المؤرخ إيمانويل طود: مقاومة السكان المسلمين للاندماج في أوروبا مجرد خرافة

في كتابه "اختلاق أوروبا" يعلل إيمانويل طود اختلافات أجزاء القارّة مذهبيا وسياسيا بدءا من اختلاف الأنماط العائلية إلى غاية الاختلافات الأيديولوجيّة في القرن العشرين.
الاثنين 2021/06/14
حيث حريتي ثمة وطني

يحاول المؤرخ الفرنسي إيمانويل طود في كتابه “اختلاق أوروبا”، الذي ترجمه الباحث التونسي أحمد فاضل الهلايلي وصدر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الغوص في تاريخ أوروبا الحديث بدءاً من عصر النّهضة حتّى عتبات القرن الحادي والعشرين، ولا تكمن قيمة الكتاب في بعده التّاريخي فحسب، بقدر ما هو دراسة “تشريحية للجسم الأوروبي” بمكوّناته الثّقافية والاجتماعيّة.

يبدو المجال الأنثروبولوجي الأوروبي منذ العصر الوسيط مجالاً مجزّأ، فهناك أربعة أنماط عائلية تتمايز من ناحية مفهوم العلاقات والأسر والأطفال ومن ناحية الرّوابط بين الإخوة. وهي أنماط توضّح تنوّعاً متأصّلاً في القارّة. ففي كلّ جهة يمكن أن نحدّد نمطاً عائليّاً مهيمناً؛ حيث أنّ استمراره عبر القرون يبلور بجلاء سلوكاً محلّيّاً ثقافياً واقتصادياً ودينيّاً أو أيديولوجيّاً.

ويُمَكّن هذا التّنوعُ العائلي أوروبا من تعليل قابليّتها الدّائمة للتجزّؤ منذ القرن السّادس عشر حتّى القرن العشرين؛ وتلك المرحلة الطّويلة هي مرحلة الإقلاع والانخراط في العصرنة. إلا أنّ كلّ حدث من الأحداث الحاسمة مثل حركة الإصلاح البروتستانتي، ونشر التّعليم، والثّورة الصّناعية، وإقصاء المسيحية، وتطوّر التّحكّم في الولادات، وصعود الأيديولوجيات القومية والاشتراكية، يبدو مناسبة لانقسام جديد وتجزئة إضافيّة للمجال الأوروبي.

البنى العائلية

وانطلاقا من هذه الرؤية يقدم الباحث والمؤرخ الفرنسي إيمانويل طود في كتابه “اختلاق أوروبا” الذي ترجمه الباحث التونسي د. أحمد فاضل الهلايلي وصدر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، مرجعاً أساسيّاً في تاريخ أوروبا الحديث، بدءاً من عصر النّهضة حتّى عتبات القرن الحادي والعشرين؛ ولا تكمن قيمة الكتاب فقط في بعده التّاريخي وحسب، بقدر ما تكمن في الدّقّة المتناهية التي سلكها صاحبه في “تشريح الجسم الأوروبي” قصد إظهار مكوّناته الثّقافية والاجتماعيّة. حيث يقدم في سبعة عشر فصلا وصفا للبُنى الأكثرَ قِدماً في الحياة الأوروبية، والتي قوامها البنى العائلية بطبيعة الحال، وإلى ذلك الأنماط الفلاحية التي ترتبط بها في إطار المعاش الرّيفي التّقليدي.

ويقتفي المؤرخ الفرنسي مسار التّحديث في الفترة ما بين سنتي 1500 و1900 بشتّى مظاهره، مثل حركة الإصلاح البروتستانتي، ومحو الأُمّية، والتّصنيع، والتّخلّي عن المسيحية، وتطوّر التّحكم في الولادات، ويحلل تحليلا ضافياً الأيديولوجيات الحديثة، حيث وضح في خمسة فصول متتالية كيف أَنْتج كلُّ نمط من الأنماط العائلية التي تتوطّن في الفضاء الأوروبي تلك الأيديولوجيات مثل العائلة النّواتية المساواتية نمط العائلة الجذعيّة، ونمط العائلة العرشية، ونمط العائلة النّواتية المطلقة. ثم يقدم مدخلاً إلى التّاريخ الرّاهن حيث يدرس تَحَلُّلَ الأيديولوجيات الأوروبية طيلة الحقبة الممتدّة من 1965 إلى 1990، وهو مسار لم يكتمل بعدُ.

