المأزق الليبي: معركة طرابلس تضع المجتمع الدولي أمام ضرورة الحسم

العديد من الليبيين يميلون للمراهنة على حفتر لعدم وجود بدائل أخرى، آملين في أنه لن يعيق العملية السياسية الهادفة إلى تحقيق تسوية نهائية إذا فاز.
السبت 2019/04/20
حان الوقت

تأتي عملية الجيش الليبي للتقدم نحو طرابلس لتخليص البلاد من قبضة الميليشيات. ويعلم الليبيون أن تقدم الجيش الليبي لن يتحقق دون تكلفة في الموارد وفي حياة المدنيين، لكنهم مقتنعون بضرورة إخراج البلاد من حالة الفوضى التي تسبب فيها تدخل حلف الناتو والغرب في شؤونها في مراحل حساسة من تاريخها من دون إستراتيجية خروج مناسبة.

 طرابلس – أدت الحملة العسكرية التي قادها حلف شمال الأطلسي سنة 2011 في ليبيا إلى الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي. وكانت فرصة تاريخية لتفوز ليبيا بذلك النظام الديمقراطي الذي روج الغرب له كثيرا، لكن اتضح أنها فرصة ضائعة بعد أن انسحب الغرب تاركا البلاد رهينة بين أيدي الميليشيات ودون خطة ومع فراغ خطير خانق في القيادة.

تتجلى ملامح تلك المرحلة واضحة اليوم فيما يخوض الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر معركة مصيرية من أجل استعادة طرابلس من أيدي الميليشيات في خطوة مصيرية تضع حتما البلاد على طريق الاستقرار، وهو الأمر الذي يبدو أن القوى الدولية تعيه جيدا وهي تتابع باهتمام ما يجري في ليبيا، هذا البلد ذو الأبعاد الإستراتيجية الهامة، فهي مصدر رئيسي للنفط العالمي، حيث تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، وسواحلها مركز رئيسي للهجرة غير الشرعية، ومنها تنشط العناصر الجهادية، وهي مدخل رئيسي إلى أفريقيا.

ومع وجود القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا والفيلق الأجنبي الفرنسي على حزام يمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، ومع دخول القوات الصينية والروسية إلى الصومال وغيرها من الدول الأفريقية، وتدخل بريطانيا في شؤون مستعمراتها السابقة، من المتوقع أن تشهد ليبيا في الأيام القادمة تطورات حاسمة تصب في صالح الحرب ضد الميليشيات وترسيخ كفة الجيش.

غموض ولكن...

معركة مصيرية من أجل استعادة طرابلس من أيدي الميليشيات
معركة مصيرية من أجل استعادة طرابلس

يتقدم حفتر نحو طرابلس، مدفوعا بما حققه من نجاحات سابقة في تأمين سيطرته على المنشآت النفطية في المناطق الوسطى والجنوبية من البلاد وزيادة الإنتاج هناك وتأمين مرافق الموانئ على البحر المتوسط​​ لشحن الموارد نحو الأسواق العالمية.

ويشير المحلل السياسي الأميركي كلود صالحاني إلى أن قائد الجيش الليبي يستمد قوته من دعم شعبي حيث يميل العديد من الليبيين للمراهنة على حفتر لغياب البدائل الأخرى، آملين في أنه لن يعيق العملية السياسية المؤدية إلى تسوية نهائية إذا فاز.

ويضيف صالحاني أن الدبلوماسيين الفرنسيين والروس يراهنون على فوز حفتر في المواجهة العسكرية أو على استنزاف الحرب لقوى الميليشيات وحكومة الوفاق ما سيؤدي إلى سعيه لإيجاد حل سلمي، فيما يذهب المحلل الأميركي جون سي.كا. دالي إلى القول إن أجندة حفتر نالت استحسان الحكومات الأجنبية في قتالها ضد القوى الإسلامية المتشددة، وخاصة تلك المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية.

