المأذون الشرعي في العراق يزعزع كيان الأسر

الجمعة 2015/02/13
إبرام عقود الزواج عند المأذون الشرعي يقبر أحلام الفتيات

بغداد- تتعرض نساء العراق وفتياته بنسق تصاعدي إلى شتى الانتهاكات التي تمس من حقوقهن وكرامتهن وإنسانيتهن وتهدد وجودهن، وتنتشر في المجتمع العراقي ظواهر تزعزع كيان الأسرة، مثل ظاهرة الزواج خارج إطار المحكمة، ومنح المأذون الشرعي صلوحيات إبرام عقود الزواج وما ينطوي عليه هذا الإجراء من خطر على الفتيات والأمهات والأبناء.

رفض مجلس القضاء الأعلى، في العراق يوم 22 يناير الماضي، مقترحا قدمته إحدى المنظمات النسائية، يطالب بمنح المأذون الشرعي صلاحية إبرام عقود الزواج، وأكد مجلس القضاء على أن هذا الإجراء يبقى من اختصاص محاكم الأحوال الشخصية.

وكشفت رئيسة المركز العراقي لتأهيل المرأة وتشغيلها جنان المبارك، وهي أيضا مستشارة في المجلس الاستشاري لمنظمات المجتمع المدني، أن المركز استقبل عددا كبيرا من حالات الزواج خارج المحاكم، وضياع حقوق مهمة للمرأة وأطفالها نظرا إلى عدم امتلاكها ما يؤكد أنها متزوجة رسميا في محكمة الأحوال الشخصية، خاصة بعد فقدان الزوج.

وذكرت أن إحدى النساء النازحات من الموصل التي جاءت مع ابنها، لا تحمل عقد زواج مصدقا، كما أنها لم تغير هوية الأحوال المدنية من بكر إلى متزوجة، كما أن طفلها لا يمتلك هوية أحوال شخصية خاصة به.

عند موت الزوج، أو الطلاق، تجد الفتاة نفسها لا تمتلك وثيقة زواج رسمية، تؤمن حقوقها وحقوق أطفالها

وأشارت جنان المبارك إلى أن القضايا التي عرضت على العيادة القانونية منذ تأسيسها قبل ستة أشهر في المركز، والتي تخص الزواج خارج المحاكم، والتصديق على عقد الزواج، شكلت ما نسبته 18 بالمئة إلى 20 بالمئة من مجموع القضايا، وهي نسبة كبيرة، وأشارت إلى أن النازحات يشكلن النسبة الأكبر بين طالبي المساعدة من العيادة القانونية، وعدد كبير منهن لديهن قضايا تتعلق بعقود الزواج خارج إطار المحكمة.

وأكدت مبارك ضرورة منح المأذون الشرعي إجازة قانونية مشروطة بتحمله المسؤولية القانونية عن كل عقد يجريه، وترى أن هذا العقد ربما ينقذ نساء وأسرا وأطفالا، إذا ما اقترن بالتزامات قانونية تفرضها السلطات القضائية، وشددت على أن عقد الزواج خارج المحاكم وبصورته الحالية يؤدي إلى مشاكل أسرية لا حصر لها.

وشدد الخبراء على أن حقوق الزوجة على الزوج تتعرض إلى انتهاك على الرغم من إبرام عقد زواج رسمي أمام محكمة رسمية، وتساءلوا عن مصير الزوجة عندما يكون عقد زواجها مبرما أمام جهة “غير رسمية”، وهي المأذون الشرعي، وليس في محكمة الأحوال الشخصية.

وأكدوا أن منح المأذون الشرعي سلطة إبرام عقود الزواج سيؤدي حتما إلى إبرام عقود زواج مخالفة للأحكام الواردة في قانون الأحوال الشخصية عدد188 لسنة 1959، وخاصة في ما يتعلق بزواج القاصرات، الذي يمكن أن لا يمثل أي إشكال بالنسبة إلى المأذون الشرعي، في حين أن قاضي محكمة الأحوال الشخصية يعتبر بلوغ الفتاة السن القانونية للزواج، وهي سن الـ18، من الشروط الأساسية لإبرام عقد الزواج، ولم تشهد محاكم الأحوال الشخصية أي حالة لزواج القاصرات، على الرغم من انتشار هذه الظاهرة في المجتمع العراقي، الأمر الذي يؤكد صرامة المحاكم في تطبق هذا الشرط.

