المؤدب رحل ومطرقة الموت تزلزل عالمه العصيّ على التغيير

الاثنين 2014/11/10
عبد الوهاب المؤدب: إذا لم نستطع أن نمس الثوابت فإننا لا نستطيع أن نفعل أي شيء

توفي الأديب والمفكر التونسي عبدالوهاب المؤدب عن عمر قارب السبعين عاما (1946-2014)، بعد أن ترك إرثا أدبيا أغنى به الساحة الثقافية التونسية والعربية. أعمال تبقى شاهدة على مدى انشغال المؤدب بالمجال الفكري وحرصه على التعمق في مختلف قضايا عصره ومشاغل الحياة بصفة هامة.

يبقى السؤال أداة استفهام وتعجب: ما الذي يمكن للرجل المأهول بتعددية الثقافات أن “يخلّف” لدى المتنازعين فيما بينهم، إلى درجة صعوبة النظر في الجوار؟ ويا للرجل الذي تعمّق في الحياة الأخرى، وأثرها، وأبقى علامة تعجب من حوله إزاء الذي يمكن الإصغاء إليه.


لولا المنفى


يترك التونسي أمانة تساميه في الفكر والأدب والشأن الثقافي، حيث يضطرب فيه المتوسط من خلال تقابل ضفتيه، وما أعمق الهوة الزرقاء بينهما، وأسخن فضاءهما، لكل ضفة صداها ومداها ومبتغاها في الوقع الثقافي والعقدي، في تأكيد فعل الزمان ووجهته بالمقابل.

ما الذي يمكن للمفكر التوحيدي بروحه، أن يتلقى من صدى على خلفية من “أوهام الإسلام السياسي”، أو “مرض الإسلام”؟ كيف يمكن ترجمة ما قاله المؤدب “أهم قداسة هي قداسة الإبداع وقداسة العلم والعقل والروح”؟ وماذا يعني أيضا حين يفصح المؤدب عن التالي، مشيرا إلى هويته الذاتية والثقافية “سلسلة النسب المزدوجة: أنا في نفس الوقت شرقي وغربي، مسلم وأوروبي، فرنسي وعربي؟ وهو هنا يذكرنا في الحال بما ذهب إليه اللبناني العتيد -أصلا- والفرنسي جنسية أمين معلوف في “هويات قاتلة “، وفيما ألمح إليه الفلسطيني النافذ باسمه، والأميركي جنسية إدوارد سعيد، في أكثر من كتاب، كما في “خارج المكان”، وما ورد في تقديمه لكتابه المجلجل بمضمونه “الثقافة والإمبريالية”، حول الجمع بين انتمائين وثقافتين.

هذا الجانب من استحالة الألفة في مجتمع يلفظ مبدعيه الساعين إلى الأفضل والأكثر إشراقا خارجا، يكاد يشمل كل الذين أصبحوا منفيين قسرا أو اضطرارا، حيث ما كان في وسع أي من هؤلاء أن يترك بصمة إبداعية أو ثقافية لافتة، لولا فعل النفي أو الهجرة الاضطرارية، كما أنهم يعيشون حربا ضروسا في الاتجاهات الأربع. ترى هل في وسع محمد أركون، ومن أتينا على ذكرهم، وفتحي بن سلامة، وفاطمة المرنيسي، وعبدالله العروي، وآسيا مختار، الخ.. لولا هذا المنفى الموقّد للروح، والنافذ إلى العالم الرحب؟

أهم قداسة هي قداسة الإبداع وقداسة العلم والعقل والروح

أما الشعر فهو أول الرضاعة من العالم، شأن صلة الرضيع بثدي أمه، وهذا يذكّرنا بهايدغر ورهانه على الشعر “هولدرلين - مثالا”، وسؤال الحقيقة للوجود هناك “الدازاين”، ليكون الشعر معانقة لجوهرة الوجود التي تزداد لمعانا مع المعاناة، كما في انشغاله بالتصوف “الحلاج، ابن عربي، مثلا”، ولكن مصادقة الكتابة ارتحال من فتح معرفي وذوقي وأدبي إلى آخر، وليكون الجمع بين الأدب والفكر إسهاما في وحدة الكلمة وتعددية آفاقها في آن، ليكون هذا الانهمام بالجاري والمقلق في مفهومه الديني أصل المشكل والمعتبَر في مقام المرض العضال إلى أجل غير مسمى، كما في البحث عن خاصية هذا الناهب فينا سلبا وباسم الدين: الإسلام، وما يمحورنا ضمن مفردة “الثوابت” التي تزلزلنا وتستمرّ هي.


مس الثوابت


إنه المعضل الذي لا بدّ أنه رحل وفي كليته الجسدية المسمار الملتهب: وما زال فيه حسرة منها، كما جاء في حوار له “يقال لنا يجب ألا نمسّ "الثوابت"، وهي كلمة أجدها غريبة وتتكرر بشكل دائم. يقولون لك: "إنك تستطيع قول كل شيء باستثناء مسّ الثوابت" إذن لا نستطيع أن نقول أي شيء.

فإذا لم نستطع أن نمس الثوابت فإننا لا نستطيع أن نفعل أي شيء. إن حرية التعبير يمكنها أن تصل إلى درجة التعنيف والتزعزع ووضع "الثابت" في حركة التغيير”. أي ما يجعل تعريب ما كان مشهودا له ذات يوم ممكنا.

كل شيء يتحرك، وليس هناك بثابت في مكانه: الكون بما فيه، ولا استثناء في ذلك، ويظهر أن المؤدب في جمعه النازف لعمره، كان يحاول الدخول في نوع من الهدنة أحيانا مع روحه القلقة، وتهدئة أعصابه، سوى أن سؤال الوجود الخاص، هو سؤال المتوسط الذي يتجه نحو ضفته ذات العلامة الدينية التي توحّد بين الدين والسياسة، وليس صوب الضفة التي تبقي الدين بعيدا عن السياسة كمسلك فكري واجتماعي دنيوي.

لا بدّ أن المؤدب في جل ما تناهبه روحيا كان هذا الهمّ الأكبر: كيف يمكنه أن يغادر عالمه “وهو لم يكن عالمه الذي أبصر فيه النور”، وهو مسترد بعض من أنفاسه، وهو في قرارة نفسه، يدرك أن ما تركه في إثره وبلغة الآخر، ونِعْمَ الآخر، فلولاه لما كان هذا الاسم والكتابة عنه، لا بدّ أنه أطبق عينيه، أو أطبقتا، وانحبست دمعتان كثيفتان تمنعانهما من الإطباق، وهو يرنو بعيدا، من خلال آصرة متخيل مجنحة صوب تونس، وأبعد من تونس، في أكثر من حرب "داعس" أو “داعش”، في نوع من السباق المواهبي حول جنون القوة المدمّرة للبلاد والعباد، تأكيدا على أخلاقية الأوهام، وإرهاب السياسي وجعل الإسلام مطرقة مــسننة تتهدد الــجميع.

15