المؤتمر الوطني للحوار بين الأديان والمذاهب: دُعي المذهب ولم يُدع العراق

الثلاثاء 2015/02/03
مؤتمر لبحث حوار الأديان تدعو إليه جهات تنضح طائفية

بغداد - الوضع العراقي منذ الاحتلال الأميركي مشوب بأسقام سياسية متداخلة، لعل أكثرها وقعا داء الطائفية الذي استشرى منذ تقلد جنس من الحكام مقاليد الحكم، حيث تعالت الأصوات الناعقة بالمقولات الطائفية والمذهبية المقيتة في بلد تعايشت مكوناته المتعددة منذ عشرات القرون.

هذا الوضع جعل البعض ينتبه إلى ضرورة معالجة الداء الطائفي بمعالجة أسبابه لاسترجاع العراق الموحد والمتنوع، لكن المعالجة، وإن يفترض أن تطال كل المجالات التي طالها المرض والسقم، لا يعقل أن تكون بنفس جنس الداء أو من الضالعين في إنتاج الطائفية. نذكر هذه المسلمة بالإشارة إلى “المؤتمر الوطني العراقي للحوار بين الأديان والمذاهب” الذي بدأت أشغاله يوم السبت الماضي في بغداد، برعاية رئيس المجلس الإسلامي العراقي الأعلى عمار الحكيم، بحضور الرئيس العراقي فؤاد معصوم ورئيس الوزراء حيدر العبادي ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري، وممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق نيكولاي ميلادوينوف ومشاركة رجال دين عراقيين من مختلف الطوائف والأديان.

العملية السياسية الحالية في العراق حاضرة في المؤتمر بأعلى ما تملكه من تمثيل، وهي العملية التي تم إنتاجها بأياد أجنبية منذ لحظة 2003 الفاصلة، وهي المكونات التي صنعت المشهد العراقي الحالي الموسوم باستشراء الطائفية وغياب التعايش بين الأديان والطوائف وغلبة المذهب على الوطن. هذا التقابل بين غايات المؤتمر وطبيعة الوضع الحالي بمنتجيه، فرض السؤال؛ هل إن هؤلاء لهم القدرة على إنتاج الدواء لداء صنعته أياديهم؟ وهل أن أحزابا وتيارات سياسية تستقي وجودها ذاته من مسوغات دينية وطائفية بوسعها أن تتصدى لما يعيشه العراق؟ وبأي عقلية؟

تنظيم المؤتمر في حد ذاته لا يمثل مشكلة، بل إنه قد يكون عملا محمودا ومطلوبا، للتوصل إلى حلول فكرية وسياسية وقانونية تقي البلد أهوال الانتصار للانتماءات الطائفية والمذهبية الضيقة على حساب الانتماء الوطني الأرحب، لكن الملفت هو الجهات الداعية لتنظيم المؤتمر أولا، وما وقع خلاله من تصريحات ووعود ثانيا.

دعوة عمار الحكيم إلى “ضرورة إشاعة روح التسامح والوئام والمحبة والسلام وتعميق خطاب المواطنة الصالحة التي تجد في التعايش السلمي منهجاً ووجودا، وتفعيل دور المؤسسات الدينية الساعية للسلام والمتبنية للخطاب الانساني والحواري المنفتح”، هي دعوة أكثر من مفيدة للوضع العراقي لو قُرأت من قبل شخصية أخرى غير مطلقها في المؤتمر محور الحديث، فرئيس المجلس الإسلامي العراقي الأعلى، ورغم مشاركته في العديد من الفعاليات الفكرية والثقافية والسياسية التي تتعاطى مع قضايا حوار الأديان، إلا أن ذلك لا يحجب كونه يتحرك في فضاءات دينية وسياسية تتناقضُ مع هذه القيم. وكأغلب الوجوه السياسية العراقية الناتئة بعد الاحتلال العراقي، فإنه ينطلق من انتمائه الشيعي أولا (بل يغلبه على غيره من الانتماءات) وانخرط في المشهد المشوب بالملمح الطائفي المصنوع والمعدّ والمخطط للعراق من إيران.

لم يبتعد رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري عما دعا إليه عمار الحكيم، وهو تجاور مفهوم بالنظر للاقتراب المذهبي وتشابه التبعية لإيران، حيث عبّر الجبوري عن دعوته إلى “ضرورة تفعيل مبادرة عمار الحكيم في حل أزمة محافظة الأنبار (أنبارنا الصامدة)”، ونادى بالإسراع في إنجاز قانون العفو العام وإرساله إلى البرلمان لإقراره بما يسهم في تعزيز المصالحة الوطنية”.

رئيس الجمهورية العراقي، قال في المؤتمر “من حسن الحظ أن الأديان نفسها كمبادئ وأفكار قابلة للتعايش مع بعضها، حيث ليست هناك اختلافات كبيرة في المبادئ الأساسية وهذا ما يسهل ويفرض علينا البحث عن المشتركات لتنميتها وقبول الاختلافات واحترام الخصوصيات، وأضاف أن “الخطر الأكبر حاليا، هو خطر التفكير الإرهابي الذي يهدد الدين باسم الدين ويهدد أبناء الدين نفسه ومن ثم المجتمع الإسلامي بشكل عام، ومن جوانب خطورة داعش بوصفها النسخة الأكثر تشددا في تاريخ الإرهاب، يكمن في عدم ترددها بارتكاب أبشع الفظائع تعبيرا عن الكراهية”.

نتبين أن المؤتمر انعقد في ظرفية مخصوصة بالنسبة إلى الطبقة السياسية الشيعية المهيمنة في العراق، وهي تنامي الخطر الداعشي. صحيح أن الخطر الداعشي يأتي على أخضر العراق ويابسه، ويطال كل مكونات المجتمع العراقي، ولكن الدعوة إلى مؤتمر يعالج الاحتقان بين الأديان والطوائف تطرحُ سؤالا حول مسألة التوقيت؛ ألم يكن الانقسام الطائفي سائدا قبل حلول عساكر داعش إلى الموصل؟ ألم يكن الشد الطائفي أحد أكبر أسباب وجود وانتعاش داعش؟ وإذا كان لدى هذه الطبقة السياسية وعي بخطر الطائفية المحدق على العراق لماذا لم تتدخل قبل انتشاره وتسربه إلى كل مفاصل البلاد؟

بحث سبل التوصل إلى تعايش بين الأديان هو ضرورة ملحة في هذا الظرف، لكن هذا المبحث يجب أن تؤمنه جهات تؤمن بالمناخات التي تتلاءم مع هذه القيمة ولا تمارس نقيضها من طائفية وقتل على الهوية وإعلاء للمذهب على حساب الوطن وارتباط وتبعية لقوى خارجية ترتهن البلاد والعباد، والثابت أن الأطراف الداعية للمؤتمر غير قادرة على تأمين هذه القيم أو إشاعتها.

احتجاج لويس ساكو بطريرك الطائفة الكلدانية في العراق على رؤساء الجمهورية والوزراء ومجلس النواب عندما عاب عليهم مغادرتهم المؤتمر بعد حضور سريع وقال أنهم “اسمعونا أصواتهم ثم غادروا دون أن يسمعوا معاناتنا”، يشي بأن حضور هؤلاء، بما يمثلونه، كان لمجرد تسجيل الحضور، وأن المؤتمر انعقد بعد تنامي الخطر الداعشي الذي هدد أركان بيت الحكم العراقي، ولاشك أن موقف لويس ساكو يؤكد أن العراق يحتاج إرساء علاقات مواطنية تقطع مع الانتصار للطائفة والمذهب والإسلام السياسي في آن.

13