المأثور الشعبي الغنائي عابر للحدود لارتباطه بوجدان الإنسان

الموسيقى والأغاني الشعبية العربية وإن بدت مختلفة من بلد إلى آخر، إلا أنها تمثل نقاط التقاء عديدة بين شعوبها، ومن بين هذه النقاط ما تحمله كلماتها من قيم ثقافية ودينية مشتركة وما تصوره وتعبر عنه من أحداث الحياة اليومية لأن الواقع العربي خضع تقريبا إلى نفس المتغيرات عبر العصور إلى جانب تشابه الميول والذوق في الألحان والإيقاعات. والأغنية الشعبية في انتقالها شفهيا، بادئ الأمر، من جيل إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر ومن بلد إلى آخر، شكلت موروثا ثقافيا عربيا عابرا للحدود الجغرافية وللأجيال.
الاثنين 2015/11/16
استحضار الأغاني الشعبية يجلب معه الفضاء الفني القديم بديكوراته وملابسه

القاهرة- الأغنية الشعبية بكل مكوناتها ترتبط ارتباطا وثيقا بالحياة اليومية للناس وبما يعتمل في نفوسهم ووجدانهم وبما تعيشه المجتمعات وتشعر به، وهي كذلك تمثل خزانا لملامح حياة أجيال كاملة بأفراحها وطقوسها وشعائرها.

لذلك تعتبر الأغنية الشعبية من الأساسيات التي يحافظ من خلالها المجتمع على طابعه الثقافي، ويمارس في الوقت ذاته أرقى درجات الانفتاح تأثيرا وتأثرا بما أبدعه الآخر من إيقاعات وأهازيج تستحوذ على عاطفته وإعجابه وتجعله يعيد إنتاجها بما يتلاءم مع خصوصيات بيئته ولهجته.

وضمن أنشطة مؤتمر ومهرجان الموسيقى العربية الرابع والعشرين في القاهرة بمشاركة أكثر من 60 مطربا وعازفا عربيا، تحولت ندوة علمية عن المأثور الغنائي الشعبي العربي بمسرح دار الأوبرا بالقاهرة إلى ما يشبه حفلا موسيقيا عربيا مقارنا، حيث امتزج الشرح التحليلي بالاستشهاد الفني.

وقال خالد القلاف، أستاذ التراث الشعبي وتاريخ الموسيقى بالمعهد العالي للموسيقى بالكويت، إن الأغنية الشعبية مرآة يمكن التعرف من خلالها على سمات أي مجتمع وعاداته إذ يمكن “تحديد البقعة الجغرافية التي تنتمي إليها الأغنية وفقا للهجة أو الإيقاع”. ففي اللهجة الشامية تميل الأغنية الشعبية إلى البطء اللحني والإيقاعي، على عكس الإيقاع السريع للأغنية نفسها إذا ما أعيد إنتاجها في الخليج أو بلاد المغرب.

واستشهد ببضع أغنيات منها “حلوة وكذابة” لوديع الصافي، حيث عرض مقطعا بصوت الصافي ثم بصوت الكويتي غريد الشاطئ الذي أكسب الأغنية ما وصفه القلاف بالإيقاع الكويتي بعد إضافة إحدى الآلات إلى اللحن، وهو ما اتضح من غناء غريد الشاطئ أيضا لأغنية الصافي “بتروحلك مشوار”.

وقدم القلاف المقارنة نفسها بعرض “النسخة الأصلية والنسخة الكويتية” من أعمال تراثية منها “خفيف الروح” لفرقة الموسيقى العربية المصرية ثم لفرقة التلفزيون للفنون بالكويت.

وكذلك أغنية “عالهيلة” للسوري صباح فخري ثم لفرقة التلفزيون الكويتي التي استخدمت إيقاعات محلية وتصفيقا وتحويرا بسيطا في أداء أغنية “أم العوينة الزرقا” للمطربة التونسية سلاف والتي غنتها أيضا ليليا الدهماني.

وكانت هذه المقارنات طريقة استدلال القلاف على تأثر الأغنية الكويتية بالأغاني في باقي الدول العربية إيقاعا ولحنا وكلمة، وقال إن كثيرا من الأغاني الشعبية العربية “أثرت في الوجدان الكويتي.. ووصل ذلك حد تطويع بعضها في إطار من الفن الغنائي الشعبي الكويتي. كما تم تطويع إيقاعاتها بما يلائم الإيقاعات والضروب الكويتية مع إضافة كلمات عامية كويتية أيضا”. وأضاف أن الفنان الكويتي “يتلقى الأغاني ويضيف إليها الإيقاع الكويتي خوفا من اندثاره”.

الأغنية الشعبية مرآة يمكن التعرف من خلالها على سمات أي مجتمع وعاداته، إذ تحدد الفضاء الذي تنتمي إليه الأغنية

أما عن الأغنية الشعبية الأردنية فقد قال الأردني نضال عبيدات، أستاذ الموسيقى بجامعة اليرموك، “إن الأغنية في الأردن مرت بعدة مراحل منذ استقـلال المملكـة وإن الأغـاني المعاصرة تأثرت بالأغاني الشعبيـة التي دفعت معظم الشعراء والملحنين والمطـربين إلى اللجوء إليهـا في استلهام أعمـالهم الجديدة”.

وأضاف أن الأغنية الشعبية الأردنية تستخدم اللهجة المحلية وتميل إلى الوضوح والبساطة وأن لها آثارا واضحة على الأغاني المعاصرة “المستوحاة أو المقتبسة” ومنها أغنية شارك في أدائها الأردني عمر العبداللات والسورية أصالة نصري عام 2003 وقد كتب كلماتها عبداللات مستلهما إياها من التراث ويقول مطلعها: “يا مرحبا ويا هلا بابن الأصل والجود/ عبدالله صقر العرب والمملكة رجاله”.

وقال عبداللات إن الأغنية في بلاده يغلب عليها الطابع الوطني الذي ما يزال منتشرا “بشكل منقطع النظير.. فالأغاني الوطنية في الأردن تشكل ما يزيد عن 80 بالمئة من الأغاني الأردنية بشكل عام”.

وقالت رشا طموم، الأستاذ بأكاديمية الفنون بالقاهرة، إن هناك فريقا يرى استلهام التراث بحرية مقابل فريق ثان يتبنى الحفاظ عليه كما هو ويخاف من الطمس إذا استخدم التراث في غير سياقه.

وأضافت أن تراث بيتهوفن تجـاوز الثقـافة الألمانية والغربية وأصبح يقدم ثقـافات موسيقية حول العالم “دون خوف عليه” في إحالة على أن التراث الموسيقي العربي والعالمي والأغاني الشعبية التراثية لا يجب أن تظل جامدة بل يمكن توظيفها والاستعانة بها في الموسيقات والأغاني الجديدة. وتظل الأغنية الشعبية على تنوعهـا الناجم عن اختلاف المجتمعات العربية، لصيقة بوجدان الإنسان وبحياته اليومية وهي مرتبطـة ارتباطـا وثيقا بهـويتـه المحلية والعربية، غير أن الجـدل الـدائر اليوم حـول الموروث الموسيقي والغنائي يحوم حول تـركـه على طابعه الأول والأصلي أو استخدامه بإضفاء مـا طرأ على الموسيقى والإيقاع والكلمة مـن تتطور وتجدد.

12