المآلات الحزينة لـ"المدنية الديمقراطية"

الثلاثاء 2013/09/10

لا يمكننا أن نحدد تاريخا دقيقا للفترة التي اندمجت فيها بقايا اليسار العربي مع الليبرالية الجديدة (والتي معظم أفرادها ومثقفيها من الشيوعيين التائبين وأشباههم) ليشكلا ما عرف في أيامنا هذه بالتيار «المدني الديموقراطي»، إلا أن حضور لفظ «مدنية» بات طاغياً في الخطاب الثقافي السائد منذ بدء ثورات ما عرف بـ «الربيع العربي».

الكثيرون اعتبروا أن هذه «المدنية» هي مفهوم قُصد به التمويه على العلمانية، وهي ما يتفق حوله كل «المدنيون» ويتحرجون قوله صراحة، إلا أن متابعة فعل وأفكار هذا التيار خلال السنوات الثلاث الماضية يدفع للاعتقاد أن العلمانية ليست هي المفهوم المركزي الذي يتمحور حوله خطاب «المدنية»، وإن كان من مفاهيمه الأساسية، فالترداد اللجوج لمصطلحات «الدولة» و «الوطن» (وكل ملحقات وتفرعات هذا المصطلح) في خطاب «المدنيين»، والبنية المعرفية التي يجري عليها هذا الخطاب ويعطي لهذه الكلمات مدلولها، يجعلنا نعتبر هذا التيار تياراً «وطنياً» بامتياز، وفق أساسيات وأوليات «السردية الوطنية» للعقل «الحداثي» العربي، وهي «سردية» و«حداثة» ليست ذات عقلية أو ممارسة أو تجربة تاريخية سارة للأسف.

لطالما بشّر المدنيون الديمقراطيون بالحرية والديمقراطية، ولكن تحت «سقف» أساسي هو الوطن، فبلا وطن لا معنى لأي من هذه القيم، وهو الشرط الأساسي الذي تسقط ضرورات الحرية أمامه، وطبعاً يتحد مفهوم «الوطن» مع مفهوم «الدولة»، فلا وطن بلا دولة. ومهمة الدولة الدفاع عن «الوطن» وحفظه وضمان بقائه أيا كان الثمن. «الحرية» إذن عليها أن تطوف ضمن الدائرة المفرغة لـ«الوطن» و «الدولة»، هكذا كثيرا ما يستعيد «المدنيون» بنشوة المقولة الهيغلية: «لا حرية إلا في الدولة» ويضيفون إليها من عندياتهم: «لا وطن إلا في الدولة».

وإذا أخذنا بالاعتبار تشوش المفهوم التاريخي المجرد لـ «الوطن» في بيئة ثقافية مازالت تطرح التساؤلات حول الحدود القطرية التي نشأت في بدايات القرن العشرين، وما زالت تلعن سايكس بيكو حتى الآن، وتقدم الكثير من المقولات المتضاربة عن «الامتداد الثقافي والحضاري والاستراتيجي»، فإن القناعة بحدود وكينونة «الوطن» الحالي لا تتأتى إلا من الدولة، فهذه الدولة هي ما يحفظ هذه الحدود غير الراسخة من الانهيار، وتقي «الكيانات الوطنية» الهشة من المزيد من التشتت.

«الوطن» لا يجد سردية ثقافية مؤسسة ومقنعة، الدولة هي التي تجعل «الوطن» منتصبا وقائما، وهي الضمانة الوحيدة لـ«كيان وطني» ضعيف مصاب بآلاف العلل.

إنها الدولة إذن، منها الانطلاق وفيها المستقر، وهي الكيان الأولى بالتقديس، وإذا أخذنا بالاعتبار الموروث «التنويري» للمدنية، فإن الدولة هي الميدان الأساسي للنهوض بالمجتمع و«تنويره»، وهي مَعَقد آمال كل الهندسة الاجتماعية التي يحلم بها المدنيون التنويريون، وإذا كانوا قد راهنوا على مقولة «المجتمع المدني» ودوره في هذا التنوير، فإن هذا المجتمع بحد ذاته لا يمكن أن يقوم إلا بحماية وتسهيل ووجود الدولة، ودوره مكمل لدور الدولة مهما تحدثوا عن «استقلاله».

