المؤتمر العاشر لحركة النهضة التونسية والانحناء للعاصفة

إفلاس المشروع الإخواني، حقيقة باتت واضحة في الداخل والخارج وبإقرار ضمني وغير معلن من طرف قادته السياسيين، وكذلك لدى الدوائر الغربية التي راهنت على إمكانية الاعتدال والوسطيّة ضمن معادلة المصالح المشتركة، والتي تبدو الآن مستحيلة التحقيق مع الحرب على الإرهاب والسعي إلى تجفيف منابعه.
الجمعة 2016/05/20
هل استنفدت حركة النهضة كل محاولات التكيف مع محيطها

تونس - حركة النهضة التونسية تواجه اليوم كل هذه الحقائق وتحاول أن تخرج بقرارات، يرى المراقبون أنها ستكون هلاميّة وذات طابع استرضائي يصعب تحقيقه في الداخل والخارج وبين قواعدها.

يرسل راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في تونس الإشارات تلو الإشارات بابتعاده عن الإسلام السياسي عشية المؤتمر العام لتياره السياسي الذي يبدأ الجمعة 20 مايو الجاري ويستمر حتى الأحد، وفي أجندة المؤتمر -وفق مواقف زعيمه- إنهاء لحقبة يختلط فيها الدعوي بالسياسي، والانتقال بوضوح نحو وضع الحزب السياسي الذي يتعاطى مع أمور الدنيا، لا شؤون الدين.

ويلفت المراقبون إلى أن هذا التحوّل العلني لراشد الغنوشي يعكس المأزق الذي وصل إليه الإسلام السياسي ذو النسخة الإخوانيّة، ليس في تونس فقط، بل في كل المنطقة، وأنّ مواقف الغنوشي هي الرأس البارز من جبل الجليد.

ويعتبر بعض الباحثين في شؤون جماعة الإخوان المسلمين أن هناك أزمة تخترق الجماعة وتطرح أسئلة حول نجاعة استمرارها في عالم لم يعد يقبل بالإسلام السياسي محدّدا لحياة الشعوب، سواء بالنسخة التي قدم الإخوان بها أنفسهم في زعمهم التكيّف مع شروط العمليات السياسية، أو بالنسخة التي يقدمها “الجهاديون” والتي تبرز أبشع مظاهر الإرهاب في الزمن الراهن.

ولفتت أوساط تونسية إلى أنّ ما أعلنه راشد الغنوشي لجريدة لوموند الفرنسية الخميس 19 مايو الحالي، يمثل تموقعا جديدا له ولحزبه، ذلك أن الإعلان من منبر الصحيفة الفرنسية على أنه “لم يعد من مبرّر للإسلام السياسي في تونس” هو إعلان للعالم أجمع بإفلاس المشروع الإخواني الذي خيّل لبعض الدوائر الغربية أنه سيكون حصانا رابحا في المنطقة.

واعتبر متابعون للشأن التونسي أنّ حديث الغنوشي للصحيفة الباريسية عن أنّ التجربة التونسية “وضعت حدا للتطرف الديني والتطرف العلماني” على السواء، يغفل الدور الذي لعبه الغنوشي وصحبه في توفير مناخات رواج التطرف الإسلامي في تونس، سواء من خلال التواصل معه واستمالته والاجتماع بقادته ورموزه، أو من خلال تعبئة الميدان الديني داخل الفضاء السياسي والاجتماعي التونسي.

وأشارت مصادر سياسية في تونس إلى أنّ ذهاب الغنوشي في مقابلته مع الصحيفة الفرنسية إلى حد رفض أن يكون رجل الدين قائدا، ولا حتى عضوا في أي حزب سياسي، هو بمثابة تقديم أوراق اعتماد جديدة لدى العواصم الغربية، ليس بصفته واحدا من أشهر المنظّرين للإسلام السياسي، بل بتحوّله الجديد إلى منظّر في فكرة خروج الإسلام من السياسة أو خروج السياسة من الإسلام.

إفلاس المشروع الإخواني، حقيقة باتت واضحة في الداخل والخارج وبإقرار ضمني وغير معلن من طرف قادته السياسيين

وإذا ما كان راشد الغنوشي قد اعتبر في مقابلته مع الصحيفة أنّ الإسلام السياسي قد شوّهته ظواهر داعش والقاعدة، وأنه يجب التفريق ما بين “الديمقراطية المسلمة” التي يتبناها و”الإسلام الجهادي المتطرف”، فإنّ باحثين في شؤون الإسلام السياسي يتساءلون عما يعنيه بالديمقراطية المسلمة، وما إذا كان مفهوم الديمقراطية قابلا للتصنيف بين ما هو مسلم وما هو غير مسلم، ويشتبهون في أن الغنوشي يخلع رداء إسلام سياسي ليرتدي رداء إسلام سياسي آخر، بما يجعل من التحوّلات العتيدة حركة شكلية لا تطال المضمون الحقيقي لمعتقداته.

وقد أبلغ الغنوشي الجريدة الفرنسية أنه يريد لحزبه الذي من المفترض أن يغير المؤتمر اسمه، وأن يركّز على المشكلات اليومية وحياة العائلة والناس، وليس حزبا يتكلم مع جمهوره عن اليوم الآخر.

ولاحظ المراقبون أن تناول زعيم النهضة لشؤون تتعلق بدور المرأة وشؤون المثليين وغير ذلك، إنّما جاء ليحاكي العناصر التي تهم العالم الغربي، أكثر من كونها جزءا حقيقيا من جدل داخل حزبه أو في ثنايا اهتماماته.

وتتساءل أوساط تونسية عن الهوية المستقبلية لـ”النهضة”بعد نزع طابعها الديني، ومدى استعداد الحزب من قاعدته إلى كادره في لعب دور جديد لا يحمل أي تراكم معرفي ولا يتحلّى بالتجربة المناسبة.

ويرى معارضون لحركة النهضة في تونس أنّ كل ما في الأمر هو إعادة تموضع للغنوشي، لم يأت بناء على قناعة أيديولوجية، بل لدواع براغماتية ظرفية، سببها المقاومة التي مارسها المجتمع التونسي ضد الأسلمة التي عملت عليها حركة النهضة وأشباهها، إضافة إلى تبدّل المناخ الإقليمي والدولي.

ويشكك المعارضون لـ”النهضة” في صدقيّة تحوّلات الغنوشي، ويشتبهون بإمكانية تراجعه عنها، إذا ما شعر بإمكانية هبوب رياح لصالحه ولصالح الإسلام السياسي من جديد.

حركة النهضة التونسية التي ترى فيها تفرّعات كثيرة للإخوان في العالم العربي نموذجا جريئا ومنفردا لتحقيق المعادلة الصعبة بين عقيدتها السياسية والانخراط ضمن اللعبة الديمقراطية والنشاط المدني، باتت في مأزق لا تحسد عليه من ناحية انحصار الهامش الذي كان يغذّيها في القدرة على الاستمرار وكسب المؤيدين، وهي اليوم تواجه أصعب الامتحانات منذ قبولها باللعبة السياسية، ممّا جعلها تدرك قبل غيرها أنّ العمل في العلن، غير ذاك الذي كان في السر.

13