المؤتمر الشعبي.. تركة صالح التي ستحدد مستقبل اليمن

بمقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح طرحت تساؤلات حول مستقبل حزب المؤتمر الشعبي العام الذي أسسه عبدالله صالح في العام 1982 وترؤسه لوحده حتى مقتله على أيدي الحوثيين. وبغياب “الأب” يبدو حزب المؤتمر اليوم في فترة ضعف ظهرت من قبل وفاة علي عبدالله صالح وتحديدا منذ انقسم إلى تيارين عقب الانقلاب على السلطة الذي نفذه مسلحو الحوثي بدعم من علي عبدالله صالح في 2014، لكن القيادي بالحزب عادل الشجاع يقلل من هذا الانقسام وأيضا يقلل في لقاء مع “العرب“ من القاهرة، من عدد المؤدين للحوثيين ولا يعتبره يشكل أي خطر على مستقبل الحزب، في المقابل وصف القيادات المؤتمرية المتواجدة في صنعاء بأنها رهينة وغير قادرة على البوح بحقيقة ما تفكر فيه ولا حتى تقرير مصير المؤتمر، والدليل اجتماع صنعاء الذي انعقد مؤخرا تحت تهديد السلاح والوعيد بالقتل. مع ذلك يشدد القيادي المؤتمري على أن الحزب سيمضي لتنفيذ وصية الرئيس علي عبدالله صالح بفض التحالف مع الحوثيين واستعادة الدولة.
الجمعة 2018/02/02
وصية صالح في قلوبنا

القاهرة – عقدت قيادات من حزب المؤتمر الشعبي العام في صنعاء اجتماعا انتهى بإعلان تكليف صادق أمين أبوراس بمهام رئيس الحزب، لكن دار جدل حول هذا الاجتماع الذي قيل إنه عقد برعاية الحوثيين وإنه تعبير عن رغبتهم في احتواء حزب المؤتمر.

ورفضت قيادة الحزب الموجودة خارج اليمن هذا الاختيار واعتبرته غير شرعي.

تحدث حول ملابسات هذا الاجتماع وعلاقته بكل ما يمر به حزب المؤتمر الشعبي في الفترة الأخيرة، عادل الشجاع، القيادي البارز في الحزب وعضو اللجنة العامة، أعلى هيئة تنظيمية فيه.

أكد عادل الشجاع أن اجتماع “صنعاء كان تحت التهديد بالسلاح والتهديد بنسف بيوت هذه القيادات”. وشدد على أن أغلب ما ورد في بيان الاجتماع لا يمثل المجتمعين. وهذا لا يعني أنه لا يوجد من بين هؤلاء من هو مع الحوثيين لكن هؤلاء بعدد أصابع اليد.

ويضيف أن هذا الاجتماع خالف المادة الـ29 من النظام الأساسي للمؤتمر التي ارتكز عليها. وهو اجتماع لم يحصل على أغلبية اللجنة العامة التي عددها 74 بينما عدد الحاضرين 23. وهذا يدل على حجم التهديد الذي مورس على المجتمعين.

من القوة إلى التشظي

تنبع أهمية البحث عن مصير المؤتمر الشعبي العام من كونه الحزب الأكبر في البلاد، ومن المهم التعريج على نشأة الحزب لفهم مستقبله والمآلات والسيناريوهات لمستقبله.

ارتبط الحزب منذ تأسيسه في العام 1982 بالرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح الذي استمد قوته السياسية من هذا الحزب ومده الرئيس في المقابل بأسباب الحياة والديمومة التي لا تتوفر عادة إلا للأحزاب الأيديولوجية التي لم يكن المؤتمر واحدا منها.

وسيطرة صالح على الحزب، وقوته على مدى العقود الثلاثة، جعلتا الحزب يعرف في الأوساط السياسية اليمنية بأنه حزب الأحزاب والمظلة التي احتوت جميع السياسيين من مختلف المشارب والتيارات الذين قبلوا بطريقة صالح في إدارة البلاد أو فضلوا الاستفادة من المزايا التي كان يمنحها الرئيس الراحل لقادة حزبه وكوادر.