إذن، «لا حرية إلا في الدولة» ولا «عقل» أو «حقيقة» إلا بوجودها، فهي الحامي الوحيد والحامل الأساسي لهاتين القيمتين، ولا تجسيد مأمول لهما إلا فيها، وإذا راجعنا الأدبيات المدنية، نجد أنها لم تتخلص أبدا من مطلقية هذين القيمتين (العقل والحقيقة) كأننا أمام أدبيات عصر الأنوار الكلاسيكي وما بعده، وبالتالي فإن هذه القيم المستقلة المطلقة، التي تدعى عدم التسيّس، تعطي لحاملها الأساسي، الدولة، قدراً من الشرعية الكيانية المطلقة، و»التجرد» السياسي والسلطوي المبيح لكافة احتكارات العنف، والحق في سلب الحياة الإنسانية أو منحها، وتقييد حرية البشر واستقلاليتهم، وفرض اللغة والتسمية والمفهوم والثقافة و»التنوير» عليهم، وفق ما يقتضيه منطق العقل والحقيقة والوطن، بل حتى «الحرية».

لم تتشكل الدولة «الحديثة» في المشرق وفق ذات السيرورات، والتوازنات بين الفئات والكتل الاجتماعية والأزمات التي عرفها الغرب، يبقى النموذج التأسيسي لهذه الدولة هو مشروع محمد علي «الوطني» (وتفرعاته الأقل هيبة مع أتاتورك وعبد الناصر وبورقيبة) حيث مزجت الدولة بين أبوية الاستبداد المشرقي و«التحديث» الغربي العنيف لمجتمعات «السكان الأصليين» باسم الحضارة والعلم والعقل، الدولة هنا هي عامل فوق اجتماعي يتم تركيبه على شتات المجتمع المتخلف لصبه في قوالب «التحديث»، هي لا تنبع من المجتمع وتطوره، بل «تجثم» على المجتمع وبين يديها نموذج يجب تطبيقه وإلا قل سلاماً للوطن والعقل والحقيقة.

وبما أن الدولة المشرقية لا تنبع من تأسيس اجتماعي عميق دوماً، ولا تقوم على توازنات اجتماعية قارة كالتي في الغرب، فهي تعتمد على الغلبة أساساً في تشييد سلطتها، العنف العاري المحض هو الركن البنيوي الأساسي فيها، وهي بالتالي لا تقوم دون قوى و«مؤسسات» الغلبة، لا دولة مشرقية دون أمن وجيش، تدريجياً تصبح الجيوش رمز الدولة، وبالتالي رمز الوطن. يمكننا أن نفهم دعوات «المدنيين» للحفاظ على «الجيوش الوطنية» أو الإسراع بتأسيس جيوش وطنية بديلة تملك ذات البنية. علينا ألا نستغرب تقزّم «الوطن» العظيم إلى حذاء عسكري قبيح الهيئة.

مع تقدم سيرورة الثورات العربية، وعصفها بأسس الدول و«الكيانات الوطنية» القائمة، دخل الفكر المدني أزمته الكبرى وبرزت مآلاته الحزينة، من المحزن أن ترى منظري «الدولة المدنية الديمقراطية» يتمسحون بأحذية العسكر المصري في انقلابه الدموي، أو يحدثوننا عن «ديكتاتورية وطنية» تحافظ على «أسس السلامة الوطنية»، وينظرون لـ«التفويض»؛ تفويض الديكتاتورية بتحقيق مهام الحفاظ على أسس الوطن والعقل والحداثة. لقد عاد بنا التاريخ إلى الخمسينات والستينات، عقدي التأسيس لـ«الدول الوطنية» على النمط الديكتاتوري العسكري، وكأن ثورات على هذه الصيغة وعلى تلك «الأوطان» لم تقم.

«المدنية الديمقراطية»، إذا استعرنا مصطلحاتها، باتت فئة «رجعية» لا هم لها إلا إيقاف «عجلة التاريخ» والحفاظ على «الدول والأوطان» القديمة، والمثير للسخرية أنها لا تملك أي قوة لتحقق مشروعها «الرجعي» فتفوض غيرها.. ويا أهلاً بالحذاء. إنه مآل طبيعي، ويناسب فئة وسطى، هي البنت البارة لصيغ «الدولة الوطنية»، تعاني من تحطم أسس حياتها مع العصف الثوري القائم، فلا تجد مخرجا لها إلا بالفاشية.

هذه «المدنية الديمقراطية» لا تصدر من بنية اجتماعية وفكرية مخالفة لبنية أنصار الأنظمة القائمة من عَبَدة الأحذية العسكرية، كما أنها لا تختلف عن الفكر الداعي لـ«الخلافة الإسلامية» إلا ببنية الترميز الثقافي، فهذه تقيم دولتها الأرضية على مطلقية «الوطن» و«العقل»، وتلك تقيم دولتها السماوية على مطلقية «الوحي» و«الدين»، وكلاهما يداعبان أحلام أشتات الفئة الوسطى المنحدرة بتجميد الزمن.


كاتب صحفي سوري

9