وتتعامل بعض القوى الدولية بحذر مع ما يجري في ليبيا الآن، وتكتسي غالبية مواقفها بدرجة من الغموض. وتبدو الدول الرافضة لدخول قوات الجيش الليبي طرابلس محتفظة لنفسها بقدر من الليونة دفاعا عن مصالحها مستقبلا. كما أن الدول المؤيدة ضمنيا تصمت أحيانا أو تتجه لكبح مناورات القوى الرافضة.

وأوحت هذه الحالة بأن هناك تقديرات سياسية وتفاهمات عسكرية، وربما أسرارا سياسية وعسكرية، لا يريد البعض الحديث عنها أو الخوض فيها مباشرة، ما دفع لأن يعقد مجلس الأمن اجتماعا مغلقا بشأن ليبيا الخميس كي تكون المناقشات بحرية أكبر بين الدول المعنية.

وأدى اقتناع الكثير من الدوائر بأن الجيش الوطني الليبي يقود معركة ضد المتطرفين والميليشيات المتحالفة معهم إلى تخفيف حدة الضغوط الواقعة على قائده المشير خليفة حفتر، لأن الدول المتحفظة عليه لن تجرؤ على الإدانة الصريحة لعمليات الجيش الجارية تحت شعار مكافحة الإرهاب في طرابلس، ففي هذه الحالة سيتم تصويرها على أنها متناقضة، فهي تعلن أنها تخوض حربا ضد الإرهاب، وفي الوقت نفسه ترفض دعم من يعملون على كبح جماحه.

 التقدم على جبهة طرابلس

غراف

 

تراهن قيادة القوات المسلحة الليبية على تحقيق المزيد من التقدم على جبهات طرابلس الوعرة قريبا، ونجاحها في تقليل الخسائر البشرية، لكسب تأييد أوسع من المجتمع الدولي، خاصة أن الطرف المقابل، أي المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق ومجلس الدولة والقوى الداعمة لهما، يتم النظر إليهم على أنهم متعاونون وربما متحالفون مع عناصر إرهابية، الأمر الذي انعكس على تراجع الدعم السياسي للحكومة التي أخفقت في إدارة المرحلة الماضية.

ونجحت دبلوماسية قائد الجيش الليبي في كسب مؤيدين لعملياته في العلن، خاصة الزيارة التي قام بها إلى موسكو وتلاها بزيارة للقاهرة، الأسبوع الماضي، وأكدتا أنه يتصرف بموجب دعم ليس هيّنا، وفهم كثيرون أن الاستقبال الحافل الذي حظي به في مصر من جانب الرئيس عبدالفتاح السيسي، رسالة دعم مادية ومعنوية له، بخلفيات إقليمية ودولية.

وكشفت مصادر لـ”العرب” أن بعض المواقف التي اتخذتها الولايات المتحدة، أوحت أنها لا تمانع من تجفيف منابع الإرهاب في طرابلس بالطريقة التي يقوم بها المشير حفتر، وفي مقدمتها قيام القوات الأميركية العاملة في أفريقيا (أفريكوم) بالمساعدة في إجلاء عدد من البعثات الدبلوماسية في طرابلس قبل بدء عملية الجيش الليبي.

كما أن اللقاء الذي عقده السفير الأميركي بيتر بودي مع فايز السراج رئيس حكومة الوفاق في طرابلس، ورافقه فيه قائد (أفروكوم) توماس والدهاوزر، كان تحت حراسة أمنية مشددة لحد المبالغة. وحمل الإجلاء واللقاء اللذان عقدا قبل أيام من عملية طرابلس، رسالة مهمة، مفادها أن طرابلس غير آمنة، وأن المتطرفين يسيطرون عليها، وبالتالي فهي بحاجة لمن يكسر شوكتهم، وهو ما منح ضوءا أخضر للجيش الليبي لأن يجهز على الإرهابيين.

7