المؤسسات الدينية تتراجع أمام عواقب تحرير الدين من ثقل الماضي

تشهد المنطقة العربية تحولات في شتى المجالات، تؤسس ضمنها علاقات جديدة، تصنعها أو تشارك فيها جماعات منظّمة عبر أُطر معرفيّة، محدثة لتوترات في شبكة العلاقات الاجتماعية من جهة، وناظرة ومُوِّظفة وأحيانا مُسْتحوذة على التراث الديني المشترك من جهة أخرى، الأمر الذي استوجب دراسة مستفيضة تُبَيِّن مواقع الخلل، وتُرِينَا البعد المعرفي –المرجعي أو الأيديولوجي - الذي تتخذ منه تلك الجماعات والتنظيمات سندا وقاعدة انطلاق لتبرير أفعالها، وهو ما قام به الكاتب والأكاديمي الباحث المصري هاني نسيرة في كتابه “متاهة الحاكمية.. أخطاء الجهاديين في فهم ابن تيمية”.
الجمعة 2016/01/08
الحداثة طالت الأسلحة فقط

يثير الباحث المصري هاني نسيرة في كتابه “متاهة الحاكمية.. أخطاء الجهاديين في فهم ابن تيمية”، الصادر في أغسطس الماضي (2015) عن مركز دراسات الوحدة العربية، جملة من القضايا ضمن فضاء كتابات ابن تيمية وكيفية التأثّر بها، موضحا الخلل المعرفي لتوظيف ذلك الفكر لدى من أطلق عليهم اسم الجماعات الجهادية، وهي أيضا سمّت واعتبرت نفسها كذلك، وإن كان جلها في نظر منتقديها، بما في ذلك بعض الباحثين، يعتبرها تنظيمات إرهابية، مفكّكا تصوراتها وتحليلاتها التي أفرغت الفهم الراهن للجماعات على الفكر أو لنقل المواقف التأسيسية على فكر ابن تيمية، مما عُدّ عصرنة لفكره لا على المستوى التنظيري فحسب، وإنما على المستوى العملي أيضا.

وبغض النظر عن النّقد الموجّه للجماعات الجهادية لجهة توظيفها لآراء ابن تيمية خارج زمانها وسياقها التاريخي، ومُتطلَّبات المكان، وعلاقة الحيز الجغرافي بالفكر، فإن الكاتب نسيرة ساعدنا على إعادة اكتشاف وربط ما يحدث في دولنا بمسألة جوهرية، وهي أن التنظيمات الراهنة تحمي أفعالها وتصوراتها بميراث قديم تماما مثلما رأينا في فلسفة ومبادئ الثورات الكبرى رغم اختلاف المقدمات والنتائج بين تجارب دول العالم في التغيير وتجاربنا العربية والإسلامية الراهنة.

الاشتباه والاستجلاء.. والإضاءة

تمكّن هاني نسيرة، وهو صاحب باع طويل في دراسة الجماعات والتنظيمات الجهادية، من تحقيق دوافع دراسته، وقد ذكرها نسيرة على النحو التالي:

◄ أولا ـ ضبط مشكلة الاشتباه في فهم ابن تيمية، عبر ضبط نسقه، وفق منهج المقولات الحاكمة، والعلاقة بين نظرته أو نظريّته، وانفتاحه، وآرائه التي ميّزته وسط المدرسة الحنبليّة ذاتها، فقد لاحظ البعض نشأتها ظاهرياّ بينه وبين ابن رشد، سواء في مسألة درء التعارض وفصل المقال رغم ما بينهما من فروق لاحظها هنري لاووست، كما يمكن أن نرصد تشابها في رأيهما في مسائل أخرى، كمسألة الغلو ومسألة خلق القرآن وغيرهما من مسائل الألهيات، رغم أن كلاّ منهما يختلف عن مذهب المعتزلة في القول بخلق القرآن.

◄ ثانيا - الرغبة في استجلاء فهم الجماعات لابن تيمية، وتأويله عند الجهاديين والسلفيات الجهادية، وكيفيَّة القراءة وأدواتها، خاصة أن الإسناد إليه رئيس عند هذه الجماعات منذ وقت مبكِّر، وما زال مُسْتمرا، عن كشف صواب ذلك من خطئه، وحقيقته من زيفه، ونصِّه من تأويله.

