المأزق الأوكراني يتحوّل إلى أزمة عالمية بعد تدخل روسيا وتردد الغرب

الثلاثاء 2014/03/04
الكسندر زادوستنوف قائد مجموعة "ذئاب الليل" التي أطلقها بوتين في أوكرانيا

الإطاحة بالرئيس الأوكراني المنتخب، فيكتوريانوكوفيتش، بانقلاب شعبي وهروبه من العاصمة الأوكرانية، كييف، لم تكن نهاية المطاف في استقرار الحالة السياسيّة في هذا البلد المنقسم على نفسه بين ملتاع على ماض تولىّ ومنبهر بمستقبل زاهر ينتظره.

في أوكرانيا تتباين الولاءات والرؤى، ففي هذا البلد تعيش أقليّة من أصل روسي تقطن في المناطق الشرقية من البلاد وفي إقليم شبه جزيرة القرم الواقعة في الجنوب. الولاء العام لهذه الأقلية، التي شعرت بالاضطهاد والخوف على إثر الانقلاب الأخير، هو لروسيا، حيث كان هذا واضحا من خلال التحرك الشعبي في شبه جزيرة القرم التي استنجد برلمانها بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من أجل حماية هذا الإقليم من حكومة كييف المؤقتة والموالية للغرب.

على النقيض من ذلك، هناك الطرف الآخر من الأوكرانيين، في المناطق الغربية، الذين يتوقون إلى حياة أفضل وتتوجه أنظارهم نحو الغرب وعلى الخصوص دول الاتحاد الأوروبي طامحين في أن يكونوا جزءا من هذا الاتحاد لتلافي معاناة اقتصادية ومالية طال أمدها وتمادى أمرها وأملا في رفاه اجتماعي واستقرار سياسي.

هذا التباين المجتمعي في الانتماء السياسي بين من يوالي روسيا وبين من يوالي الغرب جعل هذا البلد عرضة لتقاطع المصالح بين الدول العظمى المتنافسة في ما بينها وعرضة لصراعات الإرادات الخارجية حوله، فصراع المصالح بين روسيا والغرب على هذا البلد بلغ أوجه وينذر بمضاعفات وخيمة إن لم تخلق الحلول الدبلوماسية العقلانية لتلافي تداعيات الموقف.


مصالح روسيا


لروسيا مصالح استراتيجية مهمة في أوكرانيا قد تفوق مصالح الغرب فيها، فجغرافيّا تلاصق أوكرانيا روسيا وتفصلها عن دول حلف الناتو ودول الاتحاد الأوروبي. كما أن الانتماء المستقبلي لهذا البلد لدول الاتحاد الأوروبي ولحلف الناتو يعتبر تهديدا استراتيجيا كبيرا لروسيا، فليس من المستغرب حينئذ أن تنّصب في أوكرانيا قواعد عسكرية تابعة لحلف الناتو تعتبرها روسيا تهديدا لاستقرارها وسلامتها. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن موقع إقليم القرم الاستراتيجي على البحر الأسود يعطي تسهيلات مهمة للأسطول البحري الروسي المرابط هناك حيث لا تستطيع روسيا أن تستغني عن ذلك بأي شكل من الأشكال. وفوق هذا وذاك فروسيا لا تفرّط في انتماء أهل الإقليم لها وكذلك سكان المناطق الشرقيّة من أوكرانيا الذين يشكل الروس غالبيتهم والذين طالما يعلنون الولاء لروسيا ويستنجدون بها في أيامهم الصعبة المؤلمة. أما الغرب فمصالحه في أوكرانيا قد لا تتعدى تجريد المنافس الروسي من قواه الاستراتيجية، فضم أوكرانيا إلى دول الاتحاد الأوروبي ومن ثم إلى حلف الناتو يعني تجريد الروس من مصالحهم في هذا البلد من جهة وتوسيع امتداداتهم العسكرية نحو أقرب نقطة لروسيا.

هبّ الروس ومن دون تردد إلى تلبية نداء إقليم القرم الذي جاء على لسان برلمانه، ضاربين عرض الحائط بالتحذيرات الغربية بهذا الشأن.

التدخل العسكري الروسي في إقليم القرم، في نظر الروس، هو شرّ لابد منه، حيث يبدو وكأنهم ركبوا طريقهم ومستعدون لتحمل النتائج مهما كان نوعها وطبيعتها وكمّها. وما بقي للمراقب للأوضاع إلاّ أن يجمع ويطرح ويخرج باحتمالات الموقف ونتائجه، فكل فكرة واردة وكل احتمال ممكن وكل سيناريو محتمل وإن اختلفت نسب احتمالات الحدوث.

التباين في الانتماء بين من يوالي روسيا وبين من يوالي الغرب جعل أوكرانيا عرضة لتقاطع المصالح بين الدول العظمى


الحل الدبلوماسي


بعد التدخل العسكري الروسي في إقليم القرم وفرض السيطرة الكاملة عليه سيكون للروس اليد العليا في فرض الرأي واجبار الطرف الآخر على التفاوض من منطلق قلّة الحيلة أو الاستجابة للأمر الواقع. فالروس لا يخشون تورط الغرب في صراع عسكري معهم، لأن أوكرانيا ليست دولة من دول حلف الناتو كي يجد الغربيون أنفسهم مضطرين إلى الدفاع عنها، كما أن الصراع العسكري مع روسيا ليس صراعا عسكريّا مع العراق أو أفغانستان، فروسيا دولة عظمى وليس من مصلحة الغرب التورط في أي نزاع عسكري معها. هذه الحقيقة جعلت الروس لا يترددون في استخدام القوة والتلويح بها أمام الناتو، فهي لا تخشى ردة فعل مماثلة من الغرب. في هذا الإطار سيستخدم الغرب وسائل الترغيب والترهيب غير العسكرية ضد روسيا من أجل إيجاد حلول سلميّة للمأزق الأوكراني قبل تفاقم الموقف وحصول المضاعفات.

