المأذون المزيف في مصر يزف الأزواج إلى قفص الأزمات

4 آلاف مأذون غير شرعيين يبرمون عقودا لزيجات غير قانونية في المناطق الريفية والشعبية في مصر.
الاثنين 2020/02/24
استقرار مؤقت

أعلن مجلس النواب المصري عن إحصائية صادمة، تتعلق بوجود أكثر من 4 آلاف مأذون مزيف أصبحوا بمثابة أبواب خلفية لزفاف القاصرات وإتمام الزيجات غير القانونية في المناطق الريفية والشعبية، وتورطوا في إبرام الآلاف من عقود الزواج المزورة لعدم وجود آلية واضحة تنظم عمل المأذونين في البلاد.

القاهرة - فوّض البرلمان في مصر لجنة الشؤون الدينية في المجلس، بإدخال تعديلات على قواعد عمل المأذونين للقضاء على ظاهرة المأذون المزيف، وتفعيل القانون الخاص بمنع زواج الفتيات ممن تقل أعمارهن عن 18 سنة، وإلزام وزارة العدل بسرعة رقمنة جميع إجراءات الزواج.

وقال شكري الجندي، وكيل لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب، الجمعة، إن المقترح الأقرب إلى التطبيق توثيق عقود الزواج قبل يوم الزفاف، ولا يزف العريس والعروس إلا بعد قيام المأذون بتسليم أسرتيهما ما يثبت أن عقد القران مثبت في سجلات الحكومة.ويتعارض المقترح البرلماني لحل الأزمة مع انتشار ظاهرة إبرام عقود الزواج يوم الزفاف، لخوف أسرة الفتاة من أن تحمل لقب مطلقة، إذا ما نشب خلاف ينتهي بالانفصال قبل حلول الموعد الرسمي لإتمام العرس.

وقدم عدد من أعضاء البرلمان العشرات من الوثائق التي تثبت وجود زيجات مزيفة تم اكتشافها بالصدفة بعد فترة طويلة من الزواج، ولا يعرف أصحابها ماذا يفعلون، خاصة أن أسرتي الشاب والفتاة يكتفيان بالحصول على عقود القران من المأذون دون التحري عن توثيقها.

وتجرى حاليا محاكمة معلم مصري انتحل صفة مأذون شرعي في محافظة الفيوم، جنوب غرب القاهرة، وقام بتزويج مئتي فتاة قاصرة خلال عامين، أيّ أن هناك 200 شاب وفتاة يعيشون معا وربما أنجب بعضهم أطفالا بأوراق زواج مزورة، ولو نشب خلاف أسري بين القاصر وزوجها قد لا تستطيع إثبات الزيجة.

غالبية الشخصيات التي تنتحل صفة المأذون، أئمة مساجد يتعامل معهم البسطاء باعتبارهم الفئة الأكثر صدقا

وينتشر المأذون المزيف في الأوساط القروية والشعبية بحكم أنه لا يتشدد في الحصول على مستحقات مالية مرتفعة، فضلا عن أنه لا يطلب ما يثبت وصول الفتاة إلى السن القانونية، لذلك تلجأ أسر إلى إليه لإضفاء شرعية على الزواج.

وأكد محمد “ع”، وهو اسم مستعار لمأذون شرعي في محافظة البحيرة، شمال القاهرة، أن المأذون المزيف غالبا ما يعمل تحت غطاء مأذون شرعي، حيث يمده بما يحتاجه من دفاتر رسمية وأختام موثقة وبعضهم يروج في المنطقة أنه أحد مساعديه، مقابل أن يتم تقاسم المبالغ المالية التي يتم الحصول عليها.

وأضاف لـ”العرب” أن خوف المأذونين الشرعيين المعتمدين لدى وزارة العدل من خسارة الوظيفة أو الحبس في حال إبرام عقد زواج لفتاة لم تبلغ السن القانونية، يدفع الأهالي إلى اللجوء إلى مأذون لا يتشدد في الإجراءات، وينفذ ما يُطلب منه، وفي الحقيقة يكون مزيفا.

