المؤتمر الوطني ودرس للمستقبل

الخميس 2014/05/29

نتذكر جميعا كيف تم انتقال السلطة، من المجلس الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام في ليبيا، بكثير من السلاسة والهدوء والشفافية، وكيف أبدت الأوساط الدولية والصحافة العالمية ارتياحها وإعجابها بالطريقة الحضارية التي أديرت بها العملية الانتخابية لهذا المؤتمر، في وطن عانى من الاستبداد والدكتاتورية وحرم من ممارسة أي حق انتخابي لأكثر من أربعة عقود.

عشية إعلان نتيجة الانتخابات لهذا المجلس الوطني، كنت أحضر المنتدى الثقافي العربي في مقر المندوبية العراقية لدى الجامعة العربية، في ضيافة الصديق السفير والأديب قيس العزاوي، وحضور شخصيات ذات ثقل ثقافي وسياسي، مثل الدكاترة يحيى الجمل وجابر عصفور وصلاح فضل وعلى أبو شادي وكمال رمزي وعبد الحسين شعبان، وباعتباري زميلهم القادم من ليبيا، ففد اتجهوا نحوي مهنئين بالطريقة التي أديرت بها الانتخابات، يسألونني كيف استطاع الشعب الليبي، أن ينجو من الوقوع في فخ الجماعات الإسلامية التي فشلت في الوصول بأعداد كبيرة إلى المؤتمر، عكس ما حصل في تونس ومصر، ولم يفز أهل الإسلام السياسي سوى بعشر عدد الأعضاء، وفاز بالأغلبية أعضاء يناصرون الدولة المدنية ويتبعون التحالف الوطني.

فقلت لهم إن الليبيين عرفوا كذب الشعارات التي تتاجر بها جماعات الإسلام السياسي، من خلال سياسات الطاغية الذي أطاحوا به، والذي لم يترك شيئا مقدسا أو غير مقدس إلا وتاجر به، وكان يقول إن القرآن شريعة المجتمع، وإنه قائد القيادة الإسلامية العليا، وصاحب التفويض الإلهي بإدارة الدولة حسب قواعد الإسلام، وكله كذب وتنكيل بالمواطنين، ومن خلال هذا الحكم اكتشفوا زيف هذه الشعارات، ولهذا كان طبيعيا أن يتعامل المواطنون الليبيون بشك مع حاملي هذه الشعارات، ولم يفز أهل الإسلام السياسي ممثلين في حزب العدالة والبناء، حزب الإخوان المسلمين، سوى بنسبة ضئيلة من أعضاء المؤتمر، وكان هذا يحدث أثناء تغول الجماعات الإسلامية وسيطرتها على الميليشيات المسلحة، وضلوعها في اغتيال القائد العسكري اللواء الشهيد عبد الفتاح يونس، إلا أن انبثاق المؤتمر الوطني العام بأغلبيته المدنية كان حدثا يبعث على التفاؤل، وينبئ بأنه سيقوم بتعديل الكفة لصالح الدولة المدنية، وللأسف فإن هذا لم يحصل بل حصل العكس.

فبدلا من أن يكون المؤتمر الوطني قوة تفرض إرادتها على هذه المليشيات المتأسلمة، ويرغمها على الانتظام في السياق العسكري المهني الحرفي، قامت هذه الميليشيات باختطاف المؤتمر إلى أرضها، ومارس لوردات الحرب من قادة هذه الميليشيات إملاءاتهم على المؤتمر والدولة والحكومة، من خلال ممثليهم الذين يشكلون أقلية في المؤتمر، ولكنها أقلية تستند إلى قوة السلاح، وحصل أول تعبير عن هذه السيطرة، عندما تقدم رئيس التحالف الوطني، محمود جبريل بالترشح لمنصب رئيس الحكومة، باعتباره صاحب كتلة الأغلبية، وأثناء عملية التصويت، نادى المنادي من داخل المؤتمر للصلاة، وتم تعليق الجلسة وتوقف النقل المباشر، وعاد بعد استراحة نصف ساعة، اشتغلت خلالها التهديدات وعمليات الابتزاز، كما كان المال القطري حاضرا مثلما قالت بعض الإشاعات وتظهر النتيجة لغير صالح جبريل، ولصالح منافسه الإخواني بفارق صوت أو صوتين.

ورغم أنه فشل بعد ذلك في الحصول على التوافق على الوزارة التي قدمها، إلا أنه تم تكريس هذه المفارقة، وهي أن الأغلبية المدنية صارت تسحق تحت زحف النفوذ الميليشياوي الإسلامي، وتم فرض قانون العزل السياسي الذي أفرغ ليبيا من كوادرها، وطال مناضلين أفنوا أعمارهم في معارضة القذافي مثل رئيس المؤتمر نفسه، كما طال قادة ثورة 17 فبراير مثل جبريل رئيس التحالف، والشيخ عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي السابق، لكي تبقى الساحة خالية لأهل الإسلام السياسي، بما فيها العناصر القادمة من الحرب الأفغانية وزملاء الظواهري وبن لادن، وتحول الاستحواذ الإرهابي على ليبيا إلى وصمة عار في جبين ثورة من أرقى الثورات هي ثورة 17 فبراير.

لم يحارب الليبيون الطاغية لكي تتحول بلادهم إلى داعم وممول لجماعة القاعدة الإرهابية، وللتنظيم العالمي للإخوان أو للصرف على تأسيس دولة الخلافة في اسطنبول، ولم يكن الرئيس الفرنسي يتكلم من فراغ عندما صرح بأن جماعة بوكو حرام التي استفزت الضمير العالمي بجرائمها في نيجيريا، تتلقى التمويل والسلاح من ليبيا، كما لم يكن رئيس الوزراء الليبي السابق علي زيدان كاذبا عندما قال إنه لم يستطع أن يمنع، وهو رئيس للحكومة، سفينة مشحونة بالأسلحة اشترتها عناصر إسلامية متطرفة تعمل في الدولة، وأرسلتها إلى “داعش” السورية. وتتحدث مصادر أخرى عن أكثر من مئتي طلعة طيران ذهبت من مطار معيتيقة الليبي الواقع تحت سيطرة الإسلاميين، إلى إسلاميين على الحدود التركية السورية محملة بشحنات الأسلحة والمقاتلين.

والدرس الذي يجب أن يعيه الليبيون، هو ألا تتكرر هذه المفارقة التي حكمت المؤتمر الوطني المؤقت مع المجلس النيابي القادم، فهناك استحقاق انتخابي يحين بعد شهر، ويجب منع فرصة دخول مثل هذه العناصر التي تتاجر بالإسلام، وذات الأجندات الخارجية، إلى المجلس النيابي، وحمدا لله الذي سخر لليبيين عناصر من بين صفوفهم تنهض لمهمة تخليص ليبيا من البؤر الإرهابية، وتكوين الجيش الوطني الذي بدأ عملية الكرامة ضد هذه البؤر، وخرج الشعب الليبي يناصر هذا الحراك، فالنصر للشعب الليبي، والمجد والخلود للشهداء.


كاتب ليبي

9