◄ ثالثا ــ إضاءة آثار وكتابات ابن تيمية من مسائل الجهادية والإمامة والتكفير والخروج على الحكام، بما يتفق مع نسقه الكلّي ويضم شوارده لوحدة خطابه المركزية، وهذا بهدف تحقيق المناط وفك الارتباط بين خطاب ابن تيمية وخطاب وآثار الجماعات الإرهابية والسلفية الجهادية المعاصرة منها، ومشاكل قراءتها وأسبابها.

فكّ ارتباط بين فكر"ابن تيمية" وخطابات الجماعات الإرهابية

الفجوة الزمنية

الكاتب حقّق تلك الدوافع اعتمادا على فرضيات الدراسة ومنهجها، رغم أنه واجه صعوبتين، الأولى: ندرة الاهتمام بحثيا بفك الارتباط بين ابن تيمية والسلفية الجهادية، والثانية: الفجوة الزمنية بين خطابين، أحدهما خطاب سلفي قديم ومتسق هو خطاب ابن تيمية، والآخر خطاب تأويلي متعدد الأنساق وحديث، تَغلْب عليه النداءات الحركيّة واللحظية، والتفاعل مع الأحداث الراهنة في صُوره الأولى، واللبوس السلفي في أطروحاته منذ تسعينات القرن الماضي، حيث الانتقال من طور الجهادية إلى السلفية الجهادية.

لاشك أن الكتاب بما يطرحه من تأصيل للفكر وكشف لأخطاء الجهاديين قد أَثْرانا معرفياّ، ونبّهنا إلى ضرورة تصحيح الفهم لدى الجماعات الجهادية ولدينا أيضا، ومع هذا فإن هناك جملة من القضايا تقتضي مناقشتها مع هاني نسيرة بما سيعتبر شرحا مستفاضا للنص، وقد طرحت عليه” العرب” بعض الأسئلة المؤسسة على دراسته منها، أنه، وبالعودة إلى ما جاء في كتاب متاهة الحاكمية، هل يمكن القول إن اعتبار ابن تيمية مرجعيّة ومرجعا يُقَوٍّي من قيمة النصوص لجهة التعويل عليها، سواء في تلك التصورات التي ترى الإسلام من زاوية الاجتهاد البشري، أو تلك التي تعتبر في فتاواه ـ ابن تيمية ـ أدبيات أو فلسفة للتغيير الدموي، كما يبدو واضحا في صيغ التبرير لدى الجماعات الإرهابية لما تقوم به من جرائم؟

يجيب نسيرة بأنه يظن أن ابن تيمية مركزي في قراءة التراث، سواء لدى المتفقين معه أو المختلفين عليه، ولكن لا أراه حسب هذا الكتاب أحد منظري التغيير الدموي فهو لم يكن كذلك، ويتَّضح هذا في رسالته “المظالم المشتركة” والغالب من فتاواه، ولكن إذا شئنا الدقة فهو مفكر وفقيه للهوية أو الطائفة المأزومة في زمانه، بهجمة سياسية وتغلب منافسيها عليها، بعد أن تحول ملوك التتر للتشيع، وكانت صحوة شيعية أكبر مما وصفت بالصحوة الشيعية في ما بعد، وكذلك من التيارات الباطنية والتأويلية والصوفية الاتحادية التي رأى فيها خطرا على تصوره للدين فنازحها ونازعها، محاولا درء التعارض بين النقل والعقل، كما واجه الأولى عبر تأييد كبير للدولة المملوكية وصدها للتمدد التتري، وكذلك جهود فكرية أخرى كمنهاج السنة في رده على منهاج الكرامة لابن الحلي.

التتار والسادات.. والكساسبة

من ناحية أخرى يرى الباحث هاني نسيرة أنه انتهى في هذه الدراسة التي استغرقت سنوات، لاكتشاف فروق كبيرة بين ما أراده ابن تيمية وغايات هذه الجماعات، وكذلك أخطاء في اقتباساتها عنه ونقلها، أحيانا أخطاء في النص، فقد نقلت فتوى التتار، التي استندت إليها في حكم الدار وتكفير الدول المسلمة واغتيال الرئيس المصري أنور السادات، خطأ في مؤلفاتها، كما اقتطعت نتفا من نصوصه عن سياقها كما كان في فتوى استحلال حرق الشهيد معاذ الكساسبة في فبراير سنة 2015، كما أن كل هذه الحركات أهملت النظرية السياسية فضلا عن الكلامية وأصول الفقه عند ابن تيمية، وانحصرت في أشتات فتاواه دون جمع بينها. وتجاهلت وهي تقدس الحاكمية وتتوه في تأويلاتها موقفه من الإمامة التي يهون منها ولا يراها بالمطلق أصلا من أصول الدين ولا من فروعه، بل يراها أمرا تقديريا محضا خاضعا لقوانين الغلبة والتغالب والقدرة على فرض الاستقرار.

