"المؤتمر الأدبي" رواية عربية في فضاء أميركي لاتيني

هناك الكثير من الكتاب العالميين الذين تميزوا بأساليب فنية قد تبدو مجنونة لكثرة خروجها عما هو مألوف، وملامستها لعوالم تبدو غريبة متشعبة أمام القارئ الذي يدخلها وكأنه يدخل إلى متاهة، فتصبح القراءة مغامرة لا يخرج منها أي من القراء مثلما دخلها. من بين هؤلاء الكاتب الأرجنتيني سيزار آيرا الذي ظل مجهولا بالنسبة إلى القارئ العربي، وهو الكاتب الذي خرج عن كل نواميس كتابة الرواية في أسلوب متوتر لا يعرف الركون إلى نسق واحد.
الجمعة 2017/05/12
الكاتب بطل قصته المجنونة (لوحة للفنان ألبرت غلايزس)

“المؤتمر الأدبيّ”.. هذا ليس عنوان كتاب تعليميّ في كيفيّة إعداد مؤتمر أدبيّ ناجح أو شيء من هذا القبيل، إنّه عنوان رواية لا تؤمن بالمؤتمرات الأدبيّة أصلا. خارج ما تعدّه هذه المحافل، ينبتُ هذا النّصّ البرّيّ لصاحبه سيزار آيرا بعيدا عن الواقعيّة السّحريّة التي هيمنت على أدب موطنه الأرجنتين وأميركا اللاتينيّة بصفة عامّة.

وقد صدرت هذه الرّواية مؤخّرا في ترجمة متقنة لعبدالكريم بدرخان عن دار مسكيلياني للنّشر والتّوزيع (2017).

أرجنتيني مجنون

ينقسم المتن الروائي لـ”المؤتمر الأدبي” إلى قسمين اثنين، أوّلهما يحمل عنوان “خطّ ماكوتو”، أمّا الثّاني فيحمل عنوان الرّواية. يرسم لنا المؤلّف في القسم الأوّل والوجيز أفق انتظار يشي بأنّ الرّواية ستظلّ وفيّة لمناخات الأدب اللاتينيّ: زيارة إلى فنزويلا حيث يكمن سرّ عجيب يسمّى خطّ ماكوتو وهو بمثابة تصميم لحبل يصعد من البحر ويتّصل بـ”صخرة ناتئة فوق البحر، ملتفّا على عمود حجريّ طبيعيّ المنشأ.

ومن ذلك العمود يعود إلى الشّاطئ، حيث يلتفّ على مسلّة حجريّة عدّة لفّات، مشكّلا عقدة فوق عقدة، كلّ واحدة منها مربوطة ربطة الفراشة. ثمّ يصعد قمّتي جبلين من سلسلة الجبال السّاحليّة ومنها يعود إلى المسلّة راسما مُثلّثا”. إنّه تصميم لكنز ظلّ مغلّقا على الجميع طيلة قرون في انتظار السّارد الذي ما إن لامسه حتّى انكشف اللغز. ومع ذلك فإنّ راوي الحكاية يعلمنا -من خلال أوّل ادّعاء فنّيّ سيفتتح به سلسلة جنونيّة من الادّعاءات- أنّ ذلك لا علاقة له بالقصّة التي جئنا إلى الكتاب لنقرأها. “ثمّ ركبتُ طائرة حملتني إلى تلك المدينة الجميلة الواقعة في جبال الأنديز، حيث يعقد المؤتمر الأدبيّ، وهو موضوع هذه القصّة”.

بالإضافة إلى ما سيشكّله الحدث المركزيّ في القسم الأوّل من فاتحة للسّرد لن يتوقّف توالدها على امتداد الرّواية، فإنّ الصّفحات الأولى تقدّم لنا هذا السّارد-الشخصيّة المحوريّة وتعيّنه في موقعه الغريب: رجل فقير وأديب له “أعمال أدبيّة محاطة بهالةٍ من السّموّ الفنّيّ البديع، ما يجعلها لا تحقّق مبيعات”، وله كذلك أعمال علميّة “محاطة بستار من السّرّيّة والكتمان”، ولكنّه يكسب رزقه من عمله في التّرجمة.

إذا ما نظرت إلى التّعريف الذي خصّ به النّاشر المؤلّف في ختام الكتاب، ستلاحظ كم يتوافق حال هذا السّارد وحال مؤلّفه حتّى أنّه يمكن لك إذا ما واصلت القراءة إلى القسم الثّاني أن تكتشف أنّ لهما الاسم نفسه: سيزار آيرا.

هذا لا يحدث دفعة واحدة طبعا؛ فالكاتب هنا يستمتع بمضاعفة المفاجآت الواحدة تلو الأخرى. فهو إذ يستعيد نسق السّرد في بداية القسم الثّاني يحدّثنا مستخدما ضمير “الهو” عن عالم أرجنتينيّ مجنون يشبه أولئك الذين عرفناهم صغارا في الكتب أو الرّسوم المتحرّكة. إنّه عالم “يجري اختبارات وتجارب حول استنساخ الخلايا وكذلك الأعضاء والأطراف” ويحلم بأن يسيطر على الكون.

