المؤامرة على جنوب السودان

الاثنين 2016/07/18

مع أنني لا أميل إلى التصديق المطلق لنظرية المؤامرة، غير أن ما يجري في جنوب السودان يفرض على المرء إعادة النظر في تقديره السابق، فعندما تكون الأزمة واضحة وتتعثر وسائل حلها نهائيا، لا بد من التفكير في الألاعيب الخفية.

الدولة الوليدة التي كان يتم التعويل عليها كعنصر واعد وفاعل في المنطقة، وبإمكانها ضبط الكثير من التوازنات والمساهمة في عودة الاستقرار، أصبحت منغصا في خاصرة البعض من القوى الإقليمية، تبحث عمن ينقذها للخروج من براثن الحرب الأهلية.

الاشتباكات التي تجددت الأسبوع الماضي بين قوات الرئيس سلفا كير وقوات غريمه ونائبه الحالي رياك مشار، فتحت الباب للحديث عن مخاطر الدولة الفاشلة في جنوب السودان، التي دافعت جهات كثيرة لانفصالها عن جسد السودان، وعندما حصلت عليه وجدت نفسها في مهب الريح، تتجاذبها قيادات تتصارع للاستحواذ على مقاديرها، وتخوض معارك ضارية للسيطرة على مقاليد الحكم، وسدّ المنافذ أمام القوى المعارضة.

ما حدث أخيرا، أعاد للأذهان الصعوبات التي رددها رياك مشار قبل عودته إلى جوبا في أبريل الماضي، وتأكيده على أنها محفوفة بالمخاطر، لأن الأجواء العامة غير مواتية لتنفيذ البنود الكاملة لاتفاق السلام الذي وقعه بأديس أبابا في أغسطس الماضي، وهو ما ضاعف من صعوبة استعادة الأمن في البلاد.

الواضح أن هناك عوامل متعددة جعلت هذه الدولة لا تهنأ بالاستقرار، تكاتفت مع رغبات البعض من القوى المختلفة، حتى تظل أثيرة لإرادة آخرين، رأوا، عن قصد أو دونه، في استمرار التوتر مصلحة محورية لهم، وقاموا بتغذية بذور الصراع وفتح مجالات جديدة أمامه، كلما لاحت في الأفق بوادر إيجابية يمكن أن تكبحه.

خذ جملة المواقف الدولية المتقاعسة، منذ بداية اندلاع المعارك بين قوات سلفا ومشار قبل أكثر من عامين، حيث لم يتخذ المجتمع الدولي مواقف صارمة من الصراع، وترك التطورات على الأرض تتفاعل بصورة مخيفة، واقتصرت التدخلات على بيانات الشجب والإدانة، وحتى القرارات التي اتخذها مجلس الأمن لم تجد قوة دفع تقف خلفها لتنفيذها حرفيا.

وهو ما منح إشارات للطرفين المتصارعين، تشي بأن المجتمع الدولي عاجز عن التدخل المباشر، أو غير راغب فيه، أو بمعنى أكثر دقة هناك قوى تريد أن يصل الصراع إلى أعلى ذروته، حتى يحسم الموقف لصالح أحدهما، والدليل التناقض الظاهر في الرسائل التي كانت تصل إلى كل طرف ومفادها ضرورة الحسم العسكري لأي منهما، وسيتم الوقوف إلى جوار الفريق المنتصر.

كما أن قوات حفظ السلام التي أرسلت إلى جنوب السودان، وغالبيتها من عناصر أفريقية، اكتفت بتوفير قدر من الحماية للمدنيين، بعد أن تعرضوا لانتهاكات كبيرة، في ظل احتدام الصراع والتوسع في المعارك وامتدادها إلى مناطق متفرقة، لامست مراكز رئيسية لدى كل طرف.

ولأن المعركة طالت، بسبب ما يسمى بـ”توازن الضعف” أو الهشاشة التي يبدو عليها الطرفان، وأصبح استمرارها يشكل عبئا أو حرجا للبعض من الجهات الدولية، تمت المسارعة بالقيام بحزمة من الضغوط السياسية، أجبرت الفريقين على مواصلة الجلوس على مائدة المفاوضات التي ترعاها دول مجاورة، وفي مقدمتها إثيوبيا، وهو ما أوحى بحتمية تطويق المعارك منعا لتفاقم الحرب، وانعكاس روافدها على مصالحهم، حيث تأكدت دوائر عدة من صعوبة الحسم العسكري.