ويحاول أن يستشِفَّ البنى الجديدة التي هي في طور التّبلور، في ضوء الظّواهر الحالية والنّزعات المعبّرة عنها.

ويسأل طود بالنهاية سّؤالا جوهريا بالنّسبة إلى كلّ الّذين ينشغلون بمستقبل البناء السّياسي الأوروبي؛ أَيُمكِنُ الحديثُ عن خُبُوِّ المُحدّدات العائلية أمْ أنّه يجب الإقرار، مع اقتراب الألفيّة الثّالثة، بالإصرار على التّجزؤ الأنثروبولوجي لأوروبا؟ مؤكدا أنّ “الواقع يُظهِر مزالق ثقافية بيّنةً، بَيْدَ أنّه سيكون من التّراخي بلا ريب أن نغُضَّ الطّرف عن استخلاص مواطن الِائتلاف في النّموذج التّاريخي”.

ويرى طود أنّ اختفاء الأيديولوجيات الصغيرة لا يعني انقضاء القيم الأساسية للحريّة أو للتسلّط، وللمساواة أو للتفاوت. فهذه الأزواج من القيم المتعارضة التي تحملها في الأصل المنظومات العائلية تواصل بناء سلوكات اجتماعية عديدة، وتنظيم السير الفعلي للمجتمعات، وليس فقط أحلامها. ولا يتسبّب اختفاء الاشتراكية في اختفاء الطبقات الاجتماعية، ولا يستتبع اختفاء القومية اختفاء الأمّة. واختفاء المدينة السماوية هو وحده الذي يفضي إلى انحلال جماعة المؤمنين، والمجموعة المسيحيّة. ويتواصل وجود جماعات الكادحين والقوميّين باعتبارهم ذَوَاتاً موضوعيَّةً تُعرَّفُ بالمهنة وباللغة.

كتاب يغوص في تاريخ أوروبا الحديث بدءا من عصر النّهضة حتّى عتبات القرن الحادي والعشرين

وأكد أن دراسة التطورات الصناعية والسياسية سنوات 1965 – 1990 تلفت الأنظار إلى بقاء طابع تسلّطي في بعض المجتمعات بإمكانه كبح الانكماش الصناعي، وترسيخ منظومة الأحزاب، وحبّ الدولة في ألمانيا والنمسا وسويسرا، وفي ما يتعلق بالميدان السياسي وحده في إيطاليا وفي السويد. وتكشف تحولات سنوات 1965 – 1990 بقاء طابع ليبرالي في مجتمعات أخرى قاد إلى تطورات اجتماعية مهنيّة أو سياسية سريعة، بوجه خاص في بريطانيا العظمى وفرنسا والدنمارك وإسبانيا وهولندا.

المواجهة مع الغريب

قيم التسلّط أو الحرية التي تقود الحداثة ما بعد الصناعية لم تعد تحملها، في ما يبدو، المنظومات العائلية دون سواها. إنّ العائلة تؤدي دوراً، ولكن لا يمكن الإفراط في النسب إلى مؤسّسة هزّتها الأزمة الديمغرافيّة هزّاً قدرة مبالغاً فيها على نقل القيم. فالمدرسة والجوار والشركة تؤدّي أيضاً دور البدائل. ويمكن أن نسلّم بنشر للقيم التقليدية في مجمل الجسم الاجتماعي. فالمدينة المثالية، وقد تحقّقت أخيراً، نظّمتها هذه القيم أكثر، بالتّأكيد، من المدينة التي يحلم بها الاشتراكيون والقوميون أو المسيحيون.