في الصّفحة الخامسة والعشرين يتدخّل صوت مّا قائلا “هنا يجب أن أتدخّل في القصّة لأوّل مرّة، وبشكل جزئيّ. هذا ‘العالم المجنون’ هو أنا. هذه الأنا سوف تجد لها اسما بعد صفحات بعيدة هو سيزار إذ تنادي على العالم فتاة جميلة تصاحبه في الدّيسكو. ويصير مسموحا منذ ذلك الحين تكرار اسم المؤلّف باطّراد. ما علاقة هذا بالمؤتمر الأدبيّ؟ العالم المجنون يذهب إلى المؤتمر مدعوّا بوصفه كاتبا لكنّ رغبته الحقيقيّة تتمثّل في أنّ الشّخص الذي يطمح لاستنساخ خلاياه بوصفه عبقريّا يؤهّل مشروع سيطرته على العالم للنّجاح هو الكاتب المكسيكيّ وعالم الاجتماع الدّبلوماسيّ كارلوس فوينتس.

ثمة مزج في الرواية بين أساليب وعوالم كثيرة منها ما هو سوريالي ومنها ما يتصل بمناخ كتب الخيال العلمي والرواية الأوروبية

في الحقيقة تولد في الرّواية أحداث كثيرة، لكنّها تمثّل حبكات ثانويّة بالنّسبة إلى من ينتظر تقدّم الحبكة المركزيّة. يبدو الكاتب كما لو أنّه قد وجد سببا مّا مقنعا كي يتحدّث، وأنّ متعته تكمن في نقل ملاحظاته الشّخصيّة الطّريفة سواء عن الأدب أو الحياة أو العلم أو غير ذلك ممّا هو أدنى أو أرفع.

اللعب بلا ضوابط

ثمّة مزج في الرّواية بين أساليب وعوالم كثيرة منها ما هو سورياليّ ومنها ما يتّصل بمناخ كتب الخيال العلميّ ومنها ما يمتح من خصائص الرّواية الأوروبيّة على تعدّد أصنافها الفرعيّة.

يملك سيزار آيرا عبقريّة أن يحدّثك عن الأب ويفكّر فيه لحظةَ كتابته دون أن يجعله غير متطابق مع العلم الدّقيق التّجريبيّ في اللّحظة ذاتها. مقاطع كثيرة من الرّواية كانت تعرض معرفة نقديّة عن الأدب بشكل طريف جدّا وبنبرة ساخرة ومشاكسة تختلف جوهريّا عن طريقة المؤتمرات الأدبيّة. إنّها رواية مزروعة ألغاما في كلّ مكان؛ ففي اللّحظة التي تستغرق فيها مع أفكار الاستنساخ الجينيّ يذكّرك المؤلّف أنّ ما يفعله في الحقيقة هو استنساخ أساليب فنّيّة من الآخرين هي في نظره أهمّ ما يمكن أن يؤخذ منهم بترصّد من يخطّط لجريمة معقّدة.

وفي اللّحظة التي يتكثّف فيها حضور اسم المؤلّف بوصفه الشّخصيّة الرّئيسية، يرمي لك هذا الكاتب حجرا في سياق مغاير، وعليك وحدك أن تنتبه إلى دلالاته الكثيرة لعلّك لا تطمئنّ لإقامة الكاتب عينه في حبكة هذه الرواية: “بالنّسبة إليها كلّ ذلك واحد.

قصة غريبة عن رحلة مترجم مغمور إلى الأرجنتين

كلّ ذلك هو كارلوس فوينتس. وهذا لا يختلف عمّا حدث مع النّقّاد والأكاديميّين الذين شاركوا في المؤتمر الأدبيّ، إذ وقعوا في معضلة لا حلّ لها: أين ينتهي الكاتب؟ وأين تبدأ كتبه؟ بالنّسبة إليهم -أيضا- كلّ ذلك واحد. كلّ ذلك هو كارلوس فوينتس”.

يُسند الكلام في بداية هذا المقطع إلى الحشرة الدّبّورة التي استنسخها العالم/السّارد من أجل أن تقتنص خليّة من كارلوس فوينتس. ويتمّ العمل المتبقّي عند قمّة الجبل. ما حدث فيما بعد أنّ جمهورا من الدّود العملاق الأزرق قد بدأ يهاجم المدينة الصّغيرة نزولا من المرتفعات.

لقد أخطأت الدّبّورة، واقتنصت جزءا من ربطة عنق كارلوس الزرقاء القطنيّة الطّبيعيّة. لقد حسبت ربطة العنق امتدادا لكارلوس الذي يحبّه العالم ويصطفيه سوبرمانه الخاصّ. في تشوّش الأحداث، تنادي الفتاة على سيزار “هل تسمع ذلك يا سيزار؟ ما الذي يحدث؟”. بعد صفحات قليلة نسمعه يقول كما لو كان ربّا خرج نظام الخلق عن سيطرته “هنا توجد صفحة بيضاء في هذه القصّة. فلا أعرف ما الذي حدث في الدّقائق التّالية”.

إنّه إحساس مدوّخ فعلا تختبره عند قراءة رواية لا يجد صاحبها حرجا في اللّعب بكلّ المعايير والضّوابط ومعها. يحدث ثغرة زمنيّة في أكثر اللّحظات تشويقا من خلال هذه الصّفحة البيضاء، ثمّ يستعيد السّرد من موضع آخر ولا يجيب عن أسئلتنا السّابقة بشيء إلى أن ينهي الرّواية.

هل أنهاها فعلا؟ وهل كان قد بدأها أصلا؟ عليك أن تترك لحواسّك كلّها أن تهدأ جيّدا، ربّما تجد إجابة عن هذا السّؤال.

15