في العام 1990، بعد إعلان الوحدة اليمنية والسماح بإنشاء وتأسيس التنظيمات والأحزاب في اليمن، وجد علي عبدالله صالح نفسه في مواجهة خصوم سياسيين متمرسين من بينهم الحزب الاشتراكي اليمني شريكه في إعلان الوحدة، إلى جانب أحزاب وتنظيمات ظلت تنتهج العمل السري لفترة طويلة من بينها جماعة الإخوان المسلمين والناصريين والبعثيين.

في ظل تلك الظروف، رأى صالح أنه لا يمكن أن يخوض غمار هذه المرحلة وحيدا ومن دون حزب يتكئ عليه، غير أن أكبر التحديات التي واجهته حينها التركيبة غير الأيديولوجية لحزب المؤتمر، فاستعاض عن ذلك بمعادلة “حزب السلطة” الذي استمد قوته من سلطات صالح كرئيس دولة والكاريزما التي كان يتمتع بها وشبكة واسعة من المصالح استطاع أن ينسجها طوال سنين حكمة.

عانى حزب المؤتمر الشعبي من عدة هزات عنيفة منذ إنشائه، كان أولها عقب تحويله إلى تنظيم سياسي في العام 1990 حيث تسرب المئات من قياداته إلى أحزابهم وتنظيماتهم الحقيقية، في مقدمة هؤلاء قيادات حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون)، غير أن هذه الخطوة، كما يقول الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر في مذكراته، حظيت في جانب منها بمباركة علي عبدالله صالح نفسه الذي أراد أن يتخلص من العبء الفكري والسياسي الذي كانت تمثله بعض قيادات الإخوان المتواجدة في المؤتمر الشعبي والذي أراده صالح حزبا يدين له بالولاء وليس لغيره، وهو ما دفعه إلى الإيعاز للأحمر شيخ قبيلة حاشد أن ينخرط في مهمة كبيرة تقتضي إخراج جماعة الإخوان المسلمين من مفاصل ومؤسسات الدولة ومكونات حزب المؤتمر والخروج إلى العلن كحزب سياسي أصبح في ما بعد “التجمع اليمني للإصلاح”.

في أعقاب حرب صيف 1994 والتي قضت على الحزب الاشتراكي اليمني أقوى منافس سياسي للمؤتمر الشعبي العام في تلك الفترة، شهد المؤتمر دخول موجة جديدة من الفارين من أحزابهم والذين دخلوا في غمار السلطة عبر انضمامهم إلى حزب صالح.

قد تظهر الانقسامات في الصفوف الأمامية للقيادة وتحديدا داخل اللجنة العامة، لكن ذلك لن يؤثر على القواعد المتحررة من المصالح والحاملة لنداء مؤسس الحزب علي عبدالله صالح

شكّل الأمر في ظاهره إضافة نوعية للحزب المترهل سياسيا لكنه في الواقع جعله متخما بالعشرات من السياسيين الانتهازيين الذين ساهموا في مراحل لاحقة في إضعاف صالح والمساهمة في إغراق سفينته التي بناها خلال ما يزيد عن ثلاثة عقود.

المرحلة الأخطر التي راهن الكثير من المراقبين على أنها قد تعصف بحزب المؤتمر الشعبي بدأت في العام 2011 حين قاد ما يطلق على نفسه “أحزاب اللقاء المشترك”، وهي مزيج من الأحزاب والتنظيمات الإسلامية والقومية واليسارية، إضافة إلى الحوثيين، سلسلة احتجاجات للمطالبة بإسقاط نظام علي عبدالله صالح.

مع الأيام الأولى للاحتجاجات غادر حزب صالح العشرات من القادة، كانوا يتزايدون مع مرور الأيام، وعلق صالح على هذه الظاهرة بأن الحزب يتطهر من العناصر المدسوسة فيه.