خبراء يشددون على أن حقوق الزوجة على الزوج تتعرض إلى انتهاك على الرغم من إبرام عقد زواج رسمي أمام محكمة رسمية

وتتفاقم مشكلة تزويج القاصرات عندما يكون عقد الزواج مبرما خارج إطار المحكمة، ويؤدي انتشار إبرام عقود الزواج عند المأذون الشرعي إلى تفشي العديد من المشاكل التي تمس كيان الأسرة، فبالإضافة إلى زواج القاصرات، تزداد حالات الطلاق، التي غالبا ما تؤدي إلى إنجاب الأبناء دون معرفة نسبهم.

ومن جانبه اعتبر رئيس السلطة القضائية الاتحادية القاضي مدحت المحمود منح المأذون الشرعي صلاحية إبرام عقود الزواج خطا أحمر وتعديا على السلطة القضائية الاتحادية.

ويرى المختصون أن هذا الطلب يعتبر ردة دستورية ونكسة قانونية، وأكدوا أن عقد الزواج من قبل المأذون الشرعي تم رفضه من قبل المجتمع العراقي منذ تشكيل الحكومة الوطنية سنة 1920، وأكدوا أن فصول الدستور والقانون واضحة في جعل هذا الأمر من اختصاص القضاء والمحاكم، ولا تقبل الدحض أو التأويل.

ويعتبر انتشار ظاهرة الزواج خارج أسوار المحاكم ظاهرة خطيرة في المجتمع العراقي، تؤدي إلى مشاكل عديدة، حيث تلجأ الأسر إلى تزويج القاصرات عند المأذون الشرعي، ولا يتم تسجيل العديد من هذه العقود في المحاكم الشرعية، وعند موت الزوج، أو طلاقه لزوجته أو هجرها، تجد الفتاة نفسها لا تمتلك وثيقة زواج رسمية، تؤمّن حقوقها وحقوق أطفالها.

وقد قامت ناشطات مؤخرا بحملة لاعتماد عقد الزواج الصادر عن مأذون شرعي وثيقة رسمية يمكن من خلالها للمتزوجة اعتمادها للمطالبة بحقوقها، حتى لو لم يكن العقد مسجلا في المحكمة.

وتبرر الصحفية عالية طالب هذا الطلب بأن مكاتب المأذون الشرعي منتشرة في بغداد والمحافظات، وتبرم هذه المكاتب عقود الزواج الدائم والمؤقت، وأن معظم العراقيين يعقدون زواجهم عند المأذون أو ما يعرف بـ(السيد)، إضافة إلى عقد المحكمة. وتساءلت عالية طالب إذا كانت السلطة القضائية ترفض هذه العقود، فلماذا لا تستخدم صلاحياتها القانونية وتمنع مكاتب المأذنونين الشرعيين؟ ودعت إلى الحذو بمصر وسوريا عندما منحتا إجازات قانونية للمأذون الشرعي على أن يزود المحاكم الشرعية بهذه العقود.

وأشارت طالب إلى أن منح إجازة قانونية للمأذون الشرعي سيقلص ظاهرة الزواج العشوائي بين الشباب، بعيدا عن المحاكم، والذي تذهب ضحيته الفتاة بعد أن يغرر بها.

منح المأذون سلطة إبرام عقود الزواج سيؤدي إلى إبرام عقود مخالفة للأحكام الواردة في قانون الأحوال الشخصية

واعترض الناشط الحقوقي حسن شعبان على السماح بالزواج خارج المحاكم، التي تضمن حقوق المرأة والطفل، واعتبر أن العقود المبرمة خارج المحكمة ربما تكون عرضة للمساومة واستلاب حق المرأة. وأكد أن الدوائر الرسمية لا تعترف إلاّ بعقد الزواج المصدق في محاكم الأحوال الشخصية.

وأوضح شعبان أن الزواج في المحكمة لا يتعارض مع الدين الإسلامي، بل على العكس، فهو يحقق أهم ركن في الزواج وهو الإشهار، ونبه إلى أن الزواج الذي يعقده المأذون الشرعي يسهّل للرجل الطلاق السريع، وعدم الاعتراف بحقوق الزوجة، وعدم الالتزام بالقوانين التي تتعلق بالأطفال والنفقة.

وتلجأ الأوساط الفقيرة إليه لتزويج القاصرات والشبان دون معرفة الأهل. ويعتبر المختصون أن اللجوء إلى المكاتب غير المرخصة لعقد القران تفاديا للإجراءات الروتينة، يشجع على تفشي ظاهرة الزواج خارج المحكمة.

21