واختار طود بالنهاية أن يعاين الاشتغال المستمرّ لهذه القيم في ميدان مركزي هو ميدان الهجرة. وقال إنّ “المواجهة مع الغريب الوافد من العالم الخارجي أجبرت مختلف المجتمعات الأوروبية على تعريف ذاتي لذواتها. فأوروبا المُحْبَطَة ديمغرافياً، بفعل ضعف الخصوبة فيها، بحاجة إلى المهاجرين. وإنّ إقامة المهاجرين على أرضها شرط من شروط بقائها. وعلى كلّ المجتمعات الأوروبية في السنوات المقبلة أن تحدّد للمهاجرين إدماجاً اجتماعيّاً من هذا النمط أو من ذاك، وأن تحدّد وضعهم القانوني في المدينة. إنّ المهاجرين هم في الغالب الأعمّ عمّال، وحظهم من تعلم القراءة والكتابة ومن الكفاءة لا يسمح لهم بالاندماج في مستوى عالٍ من البنية الاجتماعية. ثمّ إنّ تركيز جماعات بشريّة جديدة في الوقت نفسه الذي تزول فيه الأيديولوجيات الحالمة بالبروليتاريا وبالأمة يثير بكلّ واقعية بعض الأسئلة المهمّة المتعلّقة بحدّ الطبقة وحدّ الأمة. لا يمكن أن يكون التاريخ أكثر مكراً وخبثاً أو فساداً. إنّ الإجابة التي تصدر عن مختلف المجتمعات الأوروبية ليست موحّدة. فهي تتعلق مرّة أخرى بالقيم التقليدية للحرية أو للتسلّط، وللمساواة أو للتفاوت. إنّ اختيارات بلدان الهجرة الثلاث الكبرى ‘فرنسا، ألمانيا وبريطانيا العظمى’ مختلفة، وهذا الاختلاف يلعب ثانية، في ميدان جديد بل مستقبليّ، مباراة الاختلاف بين الثقافات الأوروبية طويلة الأمد. فهل سيكون المهاجرون أحراراً متساوين؟ وهل سيكونون فئة معزولة، وحالة من النظام القديم بُعِثَتْ في قلب المجتمع ما بعد الصناعي؟ وهل سيكونون أحراراً ولكنهم مختلفون؟ مع اقتراب سنة 2000 لا تبدو المجتمعات ما بعد الصناعيّة قد تخلّصت بَعْدُ من الإكراهات الأنثروبولوجية الموروثة من أزمنة التأسيس”.

أوروبا المُحْبَطَة ديمغرافياً، بفعل ضعف الخصوبة فيها، بحاجة إلى المهاجرين

ولفت طود إلى أن أحد المجالات المشتركة للأدبيات السوسيولوجية الراهنة هو النظر في قدرات مختلف المجموعات المهاجرة على الاندماج. نلاحظ أنّ المهاجرين إلى حد تاريخ معيّن كانوا من أصل أورووبي مسيحي، وأن وجود خلفية ثقافية مشتركة بين السكان الأصليين والمهاجرين كان يسهّل مسار الاندماج. ونلاحظ كذلك أنّ الهجرة القادمة من العالم الثالث تثير مشكلات معينة؛ لأنّها تعقد صلة بين شعوب لها تقاليد عائلية ودينية متباينة ومتعارضة أحياناً. ويتم تركيز الانتباه عبر كامل أوروبا على الجماعات المهاجرة المسلمة الممثلة تمثيلاً جيّداً ببريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا. ويشغل السكان السود في بريطانيا العظمى وفرنسا البالَ أقل من المهاجرين المسلمين؛ لأن ثقافتهم في منطلقها أوروبية إلى حدّ ما. ويتكلم الأنتيليون الإنجليزية والفرنسية. وتمنح عادات السكان الأفارقة أو الأنتيليين العائلية فضلاً عن ذلك استقلالاً واسعاً جدّاً للمرأة وتتلاءم كلّ التلاؤم مع آداب السلوك الفرنسية والبريطانية. وتبدو الثقافة الإسلامية للأوروبيين مقابل ذلك مناهضة للمرأة في جوهرها؛ إنها تستقطب صور القلق جميعها وكل أشكال الرفض. ولا ننكر وجود نوع من المقاومة للاندماج عند السكان المسلمين، فالاختلاف العائلي قد ذكّاه وجود منظومة دينية قديمة ومتناسقة.

تصلب الثقافة

واستدرك أنه لا بد من ملاحظة أن النساء من أصول مسلمة في أوروبا سنوات 1985 – 1990 ينضّمن خصوبتهن تدريجياً وفق خصوبة السكان الأوروبيين المحيطين بهنّ. فعدد الأطفال عند النساء الجزائريات في فرنسا في تناقص مستمر. ونسبة الولادات التركية في انخفاض في ألمانيا. والنساء من أصل باكستاني في بريطانيا يتطوّرن نحو عادات عائلية وجنسية من نمط أوروبي. فليس هناك أيّ مؤشّر يدلّ بكلّ وضوح على أنّ مقاومة السكان المسلمين للاندماج هو حديث خرافة. والحقيقة بكلّ بساطة أنّه لا وجود لأيّة ثقافة سليلة العالم الثالث تستطيع أن تصمد أكثر من جيل أمام تصلّب الثقافة ما بعد الصناعية الأوروبية الغازية والمهيمنة.