دول الجوار التي انخرطت في الحرب بصور مختلفة، مثل أوغندا والسودان وكينيا وإثيوبيا، البعض منها وصلت تدخلاته إلى درجة سافرة من الفعل العسكري المباشر (أوغندا تحديدا) أملا في إنهاء المعركة مبكرا لصالح سلفا كير، الذي قيل أن غريمه رياك مشار كان يتلقى دعما مقابلا من الخرطوم.

استمر الحال على هذا المنوال لفترة من الوقت، استنزف فيها كل طرف جانبا كبيرا من إمكانياته، واضطرت كمبالا إلى سحب قواتها، وتنصلت الخرطوم من أي دعم وصل إلى حليفها مشار، وبقيت المعارك محتدمة، تتوقف حينا وتستمر أحيانا، وبعد توقيع اتفاق السلام في أديس أبابا، استمرت المعارك، ووقعت انتهاكات لوقف إطلاق النار، كانت كفيلة بالشك في أن هناك دولا قريبة لا تريد لهذه الحرب أن تتوقف أبدا.

على الصعيد المحلي، كان الوضع أكثر مأساوية، فالخطوة التي قام بها الرئيس كير وأقال بموجبها نائبه الأول مشار، لم تؤدّ إلى تهميشه وإخراجه تماما من المشهد السياسي والأمني، بل قادت إلى تكريس مكانته كزعيم قوي ومنافس للرئيس، لذلك كان يسعى إلى القضاء عليه بضربة عسكرية قاصمة.

في المقابل، حرص غريمه على التماسك وتجميع قواته وخوض الحرب بكل شراسة، فهي معركته الأخيرة للقضاء على حليفه السابق سلفا كير، ووسط هذه المعادلة الصفرية (خسارة طرف مكسب للطرف الآخر والعكس) طال أمد المعارك، وحرص كل جانب على التهرب من وقفها، حتى يعلن انتصاره.

إن عدم تحقيق كل فريق أهدافه من مواصلة الحرب ساهم في عدم وقفها، والتحايل على المحاولات التي جرت من أجل نزع فتيلها، بشكل جعل شبحها يطل دوما، قلل من قيمة الجهود التي بذلت لوقفها، وساعد على زيادة رقعة الشكوك في احتمال عدم تجددها، بالتالي فالمعارك التي انطلقت قبل أيام ثم توقفت (مؤقتا) من الممكن أن تتجدد مرة أخرى.

هناك مجموعة من المحددات تؤكد أن المؤامرة على جنوب السودان، لا تزال ذيولها مستمرة، أبرزها أن توزع مصالح البعض من القوى الدولية بين العدوين اللدودين؛ فالبعض من المناطق الغنية بالنفط تسيطر عليها قوات مشار التي تنتمي إلى قبيلة النوير، ما يستلزم عدم الدخول في عداء سافر معه.

ولأن سلفا كير، الذي ينتمي إلى قبيلة الشيلك أكبر القبائل في الجنوب، هو الرئيس الشرعي للدولة، وثمة مصالح سياسية واقتصادية معه أيضا، فمن الضروري عدم استهدافه، خوفا من الاتهام بمناصرة المتمردين، وعلى هذه القاعدة جرت مياه عكرة كثيرة أفضت إلى الانسداد الراهن في جنوب السودان.

أضف إلى ذلك تضخم الهواجس الإقليمية من انتصار الرئيس سلفا كير، فيتفرغ إلى تحقيق طموحاته وأحلامه الخارجية، كضابط إيقاع لتفاعلات المنطقة، كما أن انتصار مشار يغري قوى متمردة أخرى على تكرار نموذجه، وتدخل المنطقة في دوامة جديدة من الحروب الأهلية، وكأن هناك توافقا، صريحا أو ضمنيا، على أن يكون استمرار الحرب وحصرها في النطاق المحلي، خيارا مريحا لدول عدة.

كاتب مصري

9