قد ينجح الغربيون، وباستخدام وسائل الوساطة والدبلوماسية، في إيجاد حلول وسط لكافة الأطراف تحفظ ماء الوجه وتبدد المخاوف المنبعثة من كل طرف. قد تبنى أسس الحلول السلميّة على خارطة طريق تتم من خلالها معالجة مشاكل أوكرانيا العالقة، من استقرار سياسي ووفاق اجتماعي وتسهيلات مالية واقتصادية، لهذا البلد المتدهورة أوضاعه.


النزاع العسكري الأوكراني الروسي


قد يحصل النزاع العسكري الأوكراني الروسي على غرار ما حصل في جورجيا عام 2008. فالجيش الأوكراني يعتبر من الجيوش القوية والكبيرة في المنطقة وربما يأتي في الدرجة الثانية بعد الجيش الروسي. التدخل العسكري الروسي في إقليم القرم يعتبر انتهاكا للسيادة الأوكرانية على ترابها وأراضيها ويتوجب على الأوكرانيين الدفاع عن حدودهم بشتى الوسائل والطرق ومن ضمنها استخدام الآلة العسكرية. رغم أن النزاع العسكري بين الطرفين ليس لصالح أي طرف إلاّ أن الطرف الأوكراني سيكون المتضرر الأكبر في هذا النزاع إن حصل، وذلك لعدة أسباب، أهمها:

ضم أوكرانيا إلى دول الاتحاد الأوروبي ومن ثم إلى حلف الناتو يعني تجريد الروس من مصالحهم في هذا البلد

- أولا، الجيش الأوكراني سينقسم على نفسه بين موال للنظام في كييف وبين معارض له حاله حال تباين الشعب، وهذا ما سيضعف رصانة الجيش وقابليته للمعركة.

- ثانيا، الأوكرانيون غير مستعدين لخوض الحرب بسبب كساد الحالة الاقتصادية وارتباك الحالة الاجتماعية والمعيشية وإفلاس خزائن الدولة ونقص المؤن والإمدادات. كما أن مساعدات الغرب، مهما كبرت، سوف لن تفي بالغرض المطلوب.

- ثالثا، الحكومة المؤقتة وإن كانت مدعومة من الغرب فستبقى ضعيفة وهشة وغير قادرة على تحمل أعباء الحرب الثقيلة. رابعا، سيجد الجيش الأوكراني أنه يتصارع مع من هو أقوى وأكبر عدة وعددا منه، وهذا ما سيثبط العزائم ويضعف الروح المعنوية للمقاتلين. لا يبقى أمام العقلانية الأوكرانية إلاّ البحث عن الحلول السلمية والاستنجاد بالضغوط الغربية والعالميّة على روسيا من أجل التوصل إلى حدود وسطى ترضي الجميع.


التقسيم


إن لم تسفر المفاوضات السلمية بين الأطراف عن وفاق صائب يلّم الشمل، فقد تؤول الأمور إلى تقسيم أوكرانيا إلى مناطق تتمتع بحكم ذاتي كبير الصلاحية أو إلى انفصال كامل لمناطق أو أقاليم كإقليم القرم الذي ربما يلتحق بالوطن الأم روسيا ليضمن السلامة والأمان. علما أن إقليم القرم كان تابعا لروسيا سابقا وقد أهداه الزعيم السوفيتي خروشوف عام 1954 إلى أوكرانيا السوفيتيّة. لن تكون عمليّة التقسيم سلسة وسهلة، إنما ستكون معقدة وصعبة بسبب التداخل الاجتماعي وامتزاج الأقليات، كما أن عمليّة التقسيم ستكون متوازية مع شد سياسي وعدم استقرار بين الروس والغرب مما قد يعيد أيام الحرب الباردة من جديد.


إفلاس الدولة


نظرا إلى الوضع السياسي المضطرب والوضع الاقتصادي المتردي ونتيجة للديون المتراكمة وخلو خزائن الدولة من العملة فإنه من الوارد والمحتمل أن تسقط أوكرانيا في طائلة الإفلاس وهذا ما سيزيد الطين بلّة. فرغم الإشارات الإيجابية التي تلقتها أوكرانيا من الغرب وعلى الخصوص دول الاتحاد الأوروبي في الإعانة المالية وضخ المليارات، إلآ أن المراقب للأوضاع يبقى في تساءل مع نفسه حول صدق الوعود الأوروبية. أوكرانيا تحتاج إلى حزمة مالية كبيرة تقدر بخمسة وثلاثين مليار دولار من أجل الوقوف أمام احتياجاتها، هذا المبلغ الكبير قد يزيد كثيرا عن حجم المساعدات الأوروبية المحتملة. فأوروبا لم تخرج متعافية من علل الكساد الاقتصادي والصعوبات المالية التي تهددها بعد، ولا زالت اليونان ومالطة وأسبانيا والبرتغال وأيرلندا وإيطاليا مهددة بصعوبات ماليّة حقيقيّة، فكيف بها أن تهب المليارات إلى دولة خارجة عن حدود اتحادها؟

7