ولا يمكن أن تكون المقاومة إلا عراكاً من أجل العِرضْ، فالدين الإسلامي نفسه أكثر من مهدّد. وربّما كان عليه أن يعيش في عالم مسيحي مؤمن ومُضْطَهِدٍ. وإن فرص صمود الإسلام في أوروبا المتخلية سويّة عن المسيحية واللاأدرية سنوات 1990 – 2000، هي تقريباً منعدمة. ومع اقتراب سنة 2000، بدا الأتراك والعرب والباكستانيون مؤهّلين تماماً للاندماج. والمشكلة الحقيقية ليست من جهة السكان المهاجرين، ولكنها نابعة من سكّان الاستقبال، حيث يبدو بعضهم قادراً بمقتضى التقاليد على الاندماج، بينما يستعدّ البعض الآخر بمقتضى تقاليد معاكسة للعزل. إنّ ردود الفعل البريطانية والفرنسية والألمانية على الاندماج الإسلامي مختلفة مثلما كانت قبل قرن أو قرنين ردود الفعل على الاندماج اليهودي التي أوجبتها فرنسا وقبلتها بريطانيا العظمى ورفضتها ألمانيا.

وتابع طود أن اليهود لم يعودوا يجسّدون في أوروبا فكرة الاختلاف. فعلى صعيد كوكب يوحّده تسارع الاتصالات والتبادلات، لم تعد اليهودية تبدو على الإطلاق إلا بوصفها مُكوِّناً من ضمن مكوِّنات أخرى للتقاليد اليهودية المسيحية. ومع اقتراب سنة 2000، بدا واضحا أن الإسلام هو الذي سيجسّد في اللاوعي الجمعي لمختلف الأمم الأوروبية فكرة الاختلاف. وممّا يثير السخرية أن الاختلاف الإسلامي في قارّة أوروبية تبحث عن وَحدتها يوشك أن يكشف عن الاختلافات الأساسية بين الثقافات الأوروبية. فإذا أصبح ابن الجزائري فرنسياً، وإذا بقي ابن التركيّ تركيّاً يعيش في ألمانيا، وإذا صار ابن الباكستاني مواطناً بريطانيّاً مخصوصاً، فمن سيكون أوروبيا إذاً؟ إن حضور المهاجرين يجدّد في أوروبا الصراع بين التصوّر الفرنسي والألماني والبريطاني للوطنيّة. وبالنسبة إلى قارة تسعى إلى تحديد مواطنة مشتركة تبدو المشكلة عويصة.

يُمَكّن التّنوعُ العائلي أوروبا من تعليل قابليّتها الدّائمة للتجزّؤ منذ القرن السّادس عشر حتّى القرن العشرين؛ وتلك المرحلة الطّويلة هي مرحلة الإقلاع والانخراط في العصرنة

إن شكل أوروبا متوقّف على قدرة الشعوب الأوروبية على التغلّب على اختلافاتها الألفية الأنثروبولوجية بدل السياسية وربّما حتى وجودها المحسوس.

وأنهى طود كتابه متسائلا “هل ستكون أوروبا عموميّة ومحترمة للاختلاف وعِرْقِيّة؟”. وقال “لن يستطيع الأوروبيون أن يعرّفوا ذواتهم دون أن يتّفقوا على تعريف الآخر”.

وعلى أساس تلك المكوّنات يحاول الكاتب أن يعلّل اختلافات أجزاء القارّة مذهبيّاً وسياسيّاً، بدءاً من اختلاف الأنماط العائليّة إلى غاية الاختلافات الأيديولوجيّة في القرن العشرين.

ولعلّ الإلمام بتاريخ القارّة خلال القرون الخمسة الأخيرة لم يغيّب عن صاحب النّظرة الاستشرافيّة التي كانت مبثوثة عبر فصول الكتاب، سواء من خلال تأكيد أنّ الجسم الأوروبي ليس كياناً متجانس الأجزاء أم من خلال التلميح إلى القضايا والتّحدّيات التي ستواجه أوروبا الموحّدة، وهي قضايا وتحدّيات منها ما يعود إلى طبيعة التجزّؤ الأوروبي ومنها ما هو وافد عليها كقضيّتي السّامية والهجرة.

الهجرة القادمة من العالم الثالث تثير مشكلات معينة لأنّها تعقد الصلة بين شعوب لها تقاليد عائلية ودينية متباينة ومتعارضة أحياناً
الهجرة القادمة من العالم الثالث تثير مشكلات معينة لأنّها تعقد الصلة بين شعوب لها تقاليد عائلية ودينية متباينة ومتعارضة أحياناً

 

13