هاني نسيرة
باحث في الفكر الإسلامي والعربي القديم والمعاصر

مدير معهد العربية للدراسات

حصل على الدكتوراه من كلية دار العلوم جامعة القاهرة بعد مناقشة رسالته “ﺗﺄﻭﻳﻞ ﻓﻜﺮ ﺍﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ ﻟﺪﻯ ﺟﻤﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﺘﻄﺮﻑ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ – ﺟﻤﺎﻋﺔ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﻧﻤﻮﺫجا“

شارك في العشرات من الكتب حول الفكر العربي وحقوق الإنسان والتاريخ الثقافي

مؤلف لعدد من الكتب منها:

الأيديولوجيا والقضبان.. نحو أنسنة الفكر القومي العربي، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان 2002.

الليبراليون الجدد في مصر - سلسلة كراسات استراتيجية– مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام 2006.

الليبرالية الجديدة في العالم العربي- المركز العربي للدراسات الاستراتيجية- دمشق 2007.

القاعدة والسلفية الجهادية: الروافد الفكرية وحدود المراجعات، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام 2008.

أزمة النهضة العربية وحرب الأفكار، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2009.

المتحولون دينيا دراسة في ظاهرة تغيير الديانة، مركز أندلس لدراسات التعصب والتسامح 2009.

الحنين إلى السماء: ظاهرة التحول الفكري نحو التوجه الإسلامي في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين، مركز الحضارة وتنمية الفكر الإسلامي 2009.

سرداب الدم: نصوص داعش دراسة تحليلية ونقدية، صفصافة للثقافة والنشر 2015.

لكن ماذا عن تراكم الغلو وتَوسّع مجاله، وتحولّه إلى حالة “جهادية” لدى جماعات الإرهاب والتطرّف؟ أليس آتيا من تخلّي المؤسسات الرسمية عن دورها المتعلق بطرح الدين والتراث ضمن رؤية مُتَّسمة بالحداثة؟

يجيب الباحث مشيرا إلى أن ما سمّاه في كتابه “متتابعة الغلو” بمعنى تراكمه لا يمكن رده لأزمة المؤسسة الدينية الإسلامية وحدها، فهو نتاج أزمات هوية وشرعية وحداثة. هي صرعة هوية أتت بعد سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924 ومع نشأة جماعة الإخوان، أولى جماعات الإسلام السياسي سنة 1928 مطالبة بعودتها، فقد بعض المتنورين والإصلاحيين اتزانهم كرشيد رضا وتحولوا للدفاع عن الخلافة التي كانوا ينتقدونها وأحيانا يطالبون بالاستقلال عنها، وكذلك أدى فشل المشروع القومي العربي ومشاريع الدولة القطرية في بعدها الثقافي والسلوكي خاصة، وفي علاقتهم بالمثقفين الحقيقيين، فضلا عن القضية الفلسطينية التي كانت هاجسا لدى كل حركات التحرر ثم الحركات الجهادية.

استقطابية.. وافترائية

بالعودة إلى دور المؤسسة الدينية، والتي هي في نظر الكاتب تعبير واسع وفضفاض، يرى أنها مطالبة بتحرير الدين من سطوة هذا الغضب وتحريره من ثقل الماضي ليتحلى بالوعي بالتاريخ وتشجيع النقد والعقل النقدي ووضع السياسات الثقافية والتوعوية الحداثية التي تصالح بين المقدس والإنساني، وبين الحق والقدرة وتحقيق المناط في كل ذلك، أتذكر معكم أن القدس ظلت في عصر الخلافة العباسية والفاطمية محتلة سبعين عاما ونيفا حتى جاء صلاح الدين الذي استقر له فتحها صلحا في النهاية مع ملك الإنكليز ريتشارد. فلم يكن التاريخ الإسلامي ولا النص الإسلامي ولا التأسيس الأول في عهد الرسول وصحابته إلا جزءا من قوانين التاريخ وموازين قوته، ولكن هذا التفكيك والرؤية الواضحة غائمة مع صرعات الهوية والتحرر والتحرير والحرب اللانهائية باسم الدين، دون اعتبار له.

وبالنسبة إلى مدى تواصل الافتراء على ابن تيمية، قال الكاتب إن ذلك يأتي على خلفية ظنّه بأن العرب لديهم نزعتان إحداهما تولد من الأخرى، نزعة استقطابية تولد نزعة افترائية، عبر تشويه الخصم، دون تحقيق، وأعرف كثيرين يرفضون أن يقرأوا ابن تيمية، ويصرون على اتهامه بأنه أصل البلايا!