وكشف أن أغلب الشخصيات التي تنتحل صفة المأذون، أئمة مساجد يتعامل معهم البسطاء على أنهم الفئة الأكثر صدقا، ويضفي إبرام عقود الزواج عن طريقهم على الزيجة طابعا إسلاميا، وهو ما يروج له السلفيون المتشددون ولفكرة تزويج القاصرات بذريعة السترة.

عقود زواج مزيفة
عقود زواج مزيفة 

وتتحجج وزارة العدل المصرية بعدم وجود بنية تكنولوجية لتطبيق مشروع رقمنة إجراءات الزواج، ما يعني أن أي حلول أو إجراءات يصادق عليها البرلمان بعيدا عن هذه الخطوة، لن تقضي على ظاهرة المأذون المزيف، طالما أصبح من السهل تزييف الأوراق الرسمية.

وتتجاوز خطورة المأذون المزيف، مجرد إبرام عقود زواج لفتيات لم يتجاوزن السن القانونية، بل إن هناك أزمات أسرية أكبر من ذلك ترتبط باكتشاف بعض النساء أن زواجهن غير موثق، والأخطر أن بينهن من تلجأ إلى الطلاق وتكتشف أن مصلحة الأحوال المدنية ما زالت تعتبرها عذراء.

وقال محمد رزق، وهو مواطن ستيني يعيش في حي المطرية الشعبي بالقاهرة، واعتاد التدخل في فض النزاعات الأسرية بطرق ودية، إن خلافا نشأ بين زوجين وتم الاتفاق على الانفصال رسميا دون إنجاب أطفال، وعندما حضر المأذون الشرعي لإتمام الطلاق، فوجئت الزوجة بأن عقد زواجها لم يوثق من الأساس.

وأوضح لـ”العرب” أن عائلة الفتاة التي تريد الطلاق، اكتشفت بعد مرور عامين أن المأذون الذي أبرم عقد الزواج مزيف، وهو ما اتخذه الزوج ذريعة للانتقام منها، بأن تبرّأ من الزيجة، وهو ما يعني أن زوجته لن تحصل على لقب مطلقة، لأنها لا تمتلك وثيقة الزواج.

وأضاف أنه بعد تدخل كبار العائلتين، تم إبرام عقد زواج جديد وتوثيقه، وقام نفس المأذون بعد يومين بتوثيق الطلاق، ما يبرهن على خطورة استمرار المأذونين المزيفين الذين يتسببون في أزمات أسرية غالبا ما تكون المرأة هي الضحية الأكثر تضررا.

وكشف محمد حافظ، وهو محام متخصص في قضايا النزاعات الأسرية لـ”العرب”، أن اشتراط المأذون الشرعي الحصول على مبالغ مالية كبيرة من أهل الزوج، سبب رئيسي في انتشار المأذون المزيف الذي يرتضي بالقليل من المال، وبالتالي فهو يلعب على وتر حاجة الأسر البسيطة إلى تخفيض نفقات الزواج.

وأشار إلى أن أزمة البرلمان والحكومة في مصر، تتمثل في أنهما لا يتعاملان مع ملف المأذونين المزورين بجدية، ولا يتخذان مواقف صارمة حيالهم رغم الكوارث الأسرية التي تحدث يوميا بسببهم، فماذا تفعل الفتاة التي تزوجت بعقد غير موثق، إذا تنصل منها زوجها؟

ونبه إلى أن هناك معضلة أخرى سهلت انتشار المأذون غير الشرعي، تتمثل في أن مكاتب تسجيل الأطفال، لا تطلب عقد الزواج أو تلزم الأب بإحضار ما يثبت توثيق الزيجة، أيّ أن المأذونيين المزورين يدركون أن حيلهم في النصب لن تُكتشف إلا بالصدفة وبعد فوات الأوان.

21