وشهد حزب المؤتمر موجتين عاتيتين أشد من موجة 2011، ووصلت حمى القافزين من مركبه المتداعي إلى الدائرة الضيقة حول صالح نفسه. الموجة الأولى كانت عقب انطلاق عاصفة الحزم في مارس 2014، حيث غادر عدد من أبرز قادة حزب المؤتمر إلى الرياض وأعلنوا انضمامهم إلى الشرعية رفضا لما اعتبروه تحالفا غير معلن حينها بين حزب المؤتمر والحوثيين.

وكانت الموجة الثانية عقب إقدام الحوثيين على تصفية رئيس الحزب علي عبدالله صالح وأمينه العام عارف الزوكا، واعتقال المئات من قيادات وكوادر الحزب وفرار آخرين.

وفي هذه المرحلة عاد الحديث مجددا في الأوساط السياسية اليمنية عن مستقبل غامض ومخيف يواجه حزب المؤتمر بعد مقتل مؤسسه، وظهور بوادر انقسام عديدة في صفوف قياداته، في ظل رغبة الكثير من الأطراف في تقاسم تركة صالح السياسية.

وكشف عادل الشجاع عن جوانب من رؤيته لمستقبل حزب المؤتمر ما بعد صالح، مشيرا إلى أنه ربما وضع المؤتمر الشعبي العام أمام مأزق الفراغ الكبير الذي تركه رحيل مؤسسه وأمينه العام، وقد تظهر الانقسامات في الصفوف الأمامية للقيادة وتحديدا داخل اللجنة العامة، لكن ذلك لن يؤثر على القواعد المتحررة من المصالح الضيقة والحاملة لنداء مؤسس الحزب ورئيسه علي عبدالله صالح.

ويضيف الشجاع أن هناك بعض القيادات جعلت من وجودها في الصف الأمامي وسيلة لتحقيق مصالحها الشخصية، لذلك نجد البعض يرمي بنفسه تجاه الشرعية والبعض الآخر تجاه الحوثيين، لكن الأغلبية حريصة على الإجماع وعلى وحدة الحزب.

ويؤكد أنه قد تحدث بعض التجاذبات بسبب الوضع الأمني الذي يحاصر قيادات المؤتمر داخل أراضي الشرعية وداخل أراضي الحوثية إلا أن القناعات العامة مع استمرار المؤتمر كيانا متماسكا.

تركة صالح السياسية

في ظل الحديث المتداول عن محاولات بعض الأطراف والتيارات سواء في معسكر الشرعية أو الانقلاب للاستحواذ على تركة علي عبدالله صالح السياسية، طرحنا السؤال على القيادي في حزب المؤتمر عن توقعاته لمصير مثل هذه المحاولات وهل ستفشل ويحافظ الحزب على تماسكه؟ فرد بقوله إن أهم تركة ورثها علي عبدالله صالح هي حزب المؤتمر الشعبي العام. فمن يستثمر هذه التركة هو الذي سيقود اليمن في المستقبل، لذلك هناك أطماع كثيرة بهذه التركة، فمنهم من يريد تبديدها ومنهم من يريد قيادتها لتقوية موقفه والبعض يريدها غطاء له والبعض الآخر يريد التخلص منها.

عادل الشجاع: اجتماع صنعاء واختيار صادق أمين أبوراس ليتولى مهام رئيس الحزب انتظم تحت تهديد السلاح واستهداف قيادات الحزب

لكن عادل الشجاع يتوقع أن تبوء كل تلك المحاولات بالفشل نتيجة لتماسك القواعد التي تدرك أنها حاملة للمشروع الوطني الذي تدمره الميليشيات المتحاربة بطول البلاد وعرضها. ويرى أن هذه القواعد قادرة على التمييز بين الحقيقة والخطأ، مشددا على أن قواعد المؤتمر جميعها متمسكة بخطاب علي عبدالله صالح، وخصوصا ما جاء في تصريحاته الأخيرة، قبل تصفيته من قبل الحوثيين، وهي تلك الداعية إلى فك الشراكة مع الحوثيين ووقف الحرب ورفع الحصار عن اليمن وإخراجها من البند السابع. وتعتبر هذه التصريحات من أبرز الأسباب التي أدت إلى انقلاب الحوثيين على علي عبدالله صالح ومحاصرته واغتياله انتقاما لفكه تحالف المصالح بينهما وللحروب التي خاضها ضدهم.