وقال: أنا ليبرالي ومعرفي، دخلت هذا الحقل باحثا عن الحقيقة، ولم أحمل إجابات جاهزة، وأرفض الاتهامات السماعية والعفوية، كتلك التي تدعو البعض لاتهام آخرين كالبخاري وتدعو لحرقه وللنص الديني بمجمله دون تحقيق. كذلك يكتفي بعض أدعياء التخصص في مكافحة الإرهاب والتطرف بالقراءة السطحية لأدبيات الحركات الجهادية بحلقاتها المختلفة، فلا يبالي بقراءة هؤلاء وما يكتبون، وما يجندون به وهذا سر قوتهم وضعف مكافحيهم أحيانا. الافتراء سيظل مستمرا كنتاج لحالة الجهل والتجاهل وغياب روح التحقيق، واستسهال البعض للاتهام جهلا دون تعمق في المسائل.

فك الارتباط

يرى الكاتب حدوث فكّ ارتباط بين فكر”ابن تيمية” وخطابات الجماعات الإرهابية أو الجهادية المعاصرة في الوقت الراهن، وهي خطوة على الطريق، ويوضح ذلك بقوله: حين كتبت مُكَّذِبا تنظيم داعش في استناده لابن تيمية في جواز الحرق للأسير المسلم أو الحربي، أو غيره، لم يقو أحد منهم على الرد، والآن ينتقد الجهاديون بعضهم بعضا، النصرة والقاعدة تنتقدان داعش استنادا لابن تيمية، كما أن المراجعات التي انتهت سنة 2009 استندت لابن تيمية في نقد التأسيس والتوجه الجهادي والعنفي الأول، الخطاب الجهادي هو خطاب ذرائعي ولو عملنا عليه بعمق وقامت له مؤسسات حقيقية تفاعلية لانحصر، ولكن مازال الجهد فرديا أو مشتتا للأسف، ويحتاج المزيد من النشر والتوصيل لعموم الناس لا قاعات النخب فقط.

وعن سؤال نصه: ما تفسيركم لانطلاق الانتفاضات في معظم الدول العربية تزامنا مع انطلاق المراجعات لدى الجماعات الجهادية؟.. يجيب هاني نسيرة قائلا: ظني أنه لا رابط بينهما، وربما لم يحضر الجهاديون في انطلاق هذه الانتفاضات أو الثورات، باستثناء الثورة الليبية وهو ما وضحته في كتاب آخر هو كتاب “من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي”، الصادر عن مركز الأهرام يناير سنة 2015، فالجهاديون وجدوا في البداية في انطلاق الثورة الليبية واعتمدوا مبررا لخروجهم تعذيبهم في سجن أبو سليم. ووجد عنفهم أمام عنف القذافي الذي كان دمويا أيضا.. ولكن اتسعت مساحتهم مع الوقت في المسارين المصري والتونسي وخارطتهما الانتقالية مع صعود الإسلاميين، والحديث عن ربيع لهم، انقلب ربيعا جهاديا مع داعش.

ولكن ظل بعضهم للأمانة ملتزما بمراجعاته مصرا عليها والبعض الآخر انقلب على مراجعاته لمراحله الأولى، ومشهد الجماعة الإسلامية المصرية واضح في ذلك فمن بين من كتبوا المراجعات كان عاصم عبدالماجد وهو أحد من يصرون على إسقاط الدولة بعد 30 يونيو.

بالنسبة إلى جدوى الدخول في حوار مع الجماعات الإرهابية حول فكر ابن تيمية، وإن كان ذلك سيفضي إلى تصحيح مسار تلك الجماعات من جهة، وإلى تخليص فكر ابن تيمية من التوظيف الظالم لبعده المعرفي من جهة أخرى، يرى نسيرة أن الحوار مهم وضروري. ولا شك أن استخلاص ابن تيمية من هؤلاء التائهين في سراديب الحاكمية التي لم يرد لفظها ولا مدلولها المودودي والقُطْبي في كتب السلف والنصوص التأسيسية للإسلام أمر مهم وعميق. وشخصيا أقوم بهذا الحوار متى تيسر عبر الكتابة وأحيانا عبر الحوار المباشر، ولاحظت أنه ينجح من كان ذكيا يمتلك حجته، وليس متجرئا يحرق قلب خصمه حين يحرق مقدساته ولا يحترمها.

12