الليلة على مائدة بخيل

السبت 2017/01/14

لم تعد بي تلك الرغبة العظيمة، في العودة إلى الاشتغال ثانيةً أو عاشرةً في نبش وحرث مقترح كتابي المؤجل منذ أربع سنوات عجفاوات “بخلاء علي السوداني” بعد أنْ صنعتُ منه خمس عشرة حلقة أو نصاً، خصصته للحديث عن بخلاء الوسط الأدبي والفنّي، حتى دعبلني حظّي البارحة صوب مائدة صديقٍ كنت فارقته منذ أزيد من عشرين سنة.

سألني عن حانة جميلة كنت أتيت على ذكرها في غير مكتوب ومكتوب، قلت له هي حانة كيت كات المزروعة وسط عمّان، ومن عاداتها الحسنات أنّ جدرانها تشيل صور الأدباء والمشاهير، وغناءها يبدأ بأم كلثوم ويتوسط بعبدالحليم وينتهي بعبدالوهاب، وثمة قدود حلبية وموّالات رافدينية تسيح على هوى الزبائن المنتشين، فتأتي معها بيبان الذكريات البعيدة، وقد تنتهي بمناحة لغوية قاتلة من دون دموع سخناوات.

أكلتْ المفاوضات العسيرة لتأثيث مائدتنا نصف زمان الليلة، لأنّ صاحبي كان قد شلع قلب النادل الفرعوني الجميل عبدالله، بأسئلة تبدأ بعدد المازّات المجانية ولا تنتهي بسعر زجاجة العرق، ومقارنتها بثمنها البغداديّ الرخيص.

صاحبي أيها الأحبة القارئون، هو من الصنف الذي ينبش أسنانه بعودٍ خاص أستله من جيبه، وكلما أخرج قطعة خبز أو ذرة لحم من بين مدحوسات الفكّين والطواحن، أعاده إلى فمه وازدرده مثل بعير يعيد إنتاج أثاث المعدة كل شهر. قال إنه لا يدخّن لكنه أجهز على نصف علبة السكائر خاصتي، وكان يشفط السيجارة حتى عقبها المصنوع من لدائن يؤدي احتراقها إلى إنتاج الفحم الضار. لم أكن سعيداً بمنظره وهو يشفط الكاربون القاتل، لكنني لم أحذره بسبب رغبتي المقدسة في الانتقام من بخله المريض.

على أوشال السهرة وقع أمر يشبه طعنة مباغتة في الخاصرة. نادى على النادل عبدالله الصبور وقال له إنه يحمل دولارات فقط، فأجابه عبدو بأن لا مانع من الحساب بالدولار. سأله عن قيمة المئة دولار فحسبها عبدو مع نقيصة قدرها دولار واحد. رفض مضيفي العرض الكريم وسألني إن كنت أحمل نقوداً.

قلت نعم لكنها قد تكفي لتسد كلفة ربع المائدة. أخذ مني الدنانير الشحيحة ووضع فوقها دنانيره ووضع المبلغ بصحن الحساب. قبل المغادرة نطّ صاحبي البخيل صوب الحمام وعاد مبلل اليدين والوجه، فأجهز على علبة المناديل الورقية العاطرة، وعبأ جيوبه بما تبقى، ثم حمل قنينة الماء التي كانت بمؤخرتها شربة لا تكفي لعصفورين.

أصدقائي نادلو الحانة كانوا يرشّون على وجهي نظرات عاطفية بديعة، وألسنتهم المعقودة كانت تريد أن تخبرني بأنّ صاحبي قد نسي فوق الطاولة، عود تخليص الأسنان من بقايا الطعام الثمين!

24