير من المواد الضارة بحسب نصائح المشعوذين.

ويقوم أحمد رزق بدور شاب بدين يعاني من عقدة أوديب، فهو الابن الوحيد لأمه (صفية العمري) التي اضطرت لبيع جسدها لكي تنفق عليه، وكانت تمارس الرذيلة أمام عينيه وهو صغير، إلاّ أننا لا نفهم تحديدا طبيعة العلاقة تماما بين الاثنين، وهل هو مضطرب عقليا كما تشي تصرفاته، أم أنه يتظاهر بهذا؟ وهل هو عاشق لأمه يعاني من غيرة أوديبية عليها، أم أنه يرفضها نتيجة سقوطها في الرذيلة؟ وهل يمكنه أن يتزوج ويكون شخصا سويا مع امرأة جميلة تحمل طفلا رضيعا يتيما في الحارة يلتقيها على قارعة الطريق، أم أنه يرى فيها ما يفتقده في أمه؟

ارتباك وتعدد شخصيات

المشكلة هنا أن الشخصيات التي كانت تستحق المزيد من التعمق، يمر عليها الكاتب سريعا، ويحولها إلى صور كاريكاتورية نمطية، بينما يجعل الشخصية السوية الوحيدة في الفيلم من بين نحو 25 شخصية، شخصية رجل سلفي، يناقش الداعية (محمود الجندي) الذي يتمسك بفكرة زيارة الأضرحة، ويقول له إن هذه الطقوس حرام في الإسلام، ولكن الآخر يجيبه بأن لا ضير في التقرب إلى الله عن طريق مخاطبة أولياء الله الصالحين.

وتظهر أيضا الشيخة (سميحة أيوب) إحدى مريدات الشيخ عرش الدين، تتزعم حملة تعارض هدم الضريح بعد بيع الأرض المقام عليها، بل وزمام المنطقة كلها إلى أشخاص من الجماعة السلفية، وينتصر الفيلم في النهاية لرؤية تكرس الخرافة، ويجعل المشهد الأخير فيه، الذي تهطل فيه الأمطار وكأننا أمام إحدى معجزات “مولانا عرش الدين” في “ليلته الكبيرة”، وكأن هطول المطر سيطهر أرواح ونفوس أهل الحارة جميعا!

"الليلة الكبيرة" للمخرج سامح عبدالعزيز عن سيناريو أحمد عبدالله، وهما ثنائي سبق أن قدم "الفرح" و"كباريه"

في الفيلم مشاهد قتل وتحرش وحقيبة ممتلئة بالأوراق المالية تسقط على أرض الحارة، فيتخاطف المارة رزم النقود في شراسة، وشخصية مجذوب من مجاذيب الموالد، لكنه يبدو أكثر عقلا من الآخرين، وصرخات تنطلق بين حين وآخر على طريقة المجاذيب بطريقة مفتعلة، ومشاهد لشخصيات من الحارة، يتحلقون حول المقام داخل ضريح الشيخ، وكل يطلب منه طلبا، وزوجة لعازف الكمان الذي يعزف وراء المنشد الشعبي (عمرو عبدالجليل) هي (سلوى محمد علي)، تكشف في اللحظة الأخيرة أن الفتاة التي تزوجها المنشد ويعتزم الدخول بها، هي ابنته من علاقته القديمة معها، وهكذا تصل الميلودراما إلى أدنى مستوياتها، فالعبرة في أي عمل سينمائي بالقدرة على الإقناع.

ويمتلئ الفيلم بالضجيج والثرثرة والتكرار مع الكثير من الإنشاد الديني الشعبي الذي يحاول أن يستر به المخرج نقاط الضعف والفراغ في الفيلم، حيث تترنح الأجساد مع ارتجافات عشوائية للكاميرا، وانتقالات خشنة من مشهد إلى آخر ومن شخصية إلى أخرى، في محاولة لإنقاذ الفيلم من ذلك التعدد المربك للشخصيات، دون أن يكون لها وجود حقيقي، مع الإفراط في المبالغات التي تصل إلى درجة التهريج، كما في المشهد الذي يتحلق فيه نحو ثلاثين شخصا حول طبق واحد يأكلون كالحيوانات، ولو ظهر هذا المشهد في فيلم أجنبي لاتُهم بالنظرة العنصرية، كما بدا إدخال عنصر الأجانب الذين يترددون (بصحبة المحافظ) على المولد للفرجة لحضور “الليلة الكبيرة”، مقحما وغير ذي مغزى.

وربما تكون عبارة وحيدة ينطق بها عمرو عبدالجليل تعليقا على هذا، الأكثر صدقا في الفيلم كله، حينما يقول في معرض تفسير اهتمام الأوروبيين بحضور الموالد “إنهم يريدون أن يتأكدوا من أننا مازلنا ‘نفقر’، أي نتمايل على دقات الدفوف في حلقات الذكر، ‘ولا نفكر’، أي أننا مازلنا غارقين في الخرافة، بعد أن منحنا العقل والتفكير إجازة طويلة مفتوحة”، وهو قول ينطبق أفضل ما يكون، على هذا الفيلم نفسه!

16