المؤرخ الألماني يورج بابروفسكي: إذا منحنا العنف مزيدا من الوقت أصبح سلطة

العنف يتحول إلى سلطة ما إن يمنح المزيد من الوقت وتتضح تأثيراته في الوقت الذي يقع قبله وبعده فيتحول من شهدوا العنف إلى دمى تحت تصرف السلطة.
الجمعة 2020/10/23
هل ممارسو العنف مرضى نفسيون (لوحة للفنان سيروان باران)

رغم أن العالم لا يسكنه الأشرار فقط، ينتشر العنف في كل مكان، يتضارب الناس ويتقاتلون مبررين ذلك بدافع الطاعة، أو لكونهم مجبرين، أو بحكم العادة، أو بدافع السعادة، أو لأنه تتعين عليهم مواجهة من يمارس العنف، فمن الواضح أن الأمر لا يتعلق بالنوايا والقناعات بل بالإمكانات. وهذا ما يدرسه الكاتب والمؤرخ الألماني يورج بابروفسكي.

إن موطن العنف هو مكان آخر يختلف عن موطن السلام، من يطأه يصبح شخصا آخر، فالعنف لا يدع أحدا دون أن يمسه، ولا أحد يستطيع الفرار من قهره، إنه ديناميكي ويغير كل العلاقات الاجتماعية وفق شروطه.

انطلاقا من هذه الرؤية يأتي كتاب يورج بابروفسكي “العنف والإنسان.. كيف يؤثر العنف على البشر ويعيد تشكيل حيواتهم؟” كاشفا ومحللا للكثير من جرائم الحرب التي هي ذروة العنف.

مملكة الظلام

يوضح بابروفسكي في كتابه، الذي ترجمته علا عادل إلى العربية وصدر أخيرا عن دار صفصافة، أنه قضى “أكثر من خمسة عشر عاما منشغلا بفظائع الحكم الستاليني العنيف، وقد علمته هذه التجربة أن البشر قادرون على كل شيء عندما يتحركون في نطاق لا يكون العنف فيه ممنوعا بل متاحا، كما أقنعته التجربة بأن الإنسان لا يعرف شيئا عن تأثير العنف إذا لم يدركه على أنه حدث دموي.

كتاب يكشف الكثير من جرائم الحرب التي هي ذروة العنف
كتاب يكشف الكثير من جرائم الحرب التي هي ذروة العنف

ويلفت الكاتب إلى أنه قد قضى سنوات طويلة من حياته يبحث عن إجابة لسؤال ما يفعله الناس في حالة العنف؟ وكيف يشكل العنف الناس؟ أيا كان ما يحدث فالعنف دائما يصبح مملكة “الظلام غير القابل للاختراق”.

ويؤكد بابروفسكي أن العنف يغير كل شيء، ومن يتعرض له يصبح شخصا آخر، فمعايشة العنف شأنها شأن رحلة إلى عالم جديد، حيث تسود قواعد أخرى ويعيش أشخاص آخرون، في هذا العالم تحيد المعايير عما هو طبيعى، فما يمكن أن يعتبره الناس بديهيا يبدو في ضوء العنف غريبا بطريقة نادرة، وما هو غير معتاد يصبح من شؤون الحياة اليومية، ما إن تطأ قدمك مواطن العنف حتى تعرف أنه لم يعد أي شيء كما كان.

ويستشهد بابروفسكي بما كتب الجندي ويلي ريس حيث يقول “إنه لم يستطع مطلقا نسيان وحشية العنف، والتي كان شاهدا عليها، فقد نظر إلى قاع الروح الإنسانية ولمس فظائع الحرب بكل خلجاته، وكان قد أتى إلى روسيا من مملكة السلام والرخاء، ليغادر البلاد ثانية بوصفه موصوما”.

