المؤرخ الهندي سانجاي سوبراهمانيام مخترقا حدود التاريخ

اشتهر المؤرخ الهندي سانجاي سوبراهمانيام المولود في نيودلهي عام 1961 بنظريته التي أطلقها في التسعينات من القرن الماضي، والتي دعا فيها إلى ضرورة قراءة التاريخ متحرّرا من قيود الحدود، والقوميات الشوفينية، والرؤى التي طبعت الفترات الاستعمارية. لذلك يحاول في جميع الدراسات التي أصدرها إلى حد الآن، أن يظهر الاستفادة التي يحصل عليها المؤرخ عندما يتحرر من المركزية الأوروبية التي تفرض نفسها على العالم منذ قرون عدة.
الخميس 2015/05/07
كاتب ساعده إلمامه بعدة لغات على تطوير نظريته

يعيش المؤرخ الهندي سانجاي سوبراهمانيام متنقلا بين لوس أنجليس التي يدرّس التاريخ المعاصر في جامعتها، وباريس حيث استقبله “الكوليج دو فرانس” كأستاذ زائر.

ومؤخرا صدر له عن دار “ألما” الفرنسية كتاب بعنوان “دروس هنديّة”، ويحتوي هذا الكتاب على مجموعة من النصوص المختلفة في مضامينها.
فمنهاما يعكس مسيرة هذا المؤرخ الفكرية والأكاديمية، ومنها ما يبرز شغفه بالأدب والفلسفة، ومنها ما يتطرق فيه إلى نظريته حول “التاريخ متّصلا” والتي يدعو فيها إلى ضرورة الانفتاح على الآفاق الجغرافية، وتجاوز الحدود القومية، وكتابة تاريخ العالم انطلاقا من العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول سواء كانت هذه العلاقات سلمية أم عنيفة ومتوترة. وقد ساعده إلمامه بعدة لغات على تطوير نظريته المذكورة والاطلاع على مصادر مختلفة في قراءتها للأحداث.

مصادر غير كافية

في بداية مسيرته، اهتم سانجاي سوبراهمانيام بتاريخ مدينة غوا الهندية التي احتلتها البرتغال مطلع القرن السادس عشر، والتي ظلت على مدى قرون طويلة عاصمة للإمبراطورية البرتغالية في القارة الآسيوية بسبب مينائها الهام، والمبادلات التجارية الهامة التي كانت تتمّ عبرها.

وفي هذه الفترة تعرف سوبراهمانيام على البريطاني غيوفراي باركر كاتب سيرة فيليب الثاني. ومن خلال المناقشات معه، تبين له أن الاعتماد على المصادر البرتغالية لا يمكن أن يفي بالحاجة.

لذا كان من الضروري أن تكون مصادره متعددة لكي يتمكن من أن يقدم رؤية جديدة عن تاريخ غوا تختلف عن تلك التي كتبها البرتغاليون، أو الذين اقتصروا على المصادر البرتغالية. ومنذ ذلك الحين، أصبح يضيق بالنظريات والدراسات التاريخية التي تتركز على فضاءات منغلقة على نفسها، وغير متصلة بفضاءات أخرى قريبة أو بعيدة.

قراءات خاطئة

كتابة تاريخ العالم تنطلق من العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول سواء كانت سلمية أم عنيفة ومتوترة

يقول سانجاي سوبراهمانيام “في كل الجامعات الهندية تتركز دراسات المؤرخين على فترة الاستعمار البريطاني. أما الفترة التي هيمن فيها المغول على الهند والممتدة من عام 1526 إلى عام 1857 فهي مهملة ومنسية ولا تحظى باهتمام كبير من قبل الدارسين. وبطبيعة الحال، أنا أعتقد أن مثل هذه الدراسات منقوصة، ولا يمكن أن تفي بالغرض”.

ويضيف سبوراهمانيام قائلا “الهند ليست فترة الاستعمار البريطاني، ولا فترة الهيمنة المغولية، ولا الفترة الإسلامية ولا الفترة الذهبية التي تعود إلى الأزمنة القديمة حيث تبدو الهند وكأنها جنة الأحلام والمتع والملذات، وإنما هي هذا كله.

لذا لا بدّ من تعدد المصادر والرؤى والقراءات لكي نستطيع الكشف عن الصورة الحقيقية للهند. وثمة مؤرخون هنود يرفضون رفضا قاطعا نظريات المؤرخين البريطانيين والأميركيين المتعلقة ببلادهم، معتبرينها نظريات استعمارية وامبريالية. وهم مخطئون بطبيعة الحال”.

ويتابع قوله “جميع هذه النظريات مفيدة ولا بد من دراستها والاهتمام بها لكي نحصل على نظرة شمولية للتاريخ تتجاوز الحدود القومية والجغرافية.

في جميع الدراسات التي أصدرها يحاول أن يظهر الاستفادة التي يحصل عليها المؤرخ عندما يتحرر من المركزية الأوروبية
وقد التقيت في الجامعات الأميركية مؤرخين من أصول هندية يعتبرون أنفسهم مؤهلين أكثر من المؤرخين الأميركيين لدراسة تاريخ الهند. وهم مخطئون بدورهم لأنه لا شيء يثبت أنهم قادرون أكثر من هؤلاء على قراءة وتفسير وثائق تاريخية مكتوبة بإحدى اللغات المحلية الكثيرة في الهند بطريقة أفضل من غيرهم”.

ومنتقدا المؤرخين الأميركيين الذين يرفضون قراءة التاريخ خارج حدود بلادهم، يقول سانجاي سوبراهمانيام “أخشى أن نجد أنفسنا خلال السنوات القليلة القادمة أمام رؤية لتاريخ العالم تقول بأن الولايات المتحدة الأميركية تتكون من قوميات وأجناس مختلفة، وبالتالي ليس من الضروري البحث خارجها عن تاريخ الشعوب والأمم”.

وفي المحاضرات التي يلقيها سواء في جامعة لوس أنجليس أو في “الكوليج دو فرانس”، دأب سانجاي سوبراهمانيام على تحريض الطلبة على اختراق الحدود، والذهاب إلى حيث لم يذهب أحد من قبل.

14