ويتحدث متابعون للشأن اليمني وتحديدا لتطورات داخل حزب المؤتمر عن وجود ثلاثة تيارات في طورها للتشكل داخل المؤتمر، الأول يرى مواصلة التحالف مع الحوثي والثاني يميل أكثر نحو رأي الشرعية، بينما التيار الثالث وهو القيادات الموجودة في القاهرة لم تخرج بموقف محدد بعد.

ولا ينفي عادل الشجاع أن هناك ثلاثة تيارات في طورها للتشكل لكن ذلك يتجلى فقط عند النظر من الخارج دون التمعن في حقيقة ما يجري، أما النظرة العميقة فتقول إن هذا التقسيم مجاف للحقيقة، في الواقع لا يوجد سوى مؤتمر واحد في الداخل أو الخارج. فتيار الشرعية هو التيار الذي حدد خياراته عام 2011 وبالتالي لم يعد محسوبا على المؤتمر.

أما التيار المتحالف مع الحوثي فلا نستطيع أن نطلق عليه تيارا لأنهم أربعة أشخاص معروفين وقواعد المؤتمر حددت موقفها منهم. وما يتعلق بالقيادة التي اجتمعت في صنعاء فهي، وفق توصيف عادل شجاع، معتقلة وغير قادرة على التعبير عن حقيقة تفكيرها.

ويضيف أن بعض القيادات الموجودة في القاهرة تعمل على التنسيق للقاء تشاوري بين كل أعضاء اللجنة العامة الموجودة في الخارج بهدف تسيير عمل الحزب بشكل جماعي من خلال اللجنة العامة في الداخل والخارج على أن يقوم الأمناء العموم المساعدون بعملهم كل في ما يخصه وكذلك نواب رئيس الحزب.

ويكرر عادل الشجاع مشددا على أن المؤتمر واحد وهدفه واحد وهو فض الشراكة مع الحوثيين واستعادة الدولة. وكذلك وقف الحرب ورفع الحصار والخروج من البند السابع.

مشتركات مع الشرعية

خلال الحديث مع عضو اللجنة العامة لحزب المؤتمر، وهو من أول المعارضين لأي تقارب مع الحوثيين، تساءلنا: هل المؤتمر في طريقه قريبا إلى حسم علاقته بالشرعية؟ وهل حقا هناك اشتراطات للتصالح معها يقودها الشيخ سلطان البركاني الأمين العام المساعد للمؤتمر، كما يشاع؟ فأجاب بأن المؤتمر ليست لديه مشكلة مع الشرعية كمؤسسة وليس كفرد.

وهناك مشتركات بين المؤتمر والآخرين بما في ذلك الشرعية، هذه المشتركات هزيمة المشروع الحوثي واستعادة الدولة. الدفاع عن الجمهورية والديمقراطية والحريات والعدالة وهناك مشاورات تجري مع جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية بهدف الترتيب للمرحلة القادمة، هذه التحركات تهدف إلى تنفيذ ما ورد في خطاب علي عبدالله صالح الأخير والذي من ضمنه المصالحة.

وعن أي دور تنظيمي محتمل قد يناط به أحمد علي عبدالله صالح في المرحلة القادمة كما يشاع في بعض الأوساط، يقول الشجاع إن ما يتعلق بنجل الرئيس الراحل لا يوجد أي حديث عن دور قيادي لأن القيادة في المؤتمر ليست بالوراثة، هناك لوائح وأنظمة تحكم الحزب ونجل الرئيس السابق عضو لجنة دائمة يستطيع ترشيح نفسه في المؤتمر العام ويقدم نفسه لأعضاء الحزب وكوادره وبصفته عضو لجنة دائمة يستطيع أن يقوم بدوره الحزبي من موقعه.

12