الليل العربي ومشعل الثقافة

الأربعاء 2016/02/03

قلة من العاملين في المؤسسات الثقافية العربية يدونون وقائع تجاربهم في هذه المؤسسات، فمثل هذه التجارب تفضح بؤس القائمين عليها، وبؤس الأنظمة التي كرستهم أوصياء على عقول الجماهير وذائقتها، حتى غدت وظيفة الموظف الثقافي العربي نظيرة لوظيفة المخبر، أو الرقيب، في أحسن الأحوال.

ولكن بين عقد وعقد نطالع كتابا هنا وآخر هناك، يدون فيه البعض من العاملين في المجالات الثقافية العربية وقائع تجاربهم، مقدمين خلاصة خبرتهم لمن يأتون بعدهم، علهم يستفيدون من الهفوات وجوانب التقصير بتجاوزها، أو المنجزات في البناء عليها.

ومن هؤلاء القلة الناجية من أخطبوط الفساد الثقافي العربي يوسف عيدابي، الذي عمل في المؤسسات الثقافية لإمارة الشارقة منذ أكثر من ثلاثة عقود، حاول مقاربتها بطريقة إنسانية حميمية في كتابه “عمار الروح” الصادر حديثا عن دائرة الثقافة في إمارة الشارقة.

يتخلى عيدابي عن موقعه المسؤول ويتخذ موقع المراقب المحايد الذي ينظر إلى حصاد السنوات الثلاثين التي أمضاها عاملا في مؤسسات الشارقة الثقافية، بعين ناقدة أكثر منها عينا راضية عما أنجز، أو مبررة لما أخفقت في تحقيقه. ويبدو الهاجس المعرفي مسيطرا عليه، وهو يشرح بألم يكاد يقطر من ريشة قلمه، حال الثقافة العربية في مطالع الألفية، وسيطرة القيم الاستهلاكية وثقافتها الخاوية على مجتمعاتنا العربية، وخصوصا الخليجية منها، ويتحسر على فكرة المثقف العضوي المتفاعل مع واقعه، والمتعايش معه، والساعي إلى التغيير نحو الأفضل، في زمن عز فيه المثقفون الرساليون مع غياب كوكبة كبيرة منهم من دون أن يخلفوا وراءهم من يحمل المشعل في ظلمة ليل بهيم. من المحطات التي يتوقف عندها كاتبنا في عمار روحه، حال النخبة التي خذلت جمهورها، منذ صرخة يوسف إدريس الشهيرة “فلنتثقف”، وحتى اللحظة الراهنة التي نشهد فيها تشظّي المجتمعات العربية، وخفوت صوت المثقف الناقد، مبينا أن الواقع العربي كان أقسى من قدرة المفكر العربي على إحداث التغيير المنشود، في مناخ تمور فيه الانهيارات الداخلية الناجمة عن استبداد السلطات وفسادها وغياب الفعل المؤسس لهذا التغيير.

ولكن، ثمة ضوء ما في هذا الليل البهيم، إذ يسرد لنا كواليس تأسيس معرض الشارقة للكتاب، وكيف تحوّل خلال سنوات إلى واحد من أهم معارض الكتاب في العالم العربي، بل ربما هو أهمّها الآن، حيث بدا الهدف المعرفي التنويري هاجسا للقائمين عليه، قضية تشكل هاجسا جديرا بالتأمل، تتعلق بتقدم المؤسسة الثقافة على جمهورها، وهي حالة متطورة عن غيرها من معارض الكتب، ولا سيما تلك التي دأبت النظم الشمولية على إقامتها، لتكون جزءا من الديكور الذي يحمي وجودها.

يبدو عيدابي في كتابه مثقفا حالما مهجوسا بقضايا نهوض أمته، ولكنه في الكثير من المواضع يتخذ دور الحكيم الذي لا يحابي ذاته، ولا ينظر إلى تجربته بعين الرضا، فالمشاريع النهضوية القرائية التي بدأ العمل عليها، لم تؤت أكلها بعد، ولا تزال يعترضها الكثير من العقبات الموضوعية، ومع ذلك ثمة بقعة ضوء في آخر النفق.

عدم الرضا عن الذات درس حميد يوجهه المثقف نحو نفسه أولا، وهو ما فعله عيدابي. ولكن أين من هذا السلوك الحميد نخبة عربية متضخمة وفاعلون ثقافيون يجوبون العالم العربي طولا وعرضا، تسبقهم المدائح لأشخاصهم، وتنهمر عليهم في المحافل من قاصّ له مصلحة معهم ودان يشبهه في ما له. بينما الفعل الثقافي في مكان آخر، حيث ينضج الألم والعذاب، ويتحوّل الإبداع إلى مغامرة محفوفة بكل أنواع المخاطر.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14