المأزق العسكري يجبر السراج على الرضوخ للحل السياسي

رئيس حكومة “الوفاق” في ليبيا فايز السراج يتراجع عن موقف التصعيد الذي روّج له في بداية المعارك ويقول إن الحل الوحيد سياسي .
السبت 2019/06/15
السراج يناور بورقة التفاوض

فشلُ ميليشيات طرابلس في طرد الجيش الليبي من مواقعه في العاصمة، إضافة إلى تزايد الضغوط الخارجية عليها بعدما صوّت مجلس الأمن على تمديد تفويض الدول الأعضاء الخاص بتفتيش سفن يعتقد أنها تنتهك حظر توريد الأسلحة، يجبر رئيس حكومة “الوفاق” على الرضوخ للحل السياسي.

طرابلس  – يتطلع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة “الوفاق” فايز السراج إلى مخرج سياسي للمأزق العسكري الذي يتخبط فيه في ظل صمود الجيش في مواقعه التي نجح في السيطرة عليها في العاصمة وخاصة مطار طرابلس الدولي، رغم المحاولات المتكررة للميليشيات منذ أكثر من شهرين لإجباره على الانسحاب والعودة إلى شرق البلاد، مقر القيادة العامة.

وبحث وزير الخارجية بحكومة “الوفاق” محمد طاهر سيالة مع المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، تحضير مبادرات جديدة لتسوية الأزمة في ليبيا.

وقال بيان لوزارة الخارجية الروسية “خلال المباحثات أبلغ سيالة، بوغدانوف عن تحضير مبادرات جديدة من قبل حكومة الوفاق لتسوية الأزمة الليبية”. وأوضح البيان أن “المحادثات جاءت بمبادرة الجانب الليبي”.

وتعكس الخطوة رضوخ حكومة “الوفاق” للحل السياسي، بعدما رفضت في بداية المعركة مطالب دولية بضرورة وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات، مشترطة انسحاب الجيش من المواقع التي سيطر عليها في تخوم طرابلس، وهو ما وصف بالشرط “غير الواقعي” واعتبر تمسكا منها بالقتال.

ويبدو أن السراج قد وقف أخيرا على إنهاك قواته عقب أكثر من شهرين من القتال، حيث نفذت الميليشيات 25 عملية فاشلة لاستعادة مطار طرابلس الدولي منذ بدء المعارك في 4 أبريل الماضي.

وتؤكد قيادات عسكرية في الجيش الليبي على أن العمل يجري على استنزاف قوة الميليشيات تمهيدا لاقتحام العاصمة.

ويتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أنباء عن تحشيدات ضخمة للجيش جنوب طرابلس استعدادا لعملية الاقتحام التي يبدو أنها باتت وشيكة.

وفي تصريحات إعلامية الخميس تراجع السراج عن موقف التصعيد الذي روّج له في بداية المعارك، حيث أكد أن “الحل الوحيد سياسي، لا يوجد حل عسكري”.

وقال في لقاء مع قناة “سكاي نيوز24” الإيطالية “كان كل شيء جاهزا للمؤتمر الوطني الجامع، كنا قريبين من الحل” عبر الوساطة الأممية، ولكن “هاجمنا (الجنرال خليفة) حفتر، هاجم طرابلس، هاجم شرعية حكومتنا وإمكانية إيجاد حل سياسي”.

كما غيّر موقفه الرافض للجلوس مع القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر قائلا “ما زلنا نؤمن بأنه يجب على جميع الليبيين، بمن فيهم حفتر، الجلوس على طاولة الحوار والاستماع إلى الطرف الآخر، دون استبعاد أي شخص”.

وعقب ذلك أجرى السراج مباحثات مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني التي أكدت عقب اللقاء على ضرورة حل الأزمة سياسيا.

من يقاتلون الجيش الليبي اليوم أغلبهم من المجموعات الإرهابية وهو ما يجعل قبول التفاوض معهم أمرا صعبا

وطالب السراج الاتحاد الأوروبي بالضغط على الدول الداعمة للجيش، وهو المطلب الذي فهم على أنه بحث عن وساطة أوروبية للخروج من مأزق الحرب.

وفي محاولة لاستعادة ثقة الاتحاد الأوروبي، بدأت حكومة “الوفاق” في تجديد تراخيص شركات النفط التي لوّحت في مايو الماضي بإيقافها عقب زيارة السراج إلى أوروبا وصفت بـ”الفاشلة”، حيث دعته أغلب الدول التي زارها إلى ضرورة وقف إطلاق النار دون شروط وفي مقدمتها فرنسا.

وقال علي عبدالعزيز العيساوي، وزير الاقتصاد الليبي في حكومة “الوفاق”، إن توتال الفرنسية وشركات أجنبية أخرى بدأت بتجديد تراخيص أعمالها لدى الحكومة الليبية المُعترف بها دوليا بهدف مواصلة العمل في البلاد.

وفي مايو علقت وزارة الاقتصاد عمل توتال و39 شركة أجنبية أخرى، قائلة إن تراخيصها انتهت قبل أن تمنحها فترة سماح لمدة ثلاثة أشهر لطلب تراخيص جديدة.

وجاء موقف حكومة “الوفاق” بعدما صوت مجلس الأمن الأسبوع الماضي لصالح تمديد تفويض الدول الأعضاء الخاص بتفتيش سفن يعتقد أنها تنتهك حظر توريد الأسلحة قبالة سواحل ليبيا، وهو ما يعني فعليا إيقاف تدفق الأسلحة التركية للميليشيات في طرابلس.

ويعكس خلو بيانات الاتحاد الأوروبي من العبارات الداعمة لحكومة “الوفاق” تبدّل موقفه تجاهها لصالح الجيش.

ويرجع مراقبون ذلك التغير إلى ارتباط السراج بالمجموعات الإرهابية كـ”سرايا الدفاع عن بنغازي” والمهربين والميليشيات. وينظر هؤلاء إلى مساعي حكومة “الوفاق” لاستئناف المفاوضات على أنها جاءت متأخرة لاسيما بعدما استغلت مجموعات مصنفة إرهابية المعارك للعودة إلى طرابلس، حيث أن من يقاتلون الجيش اليوم أغلبهم من المجموعات الإرهابية وهو ما يجعل من قبول التفاوض معهم أمرا صعبا.

وقال عضو مجلس النواب محمد العباني، إن المجموعات التي تحمل السلاح في طرابلس ليست محاورة ولا إمكانية للوصول معها إلى سلام.

وتعكس تصريحات العباني تراجع مجلس النواب ومن خلفه الجيش عن قبول العودة إلى طاولة المفاوضات الذي لوح به عدة مسؤولين الشهر الماضي.

وقال رئيس البرلمان المتحالف مع الجيش عقيلة صالح إنه لا يمكن إجراء محادثات سلام قبل السيطرة على العاصمة. وأضاف “الجيش كان بإمكانه أن يقوم بعملية قوية واستعمال كل أنواع الأسلحة ولكن هؤلاء ليبيون ونحافظ على أي قطرة دم مهما كان”.

ورفض أي اقتراح بانسحاب الجيش الوطني الليبي أو الموافقة على وقف إطلاق النار. وقال “العملية (العسكرية) يجب أن تحسم. الحل السياسي يجب في كل الأحوال أن يأتي حتى بعد تحرير العاصمة الليبية”.

وتابع “إذا كان أحد يستطيع أن يخرج هذه الجماعات بسلام، الجيش يرجع إلى ثكناته وتشكل حكومة وحدة وطنية وكل شيء لكن لن يستطيع السراج أن يأمر هذه الجماعات بالخروج من العاصمة”.

4