المأسسة هي الحل يا خادم البيتين

الخميس 2013/12/26

في مجلس ضم عدداً من المتقاعدين من بعض الوزارات تركزت الحواس على كلمة خادم الحرمين الشريفين بعد إعلان الميزانية. جاءت الكلمة تلقائية ونقية تعكس صفاء نفسه ونبل معدنه. كلمات خرجت من القلب لتدخل القلب، وجه فيها وزراءه إلى فتح أبوابهم للشعب، وطلب منهم مراقبة الله سبحانه وتعالى ورعاية الأمانة وحفظها. اتفق الجميع في مجلسنا على الإشادة بها، وانتقل الحديث إلى الميزانيات المتعاقبة وأرقامها الضخمة وتساءل البعض عن سبب عدم لمسهم لأثرها. أعاد البعض الآخر السبب في ذلك إلى الفساد الإداري والمالي وعجز الوزراء عن مكافحته، إلا أن أحدهم اختلف مع زملائه بالقول إن الوزراء- في الغالب- قادرون على كبح الفساد الإداري أو المالي والقضاء عليه متى ما ظهر، إلا أن الأخطر هو الفساد المؤسساتي الذي قد يشترك فيه بحسن نية بعض من يتصف بالنزاهة دون علمه أو معرفته أو نتيجة لقصوره المعرفي الإداري. ولعلنا خلصنا إلى ما يشبه الاتفاق بأن المشكلة لم تكن في الهرم أو القاعدة بل في القيادات العليا والمتوسطة، وتحديداً في آلية وصول تلك القيادات إلى مواقع المسؤولية وتكوين “الشللية” في الهيكل التنظيمي للوزارات والأجهزة الحكومية.

ويمكن القول إن “الشللية” الإدارية أشبه ما تكون بالمافيا داخل الجهاز الحكومي وتمثل جهازاً مستقلاً عن الجهاز الأم وتعمل على إقصاء كل من يعمل في إطار النظام الأساسي، وتقريب كل من يصادق على أن الجهاز وطاقمه ضمن الأملاك الخاصة للمتنفذين فيه.

مافيا الفساد المؤسساتي لا يمكن القضاء عليها ما لم يتم تغيير آلية الترقيات للمناصب القيادية لأن نظام الترقيات الحالي الذي يتم على أساس (أهل الثقة) و(من يحبون) يساهم في استمرارية تكوين الشبكات داخل الجهاز الحكومي، بل ويجعل من أمر مكافحتها أحد أصعب المهام التي تقوم بها الجهة المعنية بمكافحة الفساد، إن لم تكن من المهام المستحيلة. ولعل في سرد مثال واقعي بسيط يتداوله موظفو الأجهزة الحكومية ما يسلط الضوء على طريقة تَشَكُّل وتكوين هذه الشبكات. وعلى سبيل المثال فإن فلاناً الذي تنحصر مهمته في فتح مظاريف البريد اليومي للمعاملات القادمة لمعاليه يصل إلى مرتبة قيادية في غضون سنوات قليلة وكذلك حامل شنطة معاليه، ولا ننسى مرافق وكيل الوزارة وبالتأكيد المتملق المداهن أحدهم. كل ذلك دون أن يملك أياً منهم أي خبرة في مجال العمل الفعلي، مما يجعل الهدف الأساسي لكل منهم تحقيق أكبر قدر من المكاسب من خلال المنصب والنفوذ. ويقوم بحماية هذه المكاسب بتقريب الأقرب فالأقرب وهكذا حتى يكتمل تَكَوين الشبكة من القيادات العليا في الجهاز حتى أصغر القيادات، دونما قصد غالباً، وبقصد أحياناً.

وما إن انتهى أهل الخبرة ممن عاصروا هذه الشبكات وآلية تكوينها ونتائج ذلك حتى تذكرت قصة تاريخية تقول بأن سلطاناً من سلاطين العصور الغابرة كان يتساءل أين تذهب أموال الخراج فطلب منه وزيره أن يأتي بمجموعة في مجلسه، ثم أحضر قطعة ثلج كبيرة وطلب من كل منهم مناولتها للآخر. وعندما اكتملت الدورة فإذا بقطعة الثلج الكبيرة قد أصبحت في حجم البَرَد. عرف السلطان كيف تختفي الأموال. قلتُ: لو كنت مكان الوزير لأعدت التجربة بطريقة أخرى. سأطلب من السلطان أن يسلم قطعة الثلج ومعها أمر محدد: إما توزيع القطعة على الشعب أو تنفيذ مشروع ما. القطعة لن تبقى كثيراً في يد المسؤول صاحب اليد الناعمة وستنتقل إلى من يثق به لتبدأ الاتصالات ثم تنتقل إلى شخص آخر بعد أن تقفز عدة أشخاص، ثم إلى ثالث وتتجاهل في طريقها عدداً آخر، وهكذا (لكنها عند الأخير ستنتقل إلى بعض الأيادي الصغيرة الأخرى خارج “الشلة” إذا كان الأمر يتعلق بالتوزيع) حتى يصدر التقرير النهائي بإنجاز المهمة على الوجه المطلوب.