ويعلق “ريس، المهووس بالكتب، مرهف الحس، أصبح شخصا آخر، منذ أن رأى الجحيم، وقتل نساء وأطفالا، وأمطر جنود الأعداء بوابل رصاص، لقد قتل بشكل آلي ودون أدنى تعاطف، كي يتمكن من النجاة من الحرب وكي ينقذ حياته، ولكنه باح لدفتر مذكراته مرة قائلا: إلا أنني لم أجد الهدوء ثانية، ولم أجد طريق العودة لذاتي مرة أخرى، إذ ظلت الذكريات تطاردني مثل اللعنات، حتى أنني كنت أعايش فظائع حرب الشتاء مرارا وتكرارا، وأسمع دوي القذائف وصراخ الجرحى، ورأيت الجنود يتدافعون ويتهاوون ويلقون حتفهم، ورأيت نفسي مثل شخص غريب في قدري على هامش بلد المجهول”.

ويضيف بابروفسكي “كان هذا أيضا لسان حال الجنود البريطانيين الذين لم يتمكنوا مطلقا من نسيان ما رأوه في معسكر الاعتقال النازي بيرجن بيلزن، وحاولوا أن يفهموا ما دفع رجال مثل جوزيف كرامر إلى ارتكاب فظائع لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال، لم يستطع هؤلاء الذين رأوا الحرب ولمسوا الموت فهم ذلك، ربما كان بالإمكان فهم تحول آمر معسكر اعتقال أوشفيتس – بيركناو، وبيرجن بيلزن ورئيس ليبيريا إلى مجرمين ساديين أو وحوش، ولكنهم لم ينطبق عليهم مطلقا ما يعتبر في العادة مبررا لنشأة العنف، إذ لم يكن كل من تايلور وكرامر مريضين نفسيين، لم يكن أي منهما عرضة في الماضي لاضطهاد أو من ضحايا العنف، ولم يحدث -ذات مرة- أن أبدى أي منهما اهتماما ببرامج سياسية وأيديولوجيات.

ورغم ذلك فقد اعتبرا العنف أمرا طبيعيا، كيف استطاع كرامر وتايلور -اللذان أمرا بقتل عشرات الآلاف من البشر- أن يعتقدا أنهما تعرضا للظلم حين تم إلقاء القبض عليهما، وأنهما يجب أن يخلى سبيلهما بمجرد استدراك الخطأ؟ ألم يدركا ما كان يدور حولهما؟ تبدو الحالة من الوهلة الأولى واضحة، فالجناة لم يروا ما رآه الآخرون، ولم يعتبروا هذا غير معتاد، لاسيما ضرب البشر ورميهم بالرصاص وإلقاء جثامينهم مثل القمامة، ولكن أنّى لنا أن نفهم أن هذين الرجلين لم يشعرا بأي شيء؟ أما نحن فقد وقفنا مشدوهين بمجرد أن سمعنا عن أفعالهم وجرائمهم”.

يورج بابروفسكي قضى أكثر من خمسة عشر عاما منشغلا بفظائع الحكم الستاليني العنيف
يورج بابروفسكي قضى أكثر من خمسة عشر عاما منشغلا بفظائع الحكم الستاليني العنيف

ويشير إلى أنه بعد الفعلة تأتي ساعة التبرير، فالجناة أنفسهم يوارون أصل العنف وفحواه؛ لأنهم يسوقون دوما أسبابا لجرائمهم، تسمح لهم بأن يضعوا أفعالهم ضمن منطق سلوك المجتمع المسالم. فعندما تنتهي المواجهات الجسدية وحالات الاغتصاب والاضطهاد والمذابح والحروب ويحظر العنف ثانية، فإن الدافع الوحيد الذي يمكن سرده حينها هو فقدان الجاني والضحية عقليهما، وهو ما يجعل العنف يبدو كاضطراب عابر أو مؤقت، فالإنسان يستعين بالإشارة إلى الدوافع والحتميات بغرض تجاوز الإثارة والبلبلة التي أطلقت للعنف العنان.

ويحيل الجناة المسألة دائما إلى حالة طوارئ إصدار الأوامر، إلى مقتضيات حتمية أو إلى التوابع القاتلة التي كانت ستطرأ لو عارضوا أوامر القتل، بعضهم يستعين بالقيم العليا ومفاهيم الشرف، وبعضهم الآخر يصرح بأن شرور الضحايا لم تترك لهم الخيار، فيتعين عليهم أن يصبغوا ما ارتكبوه بحق ضحاياهم بالعقلانية أمام أنفسهم وأمام الآخرين. وإذا تعرضوا للمساءلة بعد انتهاء العنف، فإنهم يحاولون أن يسوقوا أسبابا مفهومة حتى يدرك الجميع لماذا لم يتمكنوا من التصرف بشكل مغاير، وحين ينتهي الاعتداء الوحشي ويعم السلام لا يمكن وصف العنف إلا بأنه استثناء للقاعدة.

العنف والسلطة

يشدد الكاتب على أن “من يقر أمام المحكمة بأنه أمر بقتل أناس بدافع اللامبالاة، أو لغرض ما أو انطلاقا من دوافع متدنية أو حتى فقط لرغبته في ذلك فهو يدين نفسه لا محالة، لذا لطالما قدم أعوان الدكتاتوريين والطغاة بعد انتهاء أعمال الاعتداءات الوحشية مبررات لإثبات أن إرشاداتهم وأوامرهم كانت تخدم أغراضا مفهومة، حتى أن مساعدي هتلر أشاروا أمام محكمة نورينبرج إلى أوامر حتمية اضطروا لتنفيذها ولم تكن لهم حيلة في ذلك، حيث صاح القائد السابق للقيادة العليا لقوات الدفاع فيلهيلم كاتيل أمام المحكمة، قائلا: ماذا كان بإمكاني أن أفعل؟ فالضابط لا يستطيع مناطحة قائده، الآمر الأعلى، ومعارضته! ليس بوسعنا سوى تلقي الأوامر وطاعتها”.

بعد الفعلة تأتي ساعة التبرير، فالجناة أنفسهم يوارون أصل العنف وفحواه لأنهم يسوقون دوما أسبابا لجرائمهم

يرى بابروفسكي أن العنف يتحول إلى سلطة ما إن يمنح المزيد من الوقت، وتتضح تأثيراته في الوقت الذي يقع قبله وبعده، فيتحول من شهدوا العنف بفعل خوفهم إلى دمى تحت تصرف السلطة؛ لأنهم لا يرغبون في أن يصيبهم ما ألمّ بغيرهم. إلا أن العنف، الذي يسعى لإرساء السلطة، يحتاج إلى فترات استراحة، فالتهديدات تصبح واهية عندما لا يصبح لدى الأشخاص المحكوم عليهم بالموت أي شيء يخسرونه سوى حياتهم، والعنف الذي لا يكون أكثر من مجرد صدفة وقدر، لا يؤسس سلطة راسخة، إذ ليس بمقدور صاحب السلطة أن يعرف ما إذا كان بوسعه الاطمئنان لاستقرار سلطته، وما إذا كانت الرعية المقموعة ستستمر في الخضوع عندما لا يوجد من يستخدم العنف ضدها، إلا بعد توقف هذا العنف، فهل الخوف من عودة العنف شديد بما يكفي ليمنع الرعية من المقاومة؟

يعرف أصحاب السلطة الإجابة عن هذا السؤال فقط عندما يراقبون ما يحدث بعد انتهاء العنف الذي مارسوه على الآخرين، فلن يكون بمقدور الأشخاص، الذين شهدوا الترويع، أن يفعلوا أي شيء آخر سوى التفكير في العنف الذي عانوا منه وأن يتأقلموا مع عودته. ولطالما أدرك الطغاة حتمية استمرار تهديداتهم بالعنف إذا أرادوا إرساء السلطة؛ لأن سلطتهم تستند إلى قدرتهم المبرهنة على إلحاق الأذى والقتل، وأيضا إلى رغبتهم واستعدادهم وقدرتهم على تكرار ذلك مرات ومرات، فما إن يظهروا ضعفا، حتى ينتهي أمر سلطتهم.

14