لا أعلم لماذا تخيلت ذلك فربما جاءت إلى مخيلتي للتذكير، والذكرى تنفع المؤمنين، خاصة وأن مجتمعنا الطيب يتعرض منذ سنوات إلى عملية اغتيال معنوي منظمة وممنهجة في ظل غياب شبه تام للأجهزة المعنية بحمايته. وهذا معناه أن المواطن سيستنتج، وقد يكون مخطئاً، بأن سقوط جسر دونما سبب، أو سقوط آخر نتيجة سيل، أو انهيار أسقف ومبان لم ينته عمرها الافتراضي إنما هو نتيجة لذوبان قطعة الثلج في الأيدي. ولاشك أنه سيجد في الاهتمام بسيارة معاليه ونائب معاليه وحامل شنطة معاليه ومهرج معاليه نوعاً من الغبن وهو يسمع وزيراً يقول بأن المواطن يكفيه 300 متر للسكن. لاشك سيجد في ذلك خللاً يبدأ من نشر الخبر وينتهي بقطعة الثلج. وحينما تنتشر إشاعةٌ في مدينة يصل تعدادها إلى الملايين الثلاثة بأن مدينتهم محرومة من المطر لأن أمانتها تقوم بتفريق السحب، سيصدقونها رغم عدم صحتها. وحينما تنقشع الغيوم وتمتلئ المشافي بالأطفال وهم يتلقفون أنابيب الأكسجين سيتأكد السكان من صحة الإشاعة رغم عدم صحتها أيضاً، وسيعيدون السبب إلى خوف أمانتهم من افتضاح مشاريعها، وسيقولون بأن هذه هي قطعة الثلج.

ها نحن أمام ميزانية ضخمة بكل المقاييس ولابد من تخصيص ورصد مبلغ محدد لآليات تقضي على كل ما يتسبب في رفع درجة المعاناة في مجتمع يتعرض للاغتيال من تنظيمات سياسية ومن “شللية” فاسدة مفسدة في الأجهزة المختلفة. سقف مطالب المجتمع مرتفع ولا مناص من استثمار جزء من الميزانية لتطهير الدوائر الحكومية من الفساد المؤسساتي لكي نستطيع القول “خلفٌ خيرٌ من سلف” لأن ما يحدث حالياً وبكل وضوح هو أن “الخلف كالسلف” فلا يرتفع إلا من كان جزءًا من الشبكة أو كان لها مطيعاً يسعى خلف وجاهة المنصب. ولذلك سيظل مصير قطعة الثلج كما هو منذ عهد ذلك السلطان وحتى قيام الساعة.

يا خادم البيتين: نريد أن نرى أثر الميزانية في المنازل والشوارع والأحياء والمدن والمشاريع الخدمية، ولا نريد أن نسمع أو نقرأ أرقاماً تتبعها زغاريد إعلامية فالمتربصون لن يتوانوا عن المزيد من الشحن لمجتمع أصبح بيئة خصبة لهم ومرتعاً لأفكارهم وقناعاتهم.

يا خادم البيتين: حينما يشكو المجتمع من غلاء المعيشة وارتفاع أسعار العقار فهو لا يبحث عن التشهير بحدّاد بنغالي بل بتاجر جشع وعقاري نهم. وحينما يحصل المجتمع على حقه في الصحة والتعليم ويصفها الإعلام المترهل بالمكرمات فهذا، أيضاً، يعطي المتربصين الفرصة للنيل من مجتمعنا والتأثير على شبابه.

يا خادم البيتين: المَأْسَسَةُ هي الحل. القضاء على الفساد المؤسساتي لا يتم فقط بهيئة لمكافحة الفساد بل بمَأْسَسَةِ الأجهزة الحكومية والتوقف الفوري عن الترقية للمناصب القيادية بآلية الترشيح العتيقة المتهالكة التي تعتمد على (أهل الثقة) أو (من يحبون)، وأن يتم التعيين والترقية للمراتب القيادية على أساس اختبارات للقياس وأخرى للقدرات تقوم بها إلكترونياً هيئة مكافحة الفساد لخلق جيل كامل من القيادات التي يهمها الإنجاز السليم نتيجة لطبيعتها العملية التي مكنتها من تجاوز الإمتحان. المشكلة في الغالب ليست في الوزراء بل في القيادات الإدارية العليا والمتوسطة، وبالتأكيد فيمن ارتفع حسب آلية الترشيح المتهالكة والتي تتسبب في استمرار الحال على ما هو عليه، إلا من رحم الله. لعلنا بعدها نتأكد أن قطعة الثلج ذابت في مكانها الصحيح وليس أثناء عملية نقلها.

